معركة الكرامة 2: عوامل الانتصار

30 نيسان 2019 - 11:30 - الثلاثاء 30 نيسان 2019, 11:30:11

راغدة عسيران

خاضت الحركة الوطنية الأسيرة معركة الكرامة 2 من 8 الى 16 نيسان/ابريل 2019. فسجّلت انتصارا جديدا على العدو الصهيوني بانتزاعها حق تواصل الأسرى مع ذويهم عبر هواتف عمومية سيتم تركيبها في السجون، وإلغاء أجهزة التشويش المسرطنة، إضافة الى العودة الى الأوضاع السابقة للهجمة الصهيونية الشرسة ضدهم منذ بداية السنة.

تعتبر هذه المعركة أقصر المعارك زمنيا بعد صفقة "وفاء الأحرار" التي تمت في تشرين الأول/اكتوبر 2011، وثالث معركة خاضها الأسرى جماعياً بعد تلك الصفقة والتي تكللّت بالنجاح.

ما هي العوامل التي ساعدت الحركة الوطنية الأسيرة على الانتصار؟ ماذا يعني الانتصار في معركة الأمعاء الخاوية في الظروف الحالية؟

ظروف معركة الكرامة 2

شهدت سجون الاحتلال هجمة غير مسبوقة معادية للأسرى في سجون العدو، في ظل تصاعد التيار الإستيطاني الفاشي في كيان الاحتلال، تتوجّت بتوصيات الوزير الصهيوني جلعاد اردان، قبل سنة، بالعودة عن جميع انجازات الأسرى التي حققوها بدمائهم وأمعائهم الخاوية، الى الصفر، ومنها الإنجازات الأخيرة الخاصة بالعزل والزيارات والتنقل بين السجون.

لقد وظّف الكيان الصهيوني الدعم الأميركي اللامحدود لسياسته العدوانية والهرولة التطبيعية العربية معه، لا سيما الخليجية، لتصعيد إجراءاته القمعية ضد الأسرى وعائلاتهم، مستغلا صمت المجتمع الدولي إزاء العنجهية الاميركية الصهيونية المشتركة. وأسفر تجاوب بعض الأنظمة العربية مع المشروع الأميركي لتصفية القضية الفلسطينية وانبطاحها الكلي أمامه عن انقسام بل شلل عربي بحيث لم يعد هناك حاضنة عربية، رسمية وشعبية، للشعب الفلسطيني ونضاله البطولي ضد الاحتلال، -باستثناء بعض التحركات في هذا البلد أو ذاك

محليا، خاض الأسرى معركتهم الأخيرة في ظل انتخابات الكنيست الصهيوني، حيث كان يتباهى كل فريق أنه أكثر شراسة من غيره إزاء الفلسطينيين، لكسب أصوات جمهور عنصري وهمجي. ولكن، من جهة أخرى، حصلت المعركة في خضم مسيرات العودة وكسر الحصار في قطاع غزة، التي تجاوزت العام، والتي تنج عنها حراك دولي وعربي لمنع اندلاع عدوان إضافي على قطاع غزة والمقاومة، كما نتج صراع داخل المؤسسة الصهيونية، بين من يريد الحرب والمواجهة مع المقاومة، ومن يريد التريّث وتطوير القدرة القتالية الصهيونية، بعد المعارك القصيرة والمعبّرة التي شنّتها المقاومة للرد على الاعتداءات الصهيونية، حيث وصلت صواريخها الى تل أبيب. كما حصلت في ظل تصاعد عمليات المقاومة في الضفة الغربية والالتفاف الشعبي حولها، والأجواء المشتعلة بسبب تغول الاستيطان والتهويد، وضعف السلطة المنقسمة على نفسها، واستمرار التنسيق الأمني بين أجهزتها والعدو.

عوامل الانتصار

في ظل هذه الظروف، قرّر الأسرى خوض معركة الكرامة 2، للرد على الهجمة المسعورة التي شنّها الاحتلال، منذ بداية العام 2019، خاصة ضد الأسرى في سجن عوفر وضد الاسيرات في سجن هشارون. يدرك الأسرى صعوبات المرحلة، ولكنهم يدركون أيضا أن عدم الرد على مصلحة السجون ووزيرها اردان يعني المزيد من القمع وسحب الإنجازات كلها، لا سيما وأن تركيب أجهزة التشويش المسرطنة يعني لهم الموت البطيئ.

لهذه الأسباب، قاموا بتحديد المطالب والأولويات، واقتصرت على إزالة هذه الأجهزة وتركيب هواتف عمومية في السجون، وتبعها مطالب أخرى (التنقلات، العزل، الأسرى المرضى) في حين تتطلب أوضاع السجون وظروف الأسر المئات من المطالب الملحّة. من أهم عوامل النصر التي حققها الأسرى هو تحديد المطلب الأهم بالنسبة لهم جميعا، في هذه المرحلة. العامل الثاني هو البدء بالمعركة بإصرار وعزيمة، وعدم التراجع مهما كلّف الأمر، وهذا ما أكّده الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي قائلا أن الأسرى "يخوضون اليوم معركه الكرامه بكل ثقه وثبات".

