قراءة في كتاب..

قرية العراقيب: التاريخ، الأرض، الانسان

20 أيار 2019 - 06:12 - الإثنين 20 أيار 2019, 18:12:40

بقلم: راغدة عسيران

هدمت قوات العدو الصهيوني قرية العراقيب للمرة 144 في بداية شهر أيار/مايو الحالي، ولا يزال شيخ العراقيب، صياح الطوري، في السجن، بسبب رفضه التوقيع على تسوية مع الاحتلال تجرّد أهل القرية من حقهم التاريخي بها.

لماذا صمدت قرية العراقيب أمام آلات الدمار الصهيونية وما يعني صمودها، ليس فقط لأهل النقب والأراضي المحتلة عام 1948، بل لكل الشعب الفلسطيني؟ أين تقع قرية العراقيب؟ ما هو تاريخها؟ من هم أهلها؟ وكيف أدارت صراعها مع المحتل لتصبح عنوانا للصمود؟ هذه بعض الأسئلة التي أجاب عليها الدكتور ابراهيم ابو جابر في كتابه: "قرية العراقيب: التاريخ، الأرض، الانسان".

يسرد المؤلف الدكتور ابراهيم أبو جابر، ابن المنطقة، كيف تكوّنت قرية العراقيب على مر العصور، بعد تحديد موقعها الجغرافي، بين رهط وبئر السبع، شمال النقب، وتاريخ العشائر والحمائل والعائلات التي سكنتها، ومتى اشترت أراضيها ومساحة هذه الأراضي وأين تقع بالتحديد، حيث يوضّح بأن عشيرة الطوري تملك "حوالي 10 آلاف دونم" وعشيرة العقبي "حوالي 19 ألف دونم" وعائلة الطلالقة "حوالي 8 آلاف دونم" وعائلة العلامات "أكثر من 10 آلاف دونم" وغيرها، "وهي أراضي ملكية خاصة.. وبحوزة أصحابها مستندات رسمية تثبت ذلك قبل قيام الكيان الإسرائيلي".

تكمن أهمية الكتاب بتوثيقه للعديد من الأمور الخاصة بالقرية، وأهمها المجزرة التي ارتكبها الصهاينة يوم 21 تشرين الأول/اكتوبر 1948، بحق أبناء العراقيب وجوارها، "وما هي إلا واحدة ضمن سلسلة الجرح الفلسطيني"، حيث استشهد 18 فلسطينيا رميا بالرصاص، في عملية بشعة، رواها للمؤلف بعض كبار السن من أهل القرية.

خصّص الدكتور أبو جابر الفصل الرابع من الكتاب لتوثيق شهاداتهم على هذه المجزرة بحيث لا يمكن إنكارها ولا إنكار كيفية ارتكابها. ولكن لم تكن مجزرة العراقيب، التي لا يعرف عنها الكثير، إلا واحدة من المجازر العديدة التي ارتكبها الغزاة الصهاينة في منطقة النقب، لترحيل أهلها، كما ذكرت "الحاجة وضحة الهزيل – العقبي" (شهادة ضمن ملاحق الكتاب وقد صدرت على موقع "ديار النقب" عام 2010) التي وصفت ملاحقة "المتسللين" العائدين الى بلادهم بالقول "قبض الجيش على الكثير من المتسللين واقتادهم الى تل النجيلة، وبعد أن أخذ منهم كل شيء، أطلق النار عليهم، وأذكر أن أحدهم قال أنه شاهد في تل النجيلة أكثر من ثلاثين جثة بينهم نساء ورجال".

إضافة الى مجزرة العراقيب الرهيبة، وثّق المؤلف للمعالم التاريخية والأثرية في القرية، في الفصل السادس من الكتاب، مرفقا صورها الملونة، مثل البائكة، وهو "بيت يبنى في العادة من الحجارة والطين والقش.. كان يقوم على بنائها مختصون بالبناء.. من جبل الخليل أو غزة وأحيانا من مصر" والآبار والهراب (آبار تحفر لجمع مياه الأمطار) والزنار (مخزن للحبوب والقش) والمغار والمقابر والمدارس. ولمتابعة شروحاته الدقيقة حول هذه الآثار، أرفق بعض الخرائط (العراقيب وقرى مجاورة).

لكن العراقيب هي أيضا قرية تناضل من أجل البقاء. في الفصل السابع، وتحت عنوان "قرية العراقيب، اسطورة الصمود والتحدي في النقب"، يسرد الكاتب معركة أهل العراقيب الحالية ضد "غربان الهدم" و"جرافات الظلم والقهر" التي يرسلها كيان الاحتلال لمحو القرية عن الوجود.

