الشهيد عادل كامل ظاهر "أبو داوود"

11 نيسان 2019 - 11:24 - منذ أسبوع

الشهيد عادل ظاهر أبو داوود
الشهيد عادل ظاهر أبو داوود

بقلم: إحسان عطايا

"لكل إنسان أمنية، وأنا أمنيتي الاستشهاد في سبيل الله". (من أقوال الشهيد)

بعد أن انقضى شهر رمضان المبارك، شهر الصوم والعبادة، فرح المسلمون بعيد فطرهم، فابتهج الصغار ولبسوا أجمل ما عندهم من الثياب، وانشغلت الأمهات باستقبال الضيوف، وأدّى الآباء صلاة العيد، ثم قاموا بواجبهم تجاه أرحامهم؛ فزاروا الأهل والأقارب والجيران والأصحاب...

أما عادل فقد قضى رمضان معتكفاً في المساجد، عابداً وطائعاً، راكعاً وساجداً، رافعاً يديه إلى الله تعالى متضرعاً بالدعاء، يبتهل إلى ربّه ويرجوه أن يكون عيده مختلفاً عن كلّ الأعياد، وأن تكون فرحته بالفطر فرحتين. استعد استعداداً تاماً لهدفٍ كان مزمعاً عليه، وطالما دار في خلده، فمنذ فترة تراوده تلك الفكرة التي يختصر فيها الطريق إلى ربّه ويلاقيه شهيداً، ويشفي صدره بقتل العدو الذي اغتصب أرضه، واحتلّ وطنه، بل ويثخن فيه القتل. فهو دائماً متأهب ومتحفز، ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر.

جهّز أبو داوود هديتين ثالث أيام العيد؛ الأولى يقدمها للعدو، وهي عبارة عن قذائف صاروخية وقنابل يدوية ورصاص خارق حارق. والثانية دمه يهبه للمجاهدين الشرفاء المرابطين على ثغور الوطن المحتل، ولأهله الصامدين في فلسطين الحبيبة، ولشعبه الصابر والصامد في الشتات.

عادل ابن السادسة والعشرين عاماً، من أسرة فلسطينية مكافحة خرجت من فلسطين سنة 48 لتلجأ إلى لبنان، وقد تنقلت من بعلبك إلى بيروت إلى الجنوب، حيث استقرّت في صيدا، غير أن حلم العودة والتحرير لم يفارقها لحظة واحدة.

والده معيل لأسرة مؤلفة من عشرة أشخاص، عصامي، بدأ حياته فلاحاً، ثم مدرساً، ثم عاملاً، وأخيراً حارساً في إحدى مدارس الأونروا. عندما تشاهده تشاهد رجلاً فارع القامة، قوي العزيمة، يحمل همّ الوطن في قلبه، وإذا ما سألته عن الشهيد حدثك بكل صبر وجلد، ولم يسمح لعينيه أن تذرف دمعة واحدة. وهكذا تشرّب عادل من والده حبّ الوطن وسرى في عروقه، فنشأ مقاتلاً من أجل تحرير أرضه.

طلبت منه أن يحدثني عن طفولة الشهيد، ارتشف قليلاً من القهوة ثم تنهد قائلاً: "كان الوحيد في البيت الذي يواظب على الصلاة منذ صغره، ولم ينقطع عنها إلا في فترة المراهقة، وقد حمل السلاح وهو في ريعان شبابه، وشارك في معارك عديدة، ثم حاول السفر غير أنه لم يوفق". وأردف قائلاً: "في تلك الفترة كان عصبي المزاج، غريب التصرفات، يعيش في صراع مع ذاته، إلى أن اكتشف السرّ في نفسه، واكتشف إيمانه الذي كاد أن يضيع، فقرّر العودة إلى رشده، وكانت نقطة تحول في حياته، عاد عندها إلى صلاته، ولم يفوِّت فرضاً إلا وأدّاه جماعة في المسجد، ولا سيما صلاة الفجر".

