الانتخابات تكشف الانقسامات السياسية العميقة داخل الكيان

17 نيسان 2019 - 11:58 - الأربعاء 17 نيسان 2019, 11:58:13

وكالة القدس للأنباء – ترجمة

أدى الفوز الواضح لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الانتخابات إلى تعميق الانقسامات في بلد منقسم بالفعل.

يمكن أن نتوقع أن يمضي نتنياهو قدماً، بدعم من قاعدته الناخبة المكونة من الطبقة العاملة والمتدينين، في جدول أعمال متشدد من شأنه أن يلغي الآمال الأخيرة لحل الدولتين مع الفلسطينيين. والاتهام المرتسم في الأفق ضمن سلسلة من فضائح الفساد يمكن أن يسرّع هذه الاتجاهات.

رغم كل حديث القادة السياسيين عن الوحدة خلال الحملة الانتخابية؛ إلا أن "إسرائيل" دولة غارقة في العشائرية. الناس منقسمون بين يهود وعرب؛ ويهود متدينين ويهود علمانيين؛ ويهود من أصل أوروبي وآخرين متأثرين بتراث الشرق الأوسط؛ وسكان يعيشون في مدينة تل أبيب العلمانية ذات التقنية العالية وآخرين في بلدات نائية مغبّرة، وهناك المستوطنات في الضفة الغربية والقدس العاصمة المحافظة.

نتنياهو، المليونير العلماني الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة والذي يعشق الكونياك والسيجار، يصنّف نفسه مع "الإسرائيليين" اليهود المضطهدين، الذين يبدو أنه لا قاسم مشتركاً له معهم. من خلال تصوير نفسه كضحية لـ "النخب" في البلاد، يُنظر إلى نتنياهو على أنه بطلهم.

يقول ألون ديفيدي، عمدة بلدة سديروت الجنوبية: "نتنياهو هو أفضل رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل، وسنواصل دعمه".

قبل أسبوعين فقط، كانت بلدة ديفيدي تتعامل مع صفارات الإنذار جراء الغارات الجوية على مدار الساعة بينما كان المقاتلون الفلسطينيون في قطاع غزة المجاور يقصفون المجتمعات "الإسرائيلية" الجنوبية بنيران الصواريخ.

هذا المشهد اعتاد عليه سكان جنوب "إسرائيل" منذ استولت حماس على السلطة في غزة قبل 12 عامًا. وهو بالتالي مصدر إحباط دائم. اشتكى السكان من عدم قدرة نتنياهو على وقف الصواريخ، وكانوا غاضبين من اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى وراء الكواليس مع حماس.

ولكن، بمنحهم فرصة لتغيير الأمور في انتخابات يوم الثلاثاء، صوّت سكان سديروت بأغلبية ساحقة لصالح حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحلفائه الدينيين والقوميين.

قال ديفيدي لمحطة إذاعة الجيش "نحن أشخاص أذكياء". وأضاف: "نحن نعرف كيف نقدّر كل ما تم إنجازه لأجلنا، وأعتقد أن نتنياهو وجميع الأحزاب اليمينية يفعلون ما بوسعهم القيام به وما يؤمنون به".

في سديروت، التي غالبية سكانها من الطبقة العاملة، ومن المتدينين والذرية المزراحية والشرق الأوسط، حصل الليكود، بزعامة نتنياهو، على 44٪ من الأصوات، مقارنة بـ 9٪ لحزب "أزرق أبيض" المنافس، وفقًا

للبيانات الرسمية للجنة الانتخابات. أكثر من 80 ٪ من سديروت صوّتوا لليكود وحلفائه المتدينين والقوميين.

ساد تفكير مماثل لما جرى في سديروت في جميع أنحاء "إسرائيل". وأظهرت نظرة على الخريطة الانتخابية أن الليكود وحلفاءه يكتسحون الأصوات في مدن وبلدات نائية وأصغر حجماً من سديروت، وفي مستوطنات الضفة الغربية والقدس حيث غالبية سكانها من الفقراء والمتدينون إلى حد كبير.

على النقيض من ذلك، فإن حزب "أزرق وأبيض"، بقيادة القائد العسكري السابق بيني غانتس، استحوذ على الفوز في تل أبيب، المركز التجاري والثقافي المزدهر في البلاد، فضلاً عن الضواحي القريبة التي تعتبر موطناً لعدد أكبر من أصحاب التخصصات والأثرياء.

أثناء الحملة الانتخابية، سعى غانتس لإظهار صورة من الحشمة والفضيلة، آخذاً في الاعتبار تحقيقات الفساد التي تحوم حول نتنياهو ووعد بتشكيل حكومة نظيفة وصادقة.

