من بلفور الى ترامب: من نكبة فلسطين إلى نكبة الأمة.. المقاومة هي العنوان

15 أيار 2019 - 06:05 - الأربعاء 15 أيار 2019, 06:05:30

وكالة القدس للأنباء - سمير أحمد

في الخامس عشر من أيار/مايو تعبر الذكرى الـحادية والسبعين لنكبة فلسطين، المستمرة والمتواصلة منذ دنست أقدام الصهاينة الأوائل ترابها، وأقاموا أول مستعمراتهم برعاية غربية، على طريق تحقيق المشروع الإستعماري الذي لم يستهدف فلسطين لذاتها، وإنما اتخذ منها قاعدة عسكرية متقدمة لاختراق الأمتين العربية والإسلامية، للحيلولة دون انتشار حركات التحرير الوطنية، وضرب أي بوادر للتحرر والازدهار والتقدم والوحدة، لتبقى هذه الأمة مجزأة ومتخلفة ومقسمة تنهشها الصراعات، ليسهل على المستعمرين (القدامى والجدد) إطباق السيطرة عليها، ونهب ثرواتها وخيرات شعوبها.

فإذا كانت نكبة الأمس قد أطلت بأنيابها السامة مع اتفاقية "سايكس-بيكو" في (29/11/1916)، و"وعد بلفور" في (2/11/1917) فإن الذكرى هذا العام تحل والمنطقة برمتها –العربية والإسلامية وفي القلب منها فلسطين- تعيش إرهاصات نكبة جديدة عنوانها "وعود ترامب" أو ما اصطلح الرئيس الأمريكي على تسميتها بـ"صفقة القرن". والهدف تصفية القوى المقاومة والدول الممانعة، وتفتيت المجزأ ونخر جسد الأمة بالصراعات البينية، وإضعاف بنيانها لتسهيل تسيِّد الكيان الصهيوني على المنطقة برمتها.

وبالرغم من أن عناصر تلك الصفقة وعناوينها لم تخرج بعد من "البيت الأبيض" بصيغتها الرسمية، المرتقبة وفق تصريحات فريق العمل الرئاسي الصهيوني الهوى والهوية (كوشنير، غرينبلات وفيلدمان) بعد نهاية شهر رمضان المبارك.. وبالرغم من كون المكشوف منها، لا يعدو كونه تسريبات درجت وسائل إعلام أمريكية وصهيونية على إخراجها بين الفينة والأخرى، فإن إرهاصاتها العملية التي بدأت باعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس (الموحدة) عاصمة لكيان العدو الصهيوني، ونقل سفارة بلادها إليها، وتواصلت بإعلان الحرب على "وكالة الأمم المتحدة لإغائة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (الأونروا)، ودعوة الجمعية العامة لإلغاء دورها، تمهيداً لشطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم حيث يقيمون.. وبالاعتراف بسيادة حكومة العدو الصهيوني على الجولان العربي السوري المحتل، وليس آخر تلك التسريبات هي التلميح باعتراف الإدارة الأمريكية بالسيادة "الإسرائيلية" على المستوطنات المنتشرة كالغدد السرطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين...

وفوق كل ذلك، عملت الإدارة الأمريكية على نقل التطبيع الذي كان جارياً بين بعض الدول العربية وحكومة العدو الصهيوني من السر إلى العلن. ووجدنا أبواب بعض البلدان العربية، وبخاصة الخليجية منها قد شُرِّعت للوفود "الإسرائيلية" السياسية والرياضية وحتى العسكرية والأمنية... ووصلت إلى المناورات المشتركة. وهذا الأمر إن دلَّ على شيء فإنما يدل على المستوى الذي وصلت إليه هذه العلاقات التي أسس لها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وتابعها دونالد ترامب تحت عنوان: التحالف الستراتيجي، أو "الناتو العربي" المتجهة بوصلته نحو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي حولتها الرؤية الأميركية "الإسرائيلية" إلى العدو الإقليمي المزعوم في المنطقة لهذا المحور الصهيو أمريكي الذي نجح في جمع كل حلفاء أمريكا في المنطقة مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو على طاولة واحدة في العاصمة البولندية، وارسو..

