ما بعد "الأونروا"

12 حزيران 2019 - 10:16 - الأربعاء 12 حزيران 2019, 10:16:22

الأونروا
الأونروا

وكالة القدس للأنباء – ترجمة

تحتاج الأونروا إلى 60 مليون دولار في حزيران (يونيو) لشراء مواد الإغاثة لمليون لاجئ فلسطيني في غزة، في وقت يحثّ فيه مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط الأمم المتحدة على إغلاق الوكالة. ولاية الأونروا لا تتعلق بترامب، إلا أنه حان الوقت للتساؤل: ماذا سيحدث في اليوم التالي لنفاد أموال الأونروا؟

في العامين 2011 و2012، تلقت الأسر الفقيرة في غزة أغذية الإغاثة، ثم أنفقت ما يصل إلى نصف مداخيلها لشراء ما تبقى من طعام تحتاجه للبقاء على قيد الحياة. كان ذلك في العام 2011، أي قبل تفجير الأنفاق، وقبل قصف العام 2014 وكل العقوبات التي تلته. قبل كل ذلك، كانت مجموعة من سكان غزة الأشد فقراً تنفق نصف مداخيلها لإطعام أسرها، بما في ذلك طعام الإغاثة. كانوا يجهدون بالفعل للحصول على كل أنواع المساعدة التعاونية غير الرسمية.

إن فشل الإغاثة الغذائية التي تقدمها الأونروا ليس مجرد مشكلة أخرى. بالنسبة لسكان غزة الأشد فقراً، تعدّ الإغاثة الغذائية مسألة بقاء.

في اليوم الذي تصبح فيه الأونروا غير قادرة على وضع الطعام على نصف طاولات غزة، فإن "إسرائيل" لن تخفف الحصار. لن تعترف الدول بحماس كمحاور أو كقناة للتمويل. إذا نجح ترامب في تعطيل الأونروا أو تفكيكها، فستفقد غزة مزوّدها الرئيسي بالخدمات العامّة، وأكبر صاحب مشغّل ووكيل اقتصادي غير عسكري، وصاحب أكبر خبرة في لوجستيات الحصار، والمندوب الإنساني الرئيسي - ولن يتمكن أحد من الحلول مكانها.

عملتُ في غزة لمدة أربع سنوات، بما في ذلك سنتان كمستشارة لمكتب مدير غزة في الأونروا في الفترة بين 2013 - 2015. أنا لا أنظر إلى الأونروا بمثالية. تحتاج غزة إلى تغيير سياسي. ومع ذلك، مع عدم وجود عدالة في الأفق، فقد يفقد نصف السكان إمدادات الغذاء الإغاثية. أسأل: مَن الذي سيحضر هذه الإمدادات في اليوم التالي لغياب الأونروا؟ فالأونروا ليست كالجهات الفاعلة الأخرى العاملة في مجال المعونة؛ وقطاع غزة غير قابل للاستبدال بأماكن أخرى.

إن لم تحصل عليها غزة عبر الأونروا، فكيف ستصل المساعدات إليها؟

يمكن لمسؤولي ترامب الغناء والتهليل حول تمويل الحكومات المضيفة للمساعدات التي تقدّم للاجئين؛ لكن غزة ليس لديها حكومة معترف بها. سكان غزة قادرون تمامًا على بناء مؤسساتهم الخاصة، إذا سمح لهم بذلك. لكن، لم يتم السماح لهم بذلك. داخل جدران الحصار القائمة - تلك الجدران التي هي السبب الحقيقي والمباشر لمعاناتها - يتمّ خنق منظمات غزة المحتملة. منح الحصار حركة "حماس" حرية السيطرة على أراضيها، في حين قام المانحون بتسويق إيصال مساعدات بمئات الملايين من الدولارات على المستوى العالمي.

في غزة حصار خانق، وحدود "حماس"، وهيئات مانحة تتبادل المساعدات. قد يكون هناك عدد قليل من كيانات السلطة الفلسطينية الملائمة لتقديم مساعدات في اليوم التالي لغياب الأونروا، وسيكون هناك مقاولون من منظمات غير حكومية هدفهم، كالمعتاد، إتمام الصفقات.

