ربع قرن على "أوسلو".. الدولة قامت ولكن للمستوطنين!

15 حزيران 2019 - 12:49 - السبت 15 حزيران 2019, 12:49:04

1
1

رام الله - وكالات

قبل ثلاثة عقود استبشر أهالي قرية دير بلوط خيرا حينما أوقف الاحتلال الإسرائيلي تشييد مستوطنة جديدة فوق جزء من أراضيهم في منطقة دير سمعان شرقي القرية، وذلك استجابة لاعتراض قانوني قدموه للمحكمة العليا الإسرائيلية، لكن فرحتهم لم تطل، فالاحتلال وضع يده على الأرض.

فبعد سنوات طويلة وتحديدا في العام 2012، أعاد الاحتلال وفي المكان ذاته بناء مستوطنة "ليشم" لتكون امتدادا لما يعرف "بإصبع" مستوطنة أريئيل -كبرى مستوطنات شمال الضفة الغربية- الجاثمة فوق أراضي محافظة سلفيت.

ومنذ ذلك الحين لم يتوقف البناء الاستيطاني في "ليشم"، بل أصبحت تزحف نحو منازل المواطنين وتبتلع أراضيهم، كما هو حال المواطن والناشط ضد الاستيطان في القرية داوود عبد الله، حيث لا تبعد المستوطنة عن بيته سوى عشرات الأمتار.

وعلى مسافة ليست بعيدة عن أعمال التجريف والبناء في ليشم، يقف الشاب داوود ينار بحسرة لما يجري في أراضي قريته دون أن يحرك ساكنا، فالجنود المدججون بالسلاح يقفون قرب المكان وينصبون حاجزا وبوابات عسكرية تزيد في معاناة الفلسطينيين.

تهويد تدريجي
ومن 45 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) صادرت سلطات الاحتلال عام 1948 ما مساحتها 15 ألف دونم من أراضي قرية دير بلوط، بينما عزلت عبر الجدار الفاصل 8 آلاف دونم، وصادرت لصالح "ليشم" أكثر من 3500 دونم على حساب المخطط الهيكلي للقرية الذي لم يزد منذ نشأتها عن 750 دونما.

وأدى ذلك -وفق حديث داوود للجزيرة نت- إلى ضيق جغرافي بالمكان، فتوجه بعض المواطنين نحو البناء العمودي الذي ولَّد مشكلات مجتمعية وضغطا سكانيا كبيرا، بينما شيد آخرون منازلهم في مناطق "سي" الخاضعة لسيطرة الاحتلال الذي بات يخطر أكثر من 300 منزل ومنشأة بالهدم في تلك المناطق.
وتقود إجراءات الاحتلال تلك إلى تهويد محافظة سلفيت بأكملها وعزلها عن محيطها الفلسطيني، 

ويؤكد ذلك "تقارب" أعداد المستوطنين مع المواطنين الفلسطينيين فيها. يقول داوود "في المحافظة 27 مستوطنة مقابل 19 قرية فلسطينية".
وتسعى المستوطنات عبر تخطيط منهجي لعزل مدن الضفة الغربية وتحويلها إلى "كانتونات وتجمعات" مقطعة الأوصال، وهو ما سيقضي على أي أمل بدولة فلسطينية خلافا لما قام عليه اتفاق (أوسلو) عام 1993.

دولة المستوطنين
يقول خبير الخرائط والاستيطان في بيت الشرق بالقدس خليل التفكجي إن "دولة المستوطنين قائمة فعلا، ولكن ينقصها القرار السياسي"، وإن الخطر بات أكبر ويتمثل في "انتفاضة" المستوطنين ضد الفلسطينيين التي تصاعدت "بقوة وانتظام" مؤخرا، وتجاوزت حرق المزروعات والاعتداء بالضرب إلى قتل الفلسطينيين.
وقبل اتفاق أوسلو كان المستوطنون يجثمون فوق 1.6% (المستوطنات المبنية) من مساحة الضفة الغربية (المحتلة) (5800 كلم2 من أصل 27 ألفا هي مساحة فلسطين التاريخية)، بينما يقدر مخططها الهيكلي بـ6% .
كما ارتفع تعدادهم من نحو 105 آلاف مستوطن قبل أوسلو إلى أكثر من 700 ألف يجثمون الآن فوق 60% من أراضي الضفة المندرجة تحت مسمى مناطق "سي" الخاضعة لسيطرة الاحتلال ومناطق "النفوذ الإستراتيجي".
وارتفع عدد المستوطنات ليصل إلى 145 مستوطنة في الضفة و15 بالقدس، إضافة إلى نحو 120 بؤرة استيطانية.

كل ذلك مرده -وفق التكفجي- إلى "سياسة الأمر الواقع" التي فرضتها سلطات الاحتلال واستغلت أوسلو لتثبيتها على الأرض، فأصبح المستوطنون مسلحين بقوانين تحميهم "كمواطنين إسرائيليين" وتشجعهم على تصعيد اعتداءاتهم، فصار يسري عليهم القانون "الإسرائيلي" بدلا من قانون الإدارة المدنية المعمول به في الضفة الغربية.

كما أصبح المستوطنون يتلقون رخص البناء من وزارة الإسكان الصهيونية لا من الإدارة المدنية، وشقت الطرق إلى مستوطناتهم لربطها بدولة الاحتلال، وتحولت "كرفاناتهم" المتنقلة إلى بيوت ثابتة وضخمة.
وهذا إسقاط حرفي -وفق التفكجي- لمشروع "كيدار" (نسبة للباحث "الإسرائيلي" مردخاي كيدار) وهو 
"دولتان بدولة واحدة"، دولة المستوطنات وأخرى للتجمعات الفلسطينية التي تُعزل وتقيد حركة سكانها في الدخول والخروج.

قاعدة أوسلو
ووفق سليمان الوعري مدير مركز "عبد الله الحوراني" للدراسات والتوثيق المحسوب على منظمة التحرير الفلسطينية، فإن دولة المستوطنين قامت فعلا على حساب الفلسطينيين ودولتهم التي كان يفترض أن تقوم في الضفة الغربية والقدس الشرقية (المحتلتين عام 67)، حسب اتفاق أوسلو.

وقال الوعري للجزيرة نت إن "إسرائيل" استغلت أوسلو وما بعده لتمرير مخططها الاستيطاني، وخالفت قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير، وسط "دعم أميركي وصمت دولي".
وتابع أن المستوطنات اليوم تشكل جزءا كبيرا من الضفة الغربية وتقطع أوصالها باحتلال المساحة الأكبر من أراضيها عبر ثلاث كتل استيطانية ضخمة: في الشمال (أريئيل) والوسط (معاليه أدوميم) والجنوب (غوش عتصيون)، وكلها جاهزة ومزودة بخدمات البنية التحتية للفصل النهائي وضم هذه المستوطنات إلى (الكيان) وإنهاء حلم الفلسطينيين وأملهم في أي دولة.

تزايد إجراءات الاحتلال هذه وتغوُّل مستوطنيه يجعلان من داوود عبد الله وغيره من أهالي قريته يتشبثون بأرضهم ويرفضون الخروج منها، فالمراهنة باتت على الشعب بعدما فُقدت كل خيارات (السلطة الفلسطينية) السياسية في استعادة الأرض وإقامة الدولة الفلسطينية (الموهومة). (المصدر: موقع الجزيرة نت، بتصرف)

 

انشر عبر
المزيد