وبات التطبيع مع الكيان الغاصب عنوان المرحلة الراهنة لهذه الحفنة من الحكام والأنظمة التي قال عنهم وفيهم الرئيس الأمريكي أنهم لن يصمدوا سبعة أيام في حال رفعت الحماية الأمريكية عنهم.

وبهذا الصدد تشير بيانات دائرة السكان والهجرة في كيان العدو، إلى أن عدد الزوار من الدول العربية والإسلامية إلى (الكيان)، بلغ رقما قياسيا هذا العام بالمقارنة مع السنوات السابقة.

وكشفت هذه المعطيات، أن ما يقرب من 55 ألف "سائح" (مطبع) من دول ليست لها علاقات دبلوماسية مع (الكيان الصهيوني)، زاروا (الكيان) في هذه السنة. جلهم من مصر، الأردن، أندونيسيا، تركيا، المغرب، تونس، قطر، عُمان، الجزائر، الكويت، الامارات والسعودية.

ان كل هذه الخطوات التي نفذتها الإدارة الأمريكية، وتلك التي ستنفذها في المقبل من الأيام، في إطار "صفقة القرن" لا تغير في مجرى الصراع العربي الصهيوني، ولا تبدل في الواقع القائم لشعب محتلة أرضه يجاهد منذ أكثر من قرن ضد الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية وعصاباتها الإجرامية وكيانها العدواني. بخاصة وأن إدارة ترامب لم تجد حتى الآن مسؤولا أو تنظيما فلسطينيا واحدا مستعدا للتوقيع عليها، والسير بها.

فرفض "الصفقة" جاء موقفا فلسطينيا جامعا، من كل الانتماءات والاتجاهات، بمن فيهم المنخرطون في إطار التسويات والمفاوضات والموقعون على اتفاقية "أوسلو" المشؤومة... لكن هذا الموقف لم ينجح حتى الأن في التحول إلى قوة دافعة لإنهاء حالة الانقسام السياسي والجغرافي المستمرة بين رام الله وغزة منذ نحو 12 عاما وذلك عائد لإصرار رئيس السلطة محمود عباس على "أن تتخلى المقاومة عن سلاحها وتلتزم الاعتراف "بإسرائيل".. وبهذا الصدد يقول الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، زياد النخالة، "لقد بذلت جهود كبيرة بغرض توحيد جبهتنا الداخلية وللأسف لم نوفق لأسباب كثيرة أهمها اختلافنا في الوسائل التي نقاوم بها الاحتلال. واختلافنا أيضا في توصيف "إسرائيل" هل هي عدو محتل لأرضنا. أم دولة جارة لنا، اختلفنا معها على ترسيم الحدود؟"..

لقد فشلت الكثير من المشاريع والمخططات الصهيو أمريكية، من "كامب ديفيد"، إلى "أوسلو" و"وادي عربة" في حرف بوصلة الشعب الفلسطيني عن هدف التحرير والعودة، ونجحت قوى المقاومة في كافة الظروف والمحطات من فرض إرادتها والتصدي لمخططات التصفية..، وحققت الكثير من الإنتصارات في لبنان وقطاع غزة ولم تكن الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 48 بما فيها القدس أقل عطاء وتضحية ومقاومة أجبرت العدو على التراجع في هبَّة البوابات الإلكترونية، وانتفاضة القدس التي شهدت عشرات العمليات الفردية البطولية، التي كشفت عجز القوى العسكرية والأمنية الصهيونية عن وضع حد لهذه العمليات البطولية بالرغم من صفحة التنسيق الأمني السوداء...

