أسرى الـ48 .. الأولوية الأولى في أية صفقة تبادل مقبلة

17 نيسان 2019 - 09:55 - الأربعاء 17 نيسان 2019, 09:55:23

وكالة القدس للأنباء – خاص

منذ احتل الصهاينة فلسطين وأقاموا كيانهم الإستعماري الإجلائي العدواني على نحو 80% من أرضها، قسَّمت سلطات الاحتلال الفلسطينيين إلى فئتين: الأولى، وتضم مئات آلاف اللاجئين الذين هجرتهم مجازر العصابات الصهيونية وحملات التطهير العرقي المبرمجة، إلى خارج حدود الوطن، إلى لبنان وسوريا والأردن ومصر وغيرها من الدول العربية والغربية؛ والفئة الثانية وتضم من آثر البقاء والصمود فوق أرضه.. وقد حولتهم سلطات الاحتلال إلى أسرى في سجن (كبير)، خضعوا فيه لأقسى الأحكام العسكرية المغلفة بكل أشكال القهر وفنون الفاشية والعنصرية. والهدف من وراء ذلك كان دفع أبناء الأرض لترك وطنهم المحتل والالتحاق بقوافل اللاجئين، لمحو كل أثر لفلسطين وللفلسطينيين، الذين قال عنهم قادة العصابات الصهيونية، إن "كبارهم يموتون وصغارهم ينسون".

وتحول الفلسطينيون إلى سجناء في مدنهم وقراهم، إذ لم يسمح لهم الحكم العسكري –الذي استمر حتى العام 1966- بالخروج من مدنهم وقراهم إلا بتصاريح من الحاكم العسكري. كما تم الإعلان عن القرى المهجرة كمناطق عسكرية مغلقة وذلك بموجب أنظمة الطوارئ، مما أدى إلى منع عودة المهجرين إلى بيوتهم وقراهم التي تبعد عن أماكن سكنهم بضعة مئات من الأمتار...

وخلال فترة الحكم العسكري، كانت القرى العربية، وبخاصة في المثلث، تخضع لنظام حظر التجول التعسفي، من مغيب الشمس وحتى شروقها. ويذكر أنه على خلفية هذا النظام ارتكبت قوات الاحتلال الصهيونية مجزرة كفر قاسم، في العام 1956.

وخلال السنوات الـ18 من عمره، كان الحكم العسكري يتدخل في حياة المواطن الفلسطيني من يوم ولادته حتى يوم وفاته، فهو صاحب القرار النهائي المتعلق بشؤون العمال والفلاحين وأصحاب المهن والتجار والمثقفين وصاحب الحل والربط في شؤون التعليم والخدمات الاجتماعية، وهو الوكيل على تسجيل السكان والولادات والوفيات وحتى الزواج، ناهيك عن شؤون الأراضي وتعيين المعلمين والموظفين وإقالتهم، كذلك يلعب دور الضابط في شؤون الأحزاب السياسية والنشاط السياسي والإجتماعي، وشؤون المجالس المحلية والبلدية.

ويتلخص رأي الفلسطينيين بالحكم العسكري بأنه الأداة التنفيذية بيد سلطات الاحتلال لتسهيل عمليات مصادرة  الأراضي، والعمل على الحد من عدد ونسبة العرب الفلسطينيين، واعتبار العرب قنبلة موقوتة وخطر أمني... وتجميعهم على أقل بقعة جغرافية والفصل الجغرافي بين تجمعاتهم.

ورغم مرور أكثر من نصف قرن على إنهائه، تبدو أهداف الحكم العسكري قائمة حتى اليوم، وكذلك العقلية التي ترى بالمواطنين الفلسطينيين خطرا أمنيا وجوديا على 'يهودية الدولة'، لكن وسائل التطبيق تبدلت وأصبحت أكثر 'تطورا'، إن جازت التسمية... والفلسطينيون أيضا تبدلوا وصمدوا في أرضهم وطوروا مجتمعاً على الرغم من الحصار والتضييق منذ تأسيس الكيان.

