انتخابات الكنيست الصهيوني: فلسطينيو 48