خاص: هكذا يعيش المنسيون في "شاتيلا"!

26 نيسان 2019 - 11:55 - الجمعة 26 نيسان 2019, 11:55:45

وكالة القدس للأنباء – أمين مصطفى

يُحكى الكثير عن مخيم شاتيلا، الذي يعيش فيه حاليا أكثر من 14 ألف لاجئ ونازح، جمعتهم ظروف وأقدار شتى، ناتجة عن حروب، ودمار لمخيمات أخرى في لبنان، كمخيم تل الزعتر والنبطية، وذلك على مساحة لا تتجاوز الكيلومترا مربعا واحدا، لكن الكلام شيء والمشاهدة والمعايشة داخل هذا المخيم شيء آخر.

ففي جولة سريعة في أزقة " شاتيلا"، تلحظ حياة بؤس وفوضى، يندر أن تراها في أفلام، أو مسلسلات تلفزيونية، أو روايات تروى هنا وهناك.

دخلنا المخيم ساعة العصر، كان الأذان يصدح من زاوية ضيقة يطلق عليها مصلى، الناس يتحركون في شارع ضيق لا يتسع لأكثر من شخصين أو ثلاثة وهم يسيرون جنبا إلى جنب، تزاحمهم بين لحظة وأخرى دراجة نارية، تفرض على المارة إما التوقف لإفساح المجال أمامها، وإما تركها لتشق طريقها بصعوبة مع مطالبة السائق للناس بأن يأخذوا حذرهم والابتعاد عن الطريق!!

المسافة التي كان من المتوقع أن تقطعها بدقائق، تستوجب منك وقتا أطول بكثير، لأنك مضطر إلى التنبه من أن يلحق بك أذى من الدراجات، أو الاحتكاك بالآخرين.

تسمع أحيانا إطلاق رصاص، لكنك لا تعرف من أين ولأي سبب، والناس يكتفون بتحريك رؤوسهم استغرابا، مع بعض التعليقات الساخرة.

سيدة في السبعين من عمرها، علقت ساخرة: "ما بتستحوا، شو هالمسخرة، عشو عم تقوصوا، ما بيكفينا توتر حتى تنغصوا حياتنا"؟

تتابع هذه السيدة العجوز طريقها، بينما يرد صاحب دكان صغير لا تتجاوز مساحته المترين: "خليها على الله يا عمتي، مين بدو يوقفهم، مين بدو ينصحهم"؟ ويختم بيأس: "خلاص تعودنا".

وعندما تسأله عن هؤلاء، يقول: "معروفون بالإسم، ولكن مين بيقدر يتدخل".

تواصل السير تحت سقف شبكة أسلاك الكهرباء العنكبوتية، تسأل باستغراب: ألا يخشى الناس سقوط سلك عليهم.

يتبرع أحد السكان فيقول: "هاي حياتنا، راح ضحية هذه الأسلاك أشخاص كثر، بس اليوم أحسن من الماضي، صار فيه بعض التحسينات، ورفعنا الأسلاك شوي عن رؤوس المارة".

المخيم الذي يعتبر أكثر مساحة اكتظاظا في العالم، انضم إلى سكانه نازحون فلسطينيون من المخيمات الفلسطينية في سوريا بسبب الأحداث هناك، وسوريون، ولبنانيون وأقليات عدة، ما يجعل الحياة فيه صعبة وقاسية. فالبنى التحتية المتآكلة في المخيم، ازدادت تعاسة لأنها لم تعد قادرة على تحمل أعباء كل هذا الكم من الأشخاص، والمياه باتت شحيحة، وأصحاب المولدات يتحكمون بالأسعار، ولا أحد يسأل!

تتفرع من الشارع الوحيد داخل المخيم أزقة وزواريب يصعب وصفها، فالرطوبة والروائح المنبعثة منها توحي بأن معظم القاطنين فيها، مرضى بالربو أو أمراض أخرى عديدة، والعتمة تسود فيها، ما يضطرك إلى التنبه خلال سيرك من حفرة هنا أو هناك، أو نتوء، أو "نقعة ماء"!