كان قد شرح في الفصل الثالث المشاريع الصهيونية الخاصة بالنقب والعراقيب، منذ الاحتلال عام 1948، تتلخص بطرد السكان (ما بين 70 الى 90 ألف فلسطيني من سكان النقب) وتجميع من بقي على أرضه في منطقة "السياج" ("السجن الكبير")، حيث "تعد المناطق التي رحّلت منها القبائل العربية أخصب مناطق النقب، وقد فرّغت تماما من السكان بغرض الاستيطان اليهودي، وفعلا تمت إقامة عشرات المستوطنات الزراعية فيها". فرضت سلطات الاحتلال الحكم العسكري على الفلسطينيين الذين أبعدوا عن أراضيهم، لتسهيل عملية السطو عليها وتحويلها الى "أراضي دولة"، ثم أصدرت قوانين تم بموجبها تحديد الأراضي كأراضي زراعية يمنع البناء عليها، و"بذلك تحولت جميع منازل السكان العرب هناك الى منازل "غير قانونية"".

يفصّل الكاتب عملية تسوية الأراضي في النقب في السبعينيات من القرن الماضي وما نتج عنها من دعاوى يطالب الفلسطينيون باستعادة أراضيهم ودعاوى "إسرائيلية" مضادة، وتشكيل لجان حكومية، قبل أن يتم اعتماد خطة "تطوير النقب" عام 2003 والانتقال من "سياسة التفاوض الى سياسة المواجهة المباشرة مع العرب بشأن موضوع الملكية على الأرض".

رفض أهل قرية العراقيب التخلي عن حقهم بالملكية عندما رفضوا اقتراح العدو بتعويضهم بأراضٍ أخرى أو باستئجار أراضيهم، أي الإقرار بملكية "الدولة"، وتسليم رقبتهم للمحتل، الذي يستطيع نقد أي اتفاق متى يشاء، كما حصل مع أهل قرية أم الحيران مؤخرا. اعتقدت سلطات الاحتلال أنه باستخدام القوة والأساليب التدميرية، ستتمكن من إخضاع أهل العراقيب والنقب بشكل عام. فأقدمت في بداية هذا القرن، على رش الأراضي الزراعية بالمبيدات الكيماوية المحظورة، ثم قامت بحراثة الأرض وابادة المحاصيل الزراعية، وتجريف وتشجير الأراضي، الى أن شرعت الى هدم القرية بدءا من العام 2010، واعتقال أبنائها والمتضامنين معهم، فكانت آخر عملية هدم في شهر أيار/مايو 2019، والمعركة مستمرة.

يخصّص المؤلف مقطعا للحديث عن شيخ العراقيب، صياح الطوري، ومواقفه المبدئية من قضية الأرض في النقب، حيث صرّح مرارا "نحن هنا في العراقيب 30 عائلة، ولن نترك أرضنا، أرضنا هي هويتنا"، و"يقترحون علينا شيئا واحدا: وافقوا على دفع إيجار الأرض! فكيف لي أن اوافق على ذلك؟ هذا يعني بأن أقر واعترف بأنها أراضي للدولة.. وليست ملكي الخاص". اضافة الى الشيخ صياح الطوري، يقدّم الكاتب سيَر بعض الشخصيات العربية في النقب مثل المناضلين "الشيخ ابراهيم محمد العقبي" ونوري سليمان العقبي" الذين كرسا جهودهما للدفاع عن أراضي النقب والعراقيب.

في الفصل الثامن، يتابع الكاتب مواقف لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، ومختلف الأحزاب الفلسطينية في الداخل، التي شاركت في التصدي للهجمة الصهيونية على القرية وعلى القرى غير المعترف بها في النقب، ودافعت عن أهلها ودعمت اللجنة الشعبية للدفاع عن العراقيب في إعادة بناء القرية بعد عمليات الهدم.

من خلال تسليطه الضوء على إحدى قرى النقب المحتل عام 1948 غير المعترف بها، وهي قرية العراقيب الصامدة أمام عنف وإرهاب الاحتلال، قدّم الدكتور ابراهيم أبو جابر صورة دقيقة ومفصّلة عن الحياة في هذه المنطقة الغنية في فلسطين، وعن تاريخ أهلها، وتقسيم أراضيها والأساليب الملتوية للعدو للاستيلاء عليها، وذلك عبر الملاحق والصور والجداول والخرائط التي تساعد على متابعة وفهم الموضوع. لم تعد قرية العراقيب قرية نائية تُهدم بين الحين والآخر، بل قرية تناضل عائلاتها وعشائرها المتجذرة في المنطقة من أجل البقاء وإزالة الظلم الذي وقع عليها مع الغزو الصهيوني.

الطبعة الأولى 2018، 363 صفحة

انشر عبر
المزيد