1948 - 2019: نكبة القدس مستمرة

15 أيار 2019 - 06:02 - الأربعاء 15 أيار 2019, 06:02:16

وكالة القدس للأنباء - راغدة عسيران

تقف مدينة القدس اليوم على عتبة جديدة في صراعها ضد العدو المحتل، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنها عاصمته. إذ تشهد موجة غير مسبوقة من حملات التهويد تطال المقدسات والمقدسيين وأحيائهم ومساكنهم.

منذ بداية الغزو الصهيوني في أواخر القرن التاسع عشر، اعتبرت الحركة الصهيونية وقادتها أن نجاح مشروعها مرهون باحتلال وتهويد المدينة العربية الاسلامية المقدسة.

منذ ذلك الحين، تنتقل المدينة من نكبة الى أخرى، تتخللها فترات مضيئة يصنعها المجاهدون والفدائيون والمناضلون الفلسطينيون، الذين استطاعوا، رغم الظروف الصعبة، إعاقة الزحف الهمجي وإبطاءه، بانتظار صحوة الأمة وإلتفاتها الى مصالحها.

كان الهجوم الأول مع إعلان وعد بلفور، الذي يمنح "وطنا" لليهود على أرض فلسطين، ولم يهدف الاحتلال البريطاني لفلسطين إلا تكريس هذا الوعد المشؤوم على حساب أهلها "غير اليهود". انتفض الشعب الفلسطيني، وثار المقدسيون عام 1920 خلال موسم النبي موسى وفي آب/أغسطس 1929، في هبّة البراق، وتتالت الانتفاضات والثورات، في الوقت الذي كان فيه الاستيطان اليهودي يتوسع ويتسلح ويبني، تحت رعاية الاحتلال البريطاني، الذي كان يقمع ويزج في سجونه أبناء فلسطين الرافضين له وللمستوطنين، ويناور لتقسيم صفوفهم، وينجح أحيانا، بمساعدة الدول العربية التي يسيطر عليها.

انتشرت المستوطنات الصهيونية في محيط القدس وفي بعض أحيائها (الشمال، الغرب والجنوب) بعد قمع ثورة 1936-1939 وتسريب الأراضي للغزاة.

فور صدور قرار التقسيم في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، اشتعلت الحرب بين الفلسطينيين العزل والصهاينة المدعومين دوليا وخاصة من قبل بريطانيا، التي كانت تغض النظر عن الأسلحة المتدفقة اليهم في حين كانت تصادر الأسلحة من يد المقاومين وتحاكمهم، وتتواطأ مع الغزاة، كما حصل في بيت صفافا (12/1947) حيث سلّم البريطانيون بيتا فلسطينيا للصهاينة الذين نسفوه (عارف العارف). يشير المؤرخ الفلسطيني الى أن قرية لفتا الواقعة على طريق القدس – يافا كانت أول قرية مقدسية مطوقة بالمستوطنات يتم تهجير أهلها، بعد نسف بيوتها وارتكاب مجزرة بحق أهلها (27/12/1947).

سعى الغزاة الصهاينة الى فتح طريق يافا – القدس وربط المستوطنات داخل القدس بعضها ببعض، وفك الحصار عن الحيّ اليهودي في البلدة القديمة، الذي تحوّل الى ثكنة عسكرية. لقد ألقوا القنابل على الأحياء العربية (باب العمود في 29/12/47) وفجرّوا الأبنية (فندق سميراميس في القطمون يوم 5/1/48)، وهجموا على الأحياء العربية لقطع طريق القدس – نابلس (وادي الجوز يوم 26/2/1948 والشيخ جراح من 3/11/47 الى 19/5/1948).

وقبل انسحاب الاحتلال البريطاني في شهر أيار/ مايو 1948، شنّت العصابات الصهيونية هجوما مركزا على القرى والأحياء المقدسية التي كانت تعيق التواصل بين مستوطنة تل أبيب وتلك المنتشرة في منطقة القدس. فكانت معارك القسطل ومجزرة دير ياسين وسقوط قرية قالونيا ومحاولة السيطرة على اللطرون، ومعارك حيّ القطمون التي دامت أربعة شهور، من كانون الثاني/يناير الى أيار/مايو 1948.

تصدى المقاومون الأبطال بكل قواهم وأسلحتهم لهذه الهجمات وارتقى العديد من الشهداء، وبسبب قلة الأسلحة والذخيرة، استخدموا طريقة التفجيرات والنسف، تفجير أحياء وشوارع يهودية (شارع هاسوليل، حي المونتفيوري، الوكالة اليهودية، شارع بن يهودا) وشكّلوا فرقة التدمير العربية المنبثقة عن قوات الجهاد المقدس، وحاصروا الحيّ اليهودي، ومنعوا قوافل الفوسفات من السير في شوارع القدس، واستطاعوا حماية والمحافظة على عدة أحياء مقدسية.

إلا أن الإعلان البريطاني عن الانسحاب من فلسطين يوم 13/5 أطلق الإرهاب الصهيوني على معظم الاحياء والقرى المقدسية، ولم يتم استرجاع بعضها إلا بعد تدخلّ الجيش الأردني في 19/5، فكانت النكبة الأولى مع الإقرار بتقسيم المدينة وقراها بين الغزاة الصهاينة والعرب، بين شرقها وشمالها من جهة، وغربها وجنوبها من جهة أخرى، وتهجير أهلها الذين أصبحوا لاجئين.