بخلافه، بدا نتنياهو، البالغ من العمر 69 عامًا، الذي يواجه احتمالاً قوياً بتهم جنائية في الأشهر المقبلة، مثل صديقه الرئيس دونالد ترامب. كثيراً ما صوّر نفسه على أنه ضحية "مطاردة الساحرات"، واتهم غانتس بالتآمر مع سياسيين من الأقلية العربية في البلاد للإطاحة به. حتى بعد مضي عقد من الزمان في منصبه، قام نتنياهو بتسويق نفسه كغريب دخيل [على الطبقة الحاكمة[ .

هذه الأساليب المختلفة كانت سائدة ليلة الانتخابات، حين أظهرت النتائج الأولية تنافساً محموماً، وأعلن كل مرشح فوزه.

بدا تجمع غانتس كاحتفال. شعر نتنياهو بأنه حدث رياضي، حيث كان الحشد الضيق يصيح ويتمايل كما لو كان في مباراة لكرة قدم. في الوقت الذي كان فيه أنصار غانتس متحمسين، كان أنصار نتنياهو – الذين ارتدى كثير منهم القلنسوات اليهودية الصغيرة ويرقصون على أنغام موسيقى مزراحية شعبية - منتشين. تخلل خطاب نتنياهو تلاوة صلاة يهودية، وانتقد – تماماً مثلما فعل ترامب - وسائل الإعلام "العدوانية".

في النهاية، أقر خصوم نتنياهو بالهزيمة يوم الأربعاء، واعترفوا أنه وحلفاءه التقليديون يسيطرون على أغلبية قوية في البرلمان المؤلف من 120 مقعدًا.

لكن عملية بناء ائتلاف يمكن أن تستغرق أسابيع من المفاوضات، وسيسعى شركاء نتنياهو الصغار إلى فرض السيطرة على الوزارات الحكومية القوية والميزانيات السخية لتعزيز قضاياهم الظرفية.

بفضل المشاكل القانونية التي يواجهها نتنياهو، يتمتع هؤلاء الشركاء الصغار ببعض النفوذ الإضافي. من المرجح أن يستخدموا خوف نتنياهو من لائحة الاتهام لصالحهم، لأنه يسعى للحصول على وعود تحميه من النيابة العامة، ربما عن طريق الدفع بتشريعات تمنحه الحصانة.

انحرف نتنياهو بحدة نحو اليمين في الحملة الانتخابية لزيادة دعم قاعدته، ووعد بالبدء بضم مستوطنات الضفة الغربية إذا أعيد انتخابه. سيحاول حلفاء نتنياهو إلزامه بوعده.

كتب ألوف بن، رئيس تحرير صحيفة هآرتس اليومية، قائلاً: "سيكون لحكومة نتنياهو الجديدة هدفان رئيسيان: التخلص من لوائح الاتهام التي تلوح في مستقبله وضم المستوطنات إلى "إسرائيل"، بالتنسيق مع إدارة ترامب. يمكن تلخيص هذين الهدفين كـ"حصانة مقابل السيادة".

إن ضم المستوطنات "الإسرائيلية" يمكن أن يحدّد النهاية لأي آمال متبقية في إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب "إسرائيل".

حث بن درور يميني، وهو كاتب عمود في صحيفة يديعوت أحرونوت، نتنياهو على التفكير في تشكيل حكومة "وحدة" مع غانتس، بدلاً من الرضوخ لـ "ابتزاز" الأحزاب الصغيرة المتشددة.

وكتب يسأل: "أيهما الخيار الأفضل: إنقاذ البلاد أو الإصرار على التظاهر بورع وجوب الوفاء بالوعود؟"

يبدو أن مثل هذا السيناريو أمر غير مرجح. بعد عقود من تنفيذه الأمور وفق أسلوبه الخاص، يبدو أنّه من غير المرجح يعبر نتنياهو الممر اللازم ما لم يعد لديه خيار آخر.

وكما قال أمام تجمع من انصاره في وقت متأخر من الليل: "سأبدأ من هذه الليلة بتشكيل حكومة يمينية مع حلفائنا الطبيعيين".

العنوان الأصلي: Israel's election exposes its deep political divisions

الكاتب: JOSEF FEDERMAN*

المصدر: Associated Press

التاريخ: 10 نيسان / أبريل2019

 *جوزيف فيدرمان، هو رئيس مكتب وكالة الأسوشييتد برس الحالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويغطي المنطقة منذ العام 2003.

انشر عبر
المزيد