وهكذا تغيرت حياة عادل كثيراً، فصار حريصاً على مرضاة والديه، وعلى تلاوة القرآن والدعاء بعد صلاة الفجر من كل يوم. كما يروي أصدقاؤه الذين كانوا يشاهدونه في مسجد النور (عين الحلوة)، أو في مسجد الإمام الحسين (صيدا). وجاءت اللحظة التي اكتشف فيها كلمة السر (فلسطين)، وطالما كان يحلم بها، فهي الهدف الذي حمل السلاح من أجله، لكنه اليوم يحمل القرآن والسلاح، يغمر قلبه الإيمان، ويشعر بالسعادة والغبطة، فهو يسير في الاتجاه الصحيح، لقد "وجد حركة الجهاد الإسلامي، وانضم مجاهداً إلى صفوفها، ليدوِّن اسمه في سجل الجاهزين للمشاركة في عمليات عسكرية ضد العدو الصهيوني، وقد شارك في عدة دورات تدريبية واستطلاعية"، كما يذكر أحد المقربين منه.

يقول والده: "صار يقضي وقته إما في التدريب والتحضير للعمل الاستشهادي، أو معتكفاً في المسجد للصلاة وقراءة القرآن والدعاء، ولم تعد الابتسامة تفارق وجهه".

قضى الشهيد آخر أيامه عابداً لله تعالى، يتورع حتى عن مشاهدة التلفاز. عرض عليه والده فكرة الزواج، لكنه رفض مبتسماً، وقال: "إن عروسي ليست هنا، إنها بعيدة، فأنا أريدها من الحور العين".

كان يتحدث عن الشهادة كثيراً، وفي إحدى المرات سأل والده عن الشهادة، فأجابه: "إذا أردت أن تستشهد إياك أن تدير ظهرك للعدو، لأن الذي يولّي دبره فراراً من العدو بعد ملاقاته فمصيره النار".

تابع والده: "كنت أعلم أنه سوف يستشهد". ثم ذهب ليأتي بجريدة عليها صورة عادل بعد استشهاده، وهو مستلقٍ على ظهره، رافع سبابة يده، وقال: "انظر تخبرك الصورة عنه". 

يقول والد الشهيد: "جاء عادل إلى البيت بعد غياب عدة أيام كعادته، وكانت آخر مرة يحضر فيها إلى البيت قبل استشهاده، ولسبب ما شعر بغضب والديه منه، فهجم على يدي أمه يقبّلها معتذراً وملحاً في الاعتذار، وكذلك فعل معي، وبعد أن أظهرنا رضانا شعر براحة كبيرة، ثم استسمحنا وخرج من دون أن يخبر أحداً أنه ينوي المشاركة بتنفيذ عملية استشهادية".

أبى الشهيد إلا أن يلقّن العدو درساً في القتال والاستبسال، ضحى بهذه الدنيا وزخرفها، وذهب يلقي حمماً من النار على قادة العدو وجنوده، في وضح النهار، والشمس في كبد السماء، ليس على لسانه إلا صرخات "الله أكبر الله أكبر"، متقدماً لا يأبه بطائرات الجيش الصهيوني ودباباته، وبكل التعزيزات التي جاءت تسانده... ثلاث ساعات ظلّ يتقدّم خلالها بلا توقف، مطلقاً كل ما في جعبته من قذائف وذخيرة حتى أربك العدو وهزّ كيانه. ونزولاً عند وصية والده بأن لا يدير ظهره للعدو، وإيماناً منه بشرف الشهادة، لم يتراجع خطوة واحدة، إلى أن منّ الله تعالى عليه بالشهادة، وصعدت روحه إلى بارئها، بعد أن شفى صدره بما قتل وأصاب من الأعداء.

هكذا كان عرس الشهيد، حياة ما أجملها من حياة، وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ(1)، بالإضافة إلى كثير من الخسائر في صفوف الغزاة المحتلين.