إلى جانب السجن الكبير الذي وضع فيه الفلسطينيون، قامت سلطات الاحتلال بفتح أبواب السجون التي ورثتها من سلطات "الإنتداب" البريطاني وزجت فيها بالفلسطينيين الذين تجرأوا على "الحكم العسكري"، وقاوموا أحكامه وقوانينه الجائرة، وأكدوا رفضهم للنكبة ومقاومتهم للاحتلال، وأعلنوا تمسكهم بهويتهم، ومن بينهم الكثير من المواطنين ومهم الشعراء والكتاب والمثقفين والسياسيين، الذين أسسوا لما سمَّاه الشهيد غسان كنفاني "أدب المقاومة الفلسطينية".

ويوم انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، وكان هدفها تحرير فلسطين المغتصبة (أي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48) انخرط أبناء الداخل المحتل في صفوفها، وشاركوا في العمليات الفدائية التي شملت معظم الأراضي المحتلة. وعرفت سجون العدو طلائع أسرى المقاومة، ومعهم تحولت السجون الصهيونية إلى ساحات جديدة للمواجهة، أثبت خلالها المقاومون، بما يمتلكون من وسائل محدودة، أن إرادتهم عصية على الخضوع والانكسار، وأن العدو مهما امتلك من وسائل القمع والقهر والاضطهاد والتعذيب على اختلافها وتنوعها، لن يقوى على كسر إرادة المقاومين وإدخال اليأس إلى نفوسهم، وتحويلهم إلى كتل بشرية مهزومة.

فقد اتبعت حكومات العدو المتعاقبة كل الأساليب الممكنة لأجل تحقيق هدفها في تطويع المناضل الأسير لاخضاعه تمهيداً لشطبه وطنياً وإنسانياً..

فسياسة الاستنزاف العصبي المرهق والتجويع النفسي والمادي والحرمان المطلق من كل الضرورات الأولية لحياة بشرية معقولة، وسياسة الإسقاط الوطني والاستهداف الأمني، والتجهيل الثقافي وغيرها، دل كل هذا على أن السجن في المفهوم "الإسرائيلي" هو أداة لمواصلة قمع مقاومة الشعب الفلسطيني...

وتحولت السجون بعد حرب حزيران/يونيو عام 1967 إلى مراكز لشن العنف ضد الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة بهدف إبادته عبر وسيلة أخرى غير حبل المشنقة، هي الاعتقال وسياسة الموت البطيء للأسرى. وهذا ما وعد به (وزير حرب العدو الصهيوني الأسبق) موشي ديان بتحويل المعتقلين في السجون إلى حطام وكائنات لا تمت للبشرية بأي صلة، مفرغة من كل مظهر إنساني، تشكل عبئاً على نفسها وعلى شعبها.

لقد زجت سلطات الاحتلال الصهيوني بمئات آلاف الفلسطينيين في السجون والمعتقلات، من الذكور والإناث، من الكبار والصغار، من الشابات والشباب، وحتى الأطفال لم يسلموا من قيود المحتل الغازي وإجراءاته الفاشية والعنصرية.. حتى وصلت أعداد الأسرى والمعتقلين الذين دخلوا سجون العدو منذ النكبة حتى اليوم إلى أكثر من مليون فلسطينية وفلسطيني.

واليوم يقبع 5700 أسيرة وأسير، من بينهم أكثر من 150 أسيراً من الداخل الفلسطيني المحتل 48، منهم 14 من الأسرى القدامى، و12 محكومون بالسجن المؤبد، و20 أحكاماً عالية ترفض سلطات الاحتلال الإفراج عنهم ضمن أي صفقة تبادل. أبرزهم: كريم يونس، وليد دقة، ماهر يونس، ابراهيم أبو مخ، رشدي أبو مخ، ابراهيم بيادسة، أحمد أبو جابر، محمود جبارين، ابراهيم إغبارية، محمد إغبارية ومحمد شماسنة، وغيرهم العشرات.