تمثلت النكبة الثانية بالاحتلال الصهيوني للأحياء والقرى المقدسية الأخرى في حزيران/يونيو 1967، وتدمير أحياء ومساجد وكنائس، والسطو على الأراضي والمياه، والهجوم على المقدسات، وإبعاد واعتقال المقدسيين، الى أن تم توقيع اتفاقيات "أوسلو" المشؤومة عام 1993 (النكبة الثالثة) التي فتحت شهية الغزاة ومكّنتهم من محاصرة المدينة المقدسة، وعزلها وعزل أهلها عن باقي المناطق الفلسطينية بعد انتفاضة الأقصى عام 2000، لتسهيل عملية التهويد الشاملة التي يخطط لها العدو. لم يسلم أي حيّ من أحيائها من عمليات التدمير والغزو الاستيطاني، وخاصة البلدة القديمة العريقة، وقد تم تقطيع أوصال الأحياء العربية لتصبح بؤر مجزأة تحاصرها المستوطنات والطرق التهويدية، وتفكيك التواصل الاجتماعي بين المقدسيين أنفسهم. فاكتملت النكبة في القدس مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتغطرس، وهذا ما كان ينتظره العدو للقضاء على عروبة المدينة وقدسيتها.

رغم تفوقه العسكري والتكنولوجي والتواطؤ الدولي معه، لم يستطع العدو إنجاز مشروعه التهويدي في القدس قبل انحياز أنظمة عربية الى جانبه والتحالف معه في الفترة الأخيرة. ولكن، لم تكن الأنظمة العربية بريئة عن إحلال النكبات في فلسطين والقدس بالذات. ألم يصرخ الشهيد عبد القادر الحسيني في وجهها يوم توجه الى

دمشق مطالبا بتسليح المجاهدين المقدسيين قائلا: "أنتم خونة، أنتم مجرمون، سيسجل التاريخ أنكم أضعتم

فلسطين"؟ لأنهم رفضوا مدّه بالسلاح، وعندما استيقظ بعضهم من سباتهم وشكلّوا "جيش الإنقاذ" ثم قرّروا إدخال جيوشهم الى فلسطين، كانت المعركة مع الغزاة وحلفائهم قد حسمت.

لكن من أبطأ عملية التهويد والإجهاز على عروبة القدس هم المجاهدون والمقاومون ومن دعمهم من الشعوب العربية والاسلامية، الحليفة لشعب فلسطين البطل.

قبل النكبة الأولى وبعدها، واجه الشعب الفلسطيني الغزاة، وبطشهم وسجونهم ومجازرهم، بالسلاح والانتفاضات والهبّات الجماهيرية، وتصدى لمحاولات تدنيس المقدسات وتهويدها، ودافع عن ما تبقى من الأحياء العربية ورابط في المسجد الأقصى لحاميتة. ومنذ 2015، هاجم المقاومون الصهاينة بالطعن والدهس والعمليات الفدائية، وأفشلت الجماهير المقدسية محاولات تقسيم المسجد الأقصى بين اليهود والمسلمين في هبّتي باب الأسباط وباب الرحمة، في ظل تواطؤ بعض الأنظمة العربية مع العدو، ومسار التطبيع الخياني معه من قبل أنظمة ومؤسسات وشخصيات عربية.

تتجلى نكبة القدس اليوم باصطفاف عشرات الآلاف من أبناء الضفة الغربية المحتلة في الطوابير أمام حواجز الاحتلال المذلة لدخول مدينة القدس وفي منع الغزاة للآلاف من المقدسيين والفلسطينيين من دخول المسجد الأقصى، وفي إبعاد المقدسيين عن مدينتهم وتدمير منازلهم، وفي الحفريات المتواصلة حول وتحت المسجد الأقصى، وفي تشويه تاريخ القدس وفلسطين، وطمس معالمها العربية الإسلامية، كما تتجلى بعدد اللاجئين المقدسيين الذي يحاول العدو وحلفاءه شطب حقهم في العودة الى أحيائهم وقراهم، وفي الاعتقاد أن الأحياء والقرى غربي القدس لم تعد فلسطينية، وإن العودة اليها باتت مستحيلة، وفي الشعور بالعجز أمام العدو المتغطرس وأعوانه الدوليين والعرب.

بالمقابل، تكمن إزالة نتائج النكبة المستمرة في القدس بالتصدي للمشروع الصهيوني بكل تجلياته، الفكرية والعملية، وإعادة جمع المجزأ (الاحياء الغربية بالأحياء الشرقية)، وإحياء ذكرى شهداء القدس الذين ارتقوا دفاعا عن عروبتها ووحدتها وأهلها، والامتثال بهم وبروحهم الجهادية، واستعادة تاريخ مقاومة أبنائها وإحياء ثقافتها المتجذرة في الأعماق، بعيدا عن أموال القنصليات والمؤسسات الأجنبية، وملاحقة المطبّعين من عرب وفلسطينيين وفضحهم أمام شعوبهم، ودعم مقاومة وصمود المقدسيين، بالمال والإعلام والسلاح. ويبقى الأهم وهو الثقة بالمقاومة وبامكانية ردّ العدوان ومحو آثار النكبة، لأن المقاومة المسلحة الفلسطينية تعيق اليوم المشروع الأميركي الصهيوني الهادف الى تصفية القضية الفلسطينية، ولأنها مدعومة من قبل محور عربي وإسلامي، ولأن الإرادة الفلسطينية الشعبية ما زالت ترفض وجود كيان استعماري همجي عنصري على أرضها.

انشر عبر
المزيد