من الخطاب السياسي الى الخطاب الحقوقي

30 أيار 2019 - 01:51 - الخميس 30 أيار 2019, 13:51:09

أوسلو
أوسلو

بقلم: راغدة عسيران

منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد مؤتمر مدريد واتفاقيات "أوسلو"، تدفّقت المنظمات غير الحكومية الأجنبية الى فلسطين المحتلة، وانتعشت المنظمات المحلية، لا سيما التي تعني بحقوق الانسان والأبحاث، والمموّلة اجمالا من الدول ووكالاتها الرسمية والمنظمات الدولية.

انتجت هذه الظاهرة خطابا حقوقيا متماسكا ومتناغما مع الخطاب الدولي، بات ينافس تدريجيا الخطاب السياسي السائد في الساحة الفلسطينية. اعتبر المجتمع الدولي أن هذه المنظمات غير الحكومية المحلية تمثل "المجتمع المدني" الفلسطيني، مهما كانت وظيفتها ومهما كان مجال عملها، كونها تستخدم خطابا يراعي مفهومه للصراع العربي الصهيوني، وهو الخطاب الحقوقي مقابل الخطاب السياسي.

ينطلق الخطاب الحقوقي من التسليم بقرار التقسيم الذي أصاب فلسطين التاريخية، أي أنه يعترف ضمنا بوجود الكيان الصهيوني على أكثر من ثلثي الأراضي الفلسطينية، دون تحديد نوعية حكمه. يتقيّد الخطاب الحقوقي بالمعايير التي وضعتها الوثائق الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، الخاصة بحقوق الانسان وحماية المدنيين في زمن الحرب، وحقوق الشعوب، والقانون الدولي والإنساني، وغالبا ما تخصّ هذه الوثائق الصراعات والحروب بين الدول.

ينبذ التقيّد بهذه الوثائق الحديث عن "العدو" أو "المغتصبات الصهيونية"، كون استخدام هذه المصطلحات يصنّف ب"الكراهية" و"بث الكراهية" ولا يخدم "السلام"، ولكن الحديث عن "الاحتلال الإسرائيلي" له مرجعية دولية ويُعتبر "محايدا" نوعا ما، إلا من قبل الUSAID  (وكالة التنمية الأمريكية) ومن تموّله هذه الوكالة، التي تمنع استخدام هذا المصطلح. لكن "الاحتلال الإسرائيلي" هنا يقتصر على الأراضي المحتلة عام 1967، كما تنص عليه الوثائق الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة.

في الخطاب الحقوقي، يتم رصد أو إدانة "انتهاك حقوق الفلسطينيين" من قبل الاحتلال، في السجون والمدن والقرى، وكذلك في الأراضي المحتلة عام 1948، حيث تصبح هذه الانتهاكات قضية داخلية للكيان الذي يمارس التمييز العنصري بحق "المواطنين" الفلسطينيين. في الخطاب الحقوقي، تعدّ سرقة الأراضي "انتهاكا" للقانون الدولي، والاغتيالات "قتل غير شرعي" وحصار قطاع غزة "غير شرعي" وقصف الأبنية على ساكنيها وارتكاب مجازر "استخدام مفرط للقوة"، وتدمير المجتمع الفلسطيني "فصل عنصري"، كما يتهم هذا الخطاب العدو بارتكاب "جرائم حرب" أو "جرائم ضد الانسانية" وفقا لمعايير محدّدة فصّلتها الوثائق الدولية.

يتسم الخطاب الحقوقي ب"الحيادية" المفرطة أحيانا، ويتجنّب المصطلحات (الصهيونية، اليهود الصهاينة، تحرير فلسطين، القوى الامبريالية) والشعارات السياسية التي تدّل على الانتماء الوطني، ولكنه يختلف عن خطاب البنك الدولي وبعض المؤسسات الدولية التي لا تأخذ بعين الاعتبار الاحتلال الصهيوني لفلسطين والوضع الاقتصادي الناتج عن الاحتلال، والتي تفصل ظاهريا بين الاقتصاد والسياسة، دعما للاحتلال.

يتوجّه الخطاب الحقوقي الى المؤسسات الدولية المموّلة للجمعيات والى "المجتمع الدولي"، وليس الى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية، ولا حتى الى شعوب العالم، بل الى جمعياتهم ومؤسساتهم االتي تعمل في فلك "المجتمع الدولي". لكنه تجاوز مؤخرا هذه الفئات الضيّقة ليتم تناوله والترويج له من قبل حركات شعبية، ومؤسسات إعلامية ومثقفين، لإضفاء نوع من الشرعية الدولية على عملها أو خطابها، بحيث أصبح يزاحم الخطاب السياسي الواضح وغير المحايد والمنتمي الى القضايا الوطنية والمقاومة، الذي تتبناه فصائل المقاومة بشكل عام.

يمكن توضيح التمييز بين الخطاب الحقوقي والخطاب السياسي من خلال مسألتين متعلقتين بالصراع العربي – الصهيوني: مسألة المقاطعة ومناهضة التطبيع، ومسألة دعم قضية الأسرى.