ويقول رئيس الحركة الوطنية الأسيرة بالداخل "الرابطة"، وليد شحادة، لموقع الجزيرة إن سياسات الاحتلال لم تمنع فلسطينيي 48 من الانخراط في المقاومة والتصدي للاحتلال...  وقدموا آلاف الشهداء والأسرى منذ العام  1967.

واستعرض شحادة الذي قضى ثماني سنوات بالسجون، تجربته الشخصية كنموذج للحركة الأسيرة بالداخل حين حرر عام 1985 مع حوالي مائة من أسرى الداخل الفلسطيني والقدس وذلك ضمن صفقة التبادل "النورس" التي أنجزتها الجبهة الشعبية - القيادة العامة.

ومن جانبه يقول المحامي فؤاد سلطاني (والد الأسير راوي) إن "الجنسية "الإسرائيلية" كانت سوطاً ضاعف من العقوبات التي فرضت على أسرى الداخل الفلسطيني، وتم التعامل معهم من منظور أنهم "خانوا (الكيان)" فتم إبعاد مئات قضوا محكوميات عالية بالأسر، لكن صفقات لتبادل الأسرى أنصفتهم ونصرتهم قبالة إسرائيل".

ولفت بحديثه للجزيرة نت إلى أن اتفاقيات أوسلو كانت مرحلة مفصلية بتاريخ الحركة الأسيرة وساهمت في تجزئتها، وبات أسرى 48 يشعرون بأن عليهم أن يدبروا أمورهم بأنفسهم خصوصاً وأن السلطة الفلسطينية تتحدث عنهم بخجل ورضخت للإملاءات "الإسرائيلية" ضمن اتفاقيات "أوسلو" (المشؤومة التي قسَّمت الأرض والشعب، واعترفت بالاغتصاب الصهيوني لنحو 80 بالمائة من أرض فلسطين) بعدم إدراجهم على طاولة المفاوضات.

وفي كلمة القتها زوجة الأسير منذ نحو 35 سنة وليد دقة في مناسبة إحياء يوم الاسير، تحدثت عن مأساة أسرى ثمانية وأربعين وتجلت فيها أوجه هذه المأساة حيث أن الأعلى فترة زمنية في السجون الآن منهم، وعلى راسهم كريم يونس حيث دخل ال37 سنة. وقالت "لولا إيمان هؤلاء بربهم وقضيتهم وعشقهم وانتمائهم العميقين لفلسطين لما تمكنوا من تجاوز هذا العمر المديد خلف قضبان هذا الاحتلال البغيض. ولما تحملت أرواحهم سياط سجان سادي لا يعرف إلا لغة القهر وسحق أعصابهم ليل نهار في حرب نفسية لا حدود لها".

وكشفت السبب في بقاء هذه الثلة هذه الفترات الطويلة وهو أن (سلطات الاحتلال) تعتبرهم مواطنين "اسرائيليين" ولا يحق للفلسطينيين ان يطالبوا بهم؟ّ! واستطاعت ان تترجم هذا الادعاء وان تفرضه على طاولة المفاوضات طيلة فترات التفاوض (مع السلطة) ونجحت بالتمسك بهم وابقائهم في السجون".. وأضافت أن "صفقة وفاء الاحرار نجحت في إطلاق سراح ثلاثة منهم وكسرت هذا الادعاء "الإسرائيلي" ولكن مع ذلك بقي منهم عدداً لا بأس به وممن قضوا هذه الفترات المذهلة .

يوم الأحد الماضي دخل 4 أسرى من باقة الغربية بالداخل المحتل عامهم الـ34 بالسجون "الإسرائيلية"، وهم من ضمن 26 أسيراً تواصل سلطات الاحتلال اعتقالهم قبل التوقيع على "اتفاقية أوسلو"، علماً أن 12 أسيراً من الداخل المحتل، هم من بين الأسرى القدامى.

في يوم الأسير، دعوة من الداخل الفلسطيني المحتل، لأن تعطى قضية أسرى الثمانية وأربعين، الأولوية الأولى، وأن يكونوا في مقدمة من سيُفرج عنهم في أية صفقة مقبلة .

انشر عبر
المزيد