تنظر حولك تحس أن الناس هنا يتحدون الموت والأقدار والأمراض، بقدرة التحمل، فالهواء ملوث، والمياه أيضا لا تخلو من شيء من التلوث إن لم نقل ملوثة، وباعة السندويشات أو ما يسمى بالمطعم، مكشوفة والأطعمة معرضة للغبار والذباب وغيرها.

البيوت متلاصقة، يكاد قاطنوها أن يسلموا على بعضهم البعض من الشبابيك، فكل سنتمتر داخل المخيم مستغل تماما، والكل يشكو البطالة، وعدم توفر فرص العمل، ومناشداتهم تذهب هباء في الهواء الملوث.

تقول سيدة صادف وجودها أثناء مرورنا: "إحنا هنا منسييين، ما إلنا غير الله، ومين هاللي عم يحكو باسمنا، يجوا يشوفوا حالتنا، ويطلعوا على مصايبنا".

الشكوى تضيع وكأن صاحبتها تخاطب الفراغ.

نتابع السير، فإذا بشخص يجر عربة صغيرة يمر من المكان، يوزع التحية على الناس وأصحاب المحلات الموجودة على جانبي الطريق، بشكل يحمل مودة وألفة، يسأله أحدهم: "إن شاء الله كانت الرزقة مليحة اليوم؟"

يجيب بابتسامة عريضة: "كالعادة، مستورة بس بسبب كترة العربات والباعة، صار الواحد يلقط رزقه بصعوبة".

توقفنا قليلا أمام أحد المحلات، الحديث بين الموجودين تركز حول مشاكل المخدرات، كان واضحا أن الهم الذي يؤرقهم هو انتشار هذه الآفة الخطيرة، ومدى انعكاس ذلك على الشباب.

قال أحد الموجودين: "لازم يوضع حد لهذه الظاهرة، شو عم نستنى، وين دور الأهل والمثقفين والفصائل؟"

ولاحظنا بأن كلمة الفصائل استفزت البعض: "وين هي الفصائل، فبعض العناصر الموجودة داخل بعض الفصائل متورطين، أو حامين المروجين والمتعاطين، العلة هون"!

وافقه آخر على كلامه، مضيفا: "الحق علينا إحنا الناس، لازم نظل نتحرك حتى نوضع حد لهذا الخطر".

وأنت تواصل السير في الطريق، تخشى أن يسقط فوق رأسك، حجر من هنا أو حجر من هناك، بسبب تآكل شرفات المنازل من الرطوبة، لذلك تظل حذرا رغم أنك لا تستطيع أن تفعل شيئا، تنظر حولك علك تلحظ انعكاس مثل هذا التوترعلى وجه الآخرين، لكنك لا ترى سوى وجوها جامدة، علا على ملامحها شعور من اليأس والإكتئاب!

وعند الاستفسار عن واقع هذا الشارع، وتلك الزواريب في فصل الشتاء، تأتيك الأجوبة الصادمة!

"تتحول هذه الأماكن إلى أنهار وبرك ومستنقعات تشل الحركة تماما، وتدخل المياه إلى عدد من المحلات التجارية والمنازل، ما يزيد الطين بلة".

المصادفة جمعتنا بشعراء وفنانين وكتاب وجدانيات، ما يعني وجود خزان منسي من المبدعين.

مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين، الذي تم إنشاؤه العام 1949، من قبل الصليب الأحمر الدولي، والموجود في العاصمة اللبنانية بيروت، غريب عن المكان الذي ينتمي إليه، وبعيد عن الوطن الذي ينتمي إليه، زاد سكانه الوحيد: الصبر، لكن القدرة على احتماله على هذا النحو محدود، ولذلك فهو أشبه بقنبلة معبأة بملايين مسامير الحاجة للانفجار، إن لم تتدارك القوى المعنية به مسؤوليتها كما ينبغي، الكل يتذكر "مجزرة شاتيلا" ويأمل ألا تتكرر.

عدنا من هذه الجولة السريعة، لكن ذاكرتنا حملت صورا ومشاهد وسمعت كلاما من هؤلاء المنسيين، ستبقى حية تبحث عن إجابات.

انشر عبر
المزيد