في اليوم التالي للأونروا، ستفشل خدمات القطاع العام بالنسبة إلى ثلثي سكان غزة المسجلين كلاجئين: الصحة والتعليم والغذاء. الأونروا هي أيضا أكبر وكيل غير عسكري في القطاع الخاص في غزة، ولا سيما في ما يتعلق بالمشتريات والبناء. وهذا يجعل الأونروا مصدراً رئيسياً للسيولة. كشوف مرتبات الأونروا وعمليات شرائها وبرامجها تقدّم الأموال النقدية وتوزّعها خلف جدار الحصار.

تدعم هذه الإجراءات نظامًا اقتصاديًا (لم يعد بالإمكان تسميته "اقتصاد عامل"). يعدّ النظام الاقتصادي لغزة من بين أكثر الدول تقلبًا في العالم، حيث يتأرجح فيه التذبذب بين العاصف والمجهول. وكالمذيع، فإنّ الأونروا هي [عنصر] استقرار. على النسوة توفير ميزانياتهن الغذائية، بطريقة أو بأخرى، إلى حين موعد التوزيع التالي للغذاء، أي إلى أن يتمكنّ من وضع كيس آخر من الطحين على الرف. من خلال برنامج الإغاثة الغذائية التابع للأونروا، يتم الركون إلى موعد معروف. في اليوم التالي للأونروا، ستختنق القدرة على التنبؤ بمستوى الكفاف.

النظام الاقتصادي يدعم النظام الاجتماعي. لطالما كانت عجائب غزة عجبًا بالنسبة لي، مع تركيزها المستمر على الأسرة والتعليم. هل يمكن لذلك أن يستمر عندما تفتقر نصف طاولات الأسر إلى الطعام؟

تطلب الاندماج الرأسي للأونروا تطوير معرفة واسعة وشاملة للوجستيات الحصار في غزة. إن صوامع التعاقد على المساعدات الخاصة بقطاع معين لها تأثير معاكس: فهي تتفكك. في الواقع، لقد تمّ التنكر للقبول السلبي للظروف في التعاقد. يدفع للمقاول مقابل التسليم، وليس مقابل التدخل في السياسة.

في اليوم التالي للأونروا، لن يحصل أي شخص على الخدمات اللوجستية و[القدرة على] الاندماج - الاندماج الرأسي للأونروا هو بالتحديد ما يجعلها شريان الحياة الطارئ في غزة. لا أحد في غزة يملك المباني وأساطيل السيارات والشاحنات وشاحنات القمامة وخزانات المياه، والعيادات والمستودعات الصحية مع مخزونات الطوارئ، والاتصالات والتنسيق وخطوط المشتريات الدولية والموظفين ذوي الخبرة الذين يصلونها بكل حي في غزة.

لا يلجأ سكان غزة إلى "حماس" بحثاً عن ملجأ تحت القصف. قيادة "حماس" تقبع تحت الأرض. على النقيض من ذلك، خلال هجوم العام 2014، حافظ 5500 من موظفي غزة في الأونروا على الخدمات الأساسية في الشوارع، تحت القصف، محميين فقط بستراتهم الزاهية (تمتلك الأونروا الآلاف اللازمة من السترات على أرفف المستودعات الخاصة بها).

يطيب للمناهضين للأونروا القول بهدوء إن الخبراء سينزلون بالمظلات إلى غزة عند الحاجة، وسوف ينقذون حيوات أهلها بشكل روتيني، مثلما يفعلون في أي مكان آخر. غزة ليست مثل أي مكان آخر. حين تكون غزة تحت القصف، يُحبس أهلها وتُغلق إمداداتهم.

عملت خلال حرب 2014 كجزء من الفريق الذي كان يدير الملاجئ المدنية الممتلئة التابعة للأونروا. إنني أدرك تمام الإدراك أننا لم نتمكن من فعل ما يكفي، أو تقديم حماية كافية، في مواجهة استراتيجية "إسرائيل" المتمثلة في النزوح الجماعي للمدنيين. ومع ذلك، لا يمكن لأحد أن يفعل ما تفعله الأونروا في حالات الطوارئ. في اليوم الأول للأزمة الأولى بعد الأونروا، ستكون غزة مختلفة بشكل كارثي.