وهذا المصير سيلحق بصفقة ترامب، التي عرَّت الكثير من الأوهام، التي عششت في رؤوس القيادة المتنفذة بمنظمة التحرير وسلطة رام الله، ومن خلفها القابعون في جامعة الدول العربية الذين يتمسكون بمبادرة "السلام العربية" التي قال عنها قادة العدو "إنها لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به" وداستها أقدامهم الهمجية في الحرب التدميرية التي استهدفت مخيم جنين بالضفة الغربية المحتلة، بعد ستة أشهر من إقرار تلك المبادرة...

كما كشفت "الصفقة" السراب الذي ركضت خلفه تلك القيادة منذ العام 1974... وأنهت أوهام "السلام العادل والشامل"، وسراب "الدولة الفلسطينية المستقلة" وأسقطت "حل الدولتين" بعدما تبنَّت الرأي الصهيوني القائم على أن "لا دولة غير الدولة اليهودية بين البحر والنهر"!..

فقد تحولت السلطة الوطنية المقاتلة التي جاءت في برنامج "النقاط العشر" إلى "سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود".. سلطة "التنسيق الأمني المقدس".. سلطة لا يتحرك رئيسها وكل رجالاتها إلا بإذن مسبق من أجهزة مخابرات العدو...

أما الدولة الفلسطينية الموهومة فلم تعد أكثر من بانتستونات معزولة تفصل بين ما تبقى من مدن وقرى في الضفة الغربية المحتلة مئات المستوطنات، والجدران الإسمنتية، وعشرات الحواجز العسكرية "الإسرائيلية"، والطرق الالتفافية والأنفاق والجسور المعلقة...

أما حق عودة اللاجئين الفلسطينيين فقد سقط حين اعلنت القيادة المتنفذة في المنظمة اعترافها بالكيان الغاصب فوق نحو 80 بالمائة من أرض فلسطين التاريخية، وعزز هذا الأمر "كنيست العدو" الذي أقر "قانون القومية" الذي كرس "يهودية الدولة" وأكد في ما أكد عليه أن "حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على اليهود، والهجرة التي تؤدي إلى المواطنة المباشرة هي لليهود فقط"، وأن "القدس الكبرى والموحدة عاصمة إسرائيل"، وأن "العبرية هي لغة الدولة الرسمية، واللغة العربية تفقد مكانتها كلغة رسمية".

فإذا كان بلفور قد وعد الحركة الصهيونية بإقامة كيان لليهود في فلسطين.. فإن ترامب يسعى منذ وطئت قدماه أرض البيت الأبيض لتحويل "إسرائيل" لدولة إقليمية معترف بها من قبل الأنظمة المتهاوية، لها شرعية إقليمية، وتمثل القاعدة الأساس للمحور "الإقليمي" المعادي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في محاولة لإستعادة "إسرائيل" مفهوم المجال الحيوي الذي كان يمتد سابقاً حتى الحدود الأفغانية، شرقا، ونهاية الحدود العربية غربا.

ان المخاطر التي تمثلها "صفقة القرن" على القضية الفلسطينية، خاصة، والصراع العربي الصهيوني، عامة، وعلى المنطقة برمتها تتطلب أعلى درجات التنسيق والتعاون على كافة الصعد والمستويات بين القوى المقاومة والدول الممانعة، أولا، والسعي الجاد لإنهاء حالة الانقسام في الساحة الفلسطينية، على قاعدة المقاومة، وخروج القيادة المتنفذة من أسر أوسلو ونتائجه الكارثية والانطلاق لإعادة بناء المنظمة ومؤسساتها على ثوابت الميثاق الوطني التي أسقطت بحضور الرئيسى الأمريكي بيل كلينتون في العام 1996، ثانيا، وتنشيط الحالة الرافضة والمقاومة للتطبيع مع كيان العدو الصهيوني في الدول العربية، كافة، ثالثا...    

فهل تتمكن القوى والدول الرافضة لـ"صفقة القرن" والمواجهة للمخططات الصهيو أمريكية من توحيد جهودها وبناء أطر عملها المشترك لإسقاطها وإفشال حلقاتها؟ 

وهل تتغلب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية ويقف الكل الفلسطيني في وجه "صفقة القرن"؟..

انشر عبر
المزيد