عندما اطلقت عشرات الجمعيات الفلسطينية الوطنية حملة مقاطعة "إسرائيل"، لتصبح فيما بعد حملة الBDS  على المستوى العالمي، التي يخشاها العدو ويجّند أمواله وأعوانه لمحاربتها، تبنّت الخطاب الحقوقي الملتزم بالقانون الدولي ومعاييره، وتوّجهت الى شعوب الدول المطبّعة مع الكيان والداعمة له، تطالبها بوضع حدّ لانتهاك الكيان للقوانين الدولية عبر المقاطعة ووقف الاستثمار بشركاته وبنوكه، وعزله كما عُزل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. ولكن التقيّد بالمعايير الدولية لم يمنع بعض الدول الغربية (الولايات المتحدة، فرنسا، البرلمان الألماني مؤخرا) من تجريم الحملة واعتبارها "معادية للسامية"، أي من فتح صراع قانوني معها للقضاء عليها.

في المقابل، تنطلق النداءات المناهضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني من خطاب سياسي متجذر في الوجدان العربي والإسلامي، ولم تعد حملة المقاطعة إلا ملحقا هامشيا أحيانا، إذ تطال الشركات والشخصيات الأجنبية الداعمة للكيان، كما أقرته جامعة الدول العربية عام 1955، لأن المبدأ هو رفض وجود الكيان بمؤسساته وشركاته ومستوطنيه، وليس فقط كدولة محتلة لأراضي ال67، لا تقيّده معايير القانون الدولي. تصطدم أحيانا حملة مناهضة التطبيع بالمعايير الدولية، عندما تسعى المنظمات التابعة للأمم المتحدة الى فرض الاعتراف بالكيان عبر مشاريع تربوية أو ثقافية (اليونسكو مثلا).

ينبع الخطاب السياسي المناهض للتطبيع من النظرة الكلية للصراع العربي الصهوني في المنطقة، وليس من انتهاكات القانون الدولي من قبل دولة احتلت أراضٍ عربية، والهدف ليس عزل الكيان دوليا الى حين يرضخ للقانون الدولي، بل إزالته كليا عن أرض فلسطين.

لقد اختلطت الحملتان في الآونة الأخيرة في دول عربية تقيم نوعا من العلاقات مع الكيان الصهيوني أو لم تجرّم التطبيع في دساتيرها، بسبب اختلاف معايير الخطابين، الخطاب الحقوقي والخطاب السياسي، حيث يركّز الأول على انتهاك القوانين الدولية من قبل الاحتلال، في حين يركّز الثاني على رفض الاعتراف به ككيان استعماري إحلالي مرتبط بمشروع امبريالي للهيمنة على الوطن العربي. في الوقت الذي يعمل فيه الأول ضمن ما يسمى "الشرعية الدولية"، يتجاوز الثاني هذه الشرعية التي أوجدت الكيان الصهيوني وجزأت الأمة وضمنت الهيمنة الأجنبية عليها.

أما في مسألة دعم قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، فتجاوز الخطاب الحقوقي صدى المؤسسات الحقوقية المموّلة أو المدعومة من الخارج، وبات يركّز على انتهاك العدو لحقوق الاسرى الانسانية، وادانة ممارساته القمعية وأساليب التعذيب وسياسة الاعتقال الإداري "غير الشرعية" و"انتهاك حقوق الطفل في النزاعات". تعتبر الجمعيات الداعمة للأسرى أن تبنّيها للخطاب الحقوقي قد يفتح لها أبواب المجتمع الدولي، غير أن هذا المجتمع ما زال يسدّ آذانه أمام صرخات الأسرى وعائلاتهم، رغم المئات من التقارير التي يستلمها سنويا، المصاغة بلغته الخاصة "المحايدة" والمحشوة بالمرجعيات الحقوقية. من جهة أخرى، يتجنّب الخطاب الحقوقي الموجّه الى الخارج الحديث عن الأسرى الأبطال المقاومين، وكيف يتصدّون لممارسات مصلحة السجون، من خلال تنظيماتهم، وهذا ما يركّز عليه الخطاب السياسي الذي يشدّد أيضا على ضرورة انتزاعهم من السجون بأسر المزيد من الصهاينة لاتمام عملية تبادل.

فالخطاب السياسي في مسألة الاسرى يتوّجه الى الشعب وعائلات الأسرى والى شعوب الأمة، لتعبئتهم حول هذه القضية السياسية والانسانية، دون التنكّر لكون هؤلاء الأسرى مقاومين أبطال قدّموا حياتهم وحملوا السلاح من أجل تحرير فلسطين، ما يستدعي الالتفاف حولهم ودعم صمودهم وصمود عائلاتهم. لم يذكر انتهاكات العدو لحقوقهم إلا لإدانة همجيته، وقد يستفيد من المادة الحقوقية لفضح تواطؤ المجتمع الدولي مع الاحتلال.

إشاعة الخطاب الحقوقي في المجتمعات العربية، بدلا عن الخطاب السياسي، تطرح صورة مبهمة ومنقوصة للقضية الفلسطينية، كأهم قضية لدى الأمة وشعوبها، لأنها لا تستند الى التاريخ والجغرافيا والعقيدة. رغم أهميته في الصراع الدولي، يجب أن يكون تابعا للخطاب السياسي لتعبئة الأمة وشعوبها، وليس متصدرا له.

 
انشر عبر
المزيد