العامل الثالث هو التخطيط المحكم لمسار المعركة، حيث تم الاتفاق على أن تباشر بالإضراب عن الطعام قيادة مؤلفة من أربع مجاهدين يمثلون الفصائل المقاتلة، هم الأسير المجاهد زيد بسيسي، القيادي في سرايا القدس (الحكم مؤبد و55 عاما)، والأسير المجاهد محمد عرمان القيادي في كتائب عز الدين القسام (الحكم 36 مؤبدا)، والأسير المناضل وائل الجاغوب من كتائب أبو علي مصطفى (الحكم مؤبد)، والأسير المقدسي حسين درباس، القيادي في الجبهة الديمقراطية (الحكم 25 عاما).

كان من المفترض أن ينضم بعد أيام أسرى آخرون الى المعركة، ولكن لم تنتظر الدفعة الثانية إلا بضع ساعات، إذ سرعان ما أٌعلن عن انضمام 300 ثم 400 أسير الى المعركة، من كافة السجون، في حين سجّل 1200 أسير أسماءهم للانضمام إليهم فيما بعد، في حال استمرار المعركة، ما يشير الى استعداد الأسرى لخوضها، والى حالة الغضب داخل السجون بعد الهجوم الهستيري على الأسرى خلال الأشهر الماضية.

وفي أثناء التفاوض مع إدارة السجون، كانت تنتظر مجموعة مؤلفة من أسرى جاهزين للشهادة، سيخوضون الإضراب عن الطعام وعن شرب الماء، من أجل تسريع المفاوضات وكسر شوكة الاحتلال. وفي هذه الأثناء، المفاوضات مستمرة مع إدارة السجون للتوصل الى اتفاق يرضي الأسرى.

العامل الرابع لانتصار الأسرى هو موقف المقاومة الداعم للمعركة والمشارك فيها، حيث أكّد الأمين العام لـ"حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، الأستاذ زياد النخالة، أن "المقاومة الفلسطينية ملتزمة بالدفاع عن أسراها بكل الوسائل ومهما كانت التضحيات حتى تحريرهم". كما هدّد الناطق الرسمي لكتائب القسام، أبو عبيدة، أن المقاومة ستعامل الأسرى الصهاينة بنفس معاملة الأسرى الفلسطينيين، ما يدلّ على أن المقاومة كانت تترقب معركة أبنائها ضد السجان، جاهزة للتدخل إن لزم الأمر.

من جهة أخرى، أكدت حركة حماس أن وضع الأسرى المأساوي والمعركة التي يخوضونها كانت حاضرة في التفاهمات التي تجريها مع الجانب المصري والأممي بخصوص وضع قطاع غزة المحاصر، ما أضاف عاملا آخر للانتصار، حيث أصبحت معركة الكرامة 2 إحدى بنود التفاهمات مع المحتل، وفي هذا الصدد، التدخل المصري الى جانب الأسرى أعطى دفعة قوية لانتصارهم، وهذا ما أكّد عليه بيان الأسرى حول انتهاء المعركة، شاكرين دور مصر التي وقفت الى جانبهم.

مما لا شك فيه أن العامل الحاسم هو خشية الاحتلال من توسّع عدد الأسرى المضربين عن الطعام، ودخول النخبة الفدائية في المعركة، ومن ثم توسيع الدعم في الضفة الغربية، وانتقاله الى الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 في حال استمرت المعركة. وهذا ما لا يتحمله العدو في أجواء انتخابية يريدها هادئة، لا يساهم فيها صراعه مع الشعب الفلسطيني، الذي يؤجج مزايدات القوى الصهيونية المتنافسة.

يعني ذلك أن التفاف الشعب الفلسطيني حول الأسرى ودعم معارك الأمعاء الخاوية ومعارك أخرى ضد السجان يشكلان العامل الأهم للضغط على الاحتلال وإرغامه على التفاوض والاستجابة للأسرى. والخلاف الذي حصل بين نتنياهو واردان في هذا الخصوص حول الاستجابة لمطالب الأسرى يدلّ على هشاشة الوضع الداخلي في الكيان، بعد فرض المقاومة معادلة الدم بالدم وتأكيدها على جهوزيتها التامة.

اختلفت ظروف معارك الأسرى الأخيرة، بعد صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011، ولكن تمكّنت كل معركة من الاستفادة منها بقدر الامكان لتحسين الوضع في السجون أو الرد على همجية الاحتلال. فأدارت القيادة كل معركة حسب المعطيات على الأرض التي درستها، وخططت بحكمة لإنجاحها.

ولكن، كما ورد في بيان الأسرى" المعركة لم تنته بعد، فالمرحلة الأصعب هي تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، فلا تنزلوا عن جبل النصرة وتتركوا ثغر المساندة لنا، وهذه ثقتُنا بكم."

انشر عبر
المزيد