في اليوم التالي للأونروا، ستكون غزة مشكلة إنسانية

الأونروا مفوضة (وإن لم تكن مموّلة تمويلاً كافياً) لخدمة مجتمع واحد من الفلسطينيين، بانتظار حل سياسي يأتي من أماكن عدّة. تقف الأونروا كتذكير واضح لظلم قومي. إن أهمية ولاية الأونروا الموحدة تتضخم بسبب افتقار الفصائل الفلسطينية إلى رؤية وطنية.

في اليوم التالي للأونروا، سيبدأ المئات من المتعاقدين في التنافس لتقديم مساعدات كبيرة الحجم، مثلما يفعلون في أي مكان آخر. إن ازدواجية الجهود التي سيبذلونها ستجعل الأونروا تبدو ناعمة. سيتم الكشف عن هوية الخدمات العامّة الفلسطينية في ألف ميزانية عامة. إن لم تعد جزءًا من مطلب سياسي متماسك، ستغدو مشكلة غزة سلسلة من مشاكل تسليم المساعدات الإنسانية الكمية والمتعلقة بالأرقام.

باتت عمليات الأونروا المتعددة القطاعات مركزية بالنسبة لسجلات اللاجئين. تحوي سجلاتها الصحية العابرة للأجيال استعداد الطفل الفلسطيني للحالات الطبية الموروثة. توثق مدارسها التحصيل التعليمي مدى الحياة. غالبًا ما يفقد النازح استمرارية حياته المسجلة. وهو ما سيحصل لجزء من عمليات الأونروا.

تنجز معظم أعمال الأونروا في غزة في ثمانية مخيمات مكتظة باللاجئين في المناطق الحضرية. المخيم هو مكان خطير للغاية. من الطبيعي أن يتخذ سكان المخيم تغييرات تخفي نزوحهم. تعمل مكاتب الأونروا الدائمة على مستوى الأحياء على موازنة نوعية البيئة المبنية في المخيمات، مقابل خطر التطبيع.

في اليوم التالي للأونروا، سينفذ مقدمو الخدمات المتعاقدون العمل دون [غطاء] تفويض الأونروا أو عمقها أو ذاكرتها المؤسسية.

وهذا بالطبع هو الهدف من الحفلة. يهاجم ترامب الأونروا من أجل تسييس فلسطين وتطبيع الحصار المفروض على غزة واستنفاد سكان غزة إلى الفعل السلبي. إنه يخرق القانون الدولي والالتزامات الإنسانية، دون أن يدفع ثمنًا معتبراً مقابل ذلك. حالياً، تموّل منح التمويل العسكري الأمريكي الخارجية 19٪ من ميزانية الدفاع "الإسرائيلية"، و0.00٪ من ميزانية الأونروا الغذائية.

قد يكون ترامب كارهاً للأهمية السياسية لمهمة الأونروا، لكن عمليات الأونروا أصبحت شريان حياة لمليوني شخص منذ أن فرضت "إسرائيل" حصارًا على غزة في العام 2007. ربما يهدف ترامب إلى تحقيق هدف سياسي، لكنه يلفت النظر إلى هدف أساسي بُنِي لهذا الغرض؛ رداً على الحصار غير القانوني.

بالإمكان تجويع غزة؛ لكن سكان غزة لن يوافقوا مطلقاً على المغادرة بهدوء. أصبحت مسيرة العودة الكبرى منبرهم. في اليوم التالي لفشل تمويل الأونروا، لا أستطيع أن أتخيل الشكل الذي ستتخذه هذه المسيرة.

العنوان الأصلي: The Day After UNRWA

الكاتب: MARILYN GARSON*

المصدر: Counterpunch

التاريخ: 5 حزيران/يونيو 2019

*مارلين غارسون: عملت مع المجتمعات المتأثرة بالحرب من العام 1998 حتى العام 2015. وهي تكتب الآن من نيوزيلندا.

انشر عبر
المزيد