وحين حضر وفد إلى منزل والد الشهيد ليبلّغه نبأ الاستشهاد، فما كان منه إلا أن قال: "يشرفني استشهاد ولدي، وأرجو أن يكون العرس ناجحاً، وأن يكون مهر العريس غالياً... وإذا نزلت دمعتي، فإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا أقول إلا ما يرضي الله تعالى".

وعن ردّة فعل إخوة الشهيد، يقول الوالد: "اتصل بي ابني المسافر ليهنئني قائلاً: هلّل إنه شهيد"، وأما أمه الصابرة المحتسبة، فلم يحزنها إلا ذلك الفراغ الكبير في البيت الذي تركه غيابه، فأفراد أسرته كانوا يشعرون بالطمأنينة أثناء وجوده بينهم، لشجاعته وجرأته، وحرصه الشديد عليهم، كما يخبر والده.

وبالفعل فقد كان حفل الزفاف ناجحاً، وكان الألم في صفوف العدو كبيراً، واستقبلت أسرة الشهيد المهنئين من كلّ حدب وصوب في أيام لا تنسى، وصار المنزل محجة للقاصي والداني، ليشهدوا يوماً يقف فيه والد الشهيد متماسكاً، ليقول لزواره: "إنه شرف لي أن يموت ابني شهيداً من أجل عيون فلسطين، وإنه ليسرني أن يستشهد وهو يقاتل العدو الصهيوني وجهاً لوجه، فالمسجد الأقصى وأرضنا المغتصبة لن تعود لنا إلا بدماء هؤلاء الشهداء الذين باعوا أنفسهم لله".

هذا هو والد الشهيد يواسي ضيوفه قبل أن يواسوه، ولم يخفِ غصة في نفسه حين وجه خطابه إلى المسؤولين، يحثهم فيه على التمسك والالتزام بتحرير فلسطين كلها، وعدم التفريط بذرة من ترابها، قائلاً لهم: "راجعوا ضمائركم، وضعوا دم الشهداء نصب أعينكم، واعلموا أن التاريخ لا يمكن تزويره".

ثم ختم كلامه بقوله: "أسأل الله العزيز أن ينصر المجاهدين على أعداء الأمة... والشهادة أفضل من مليون حياة في الدنيا".

أما عن وصية الشهيد التي تركها، فإنها إن دلت على شيء فإنما تدل على ما يحمل في قلبه من إخلاص وصدق، فها هو يقول في وصيته:

يا أمي، أحببت لقاء الله أكثر من أي شيء في هذه الدنيا، وأنت تعلمين كم أنا متشوق للاستشهاد في سبيل الله، وهذا هو حلمي منذ الطفولة.

إخوتي الأحباء، لكل إنسان أمنية، وأنا أمنيتي الاستشهاد في سبيل الله.

إلى المجاهدين في سبيل الله في لبنان وفلسطين وكل بقاع الأرض، لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله معنا، أحييكم من قلب صادق أمين، واستبشروا إن نصر الله قريب.

إلى الأصدقاء الأوفياء، لا أريد منكم ذرف الدموع، أريد منكم أن تعلموا لماذا اخترت هذا الطريق، لأن رب العالمين قال في كتابه العزيز: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(2).

حقًّا كان نموذجًا من شباب فلسطين الذين نذروا أنفسهم لتحرير أرضهم وديارهم، وكان مثالاً للذين زحفوا صوب القدس واتجهوا نحو المسجد الأقصى، وكان قمة في التضحية والعطاء والصدق والتفاني والوعي والثورة... هذا الشهيد وأمثاله من يعول عليهم في حمل الأمانة وتحرير الوطن...

بوركت الأرحام التي تنجب الشهداء، وبوركت الأمهات اللواتي يرضعن أبناءهن حب الشهادة، ونعم الآباء الذين يزرعون عشق بيت المقدس في القلوب والعقول... وطوبى للشهداء الذين اصطفاهم الله تعالى...

وإنا على دربكم لسائرون...

إحسان عطايا

6/4/2019

________

(1) سورة آل عمران، الآيات: 169-171.

(2) سورة التوبة، الآية: 111.

انشر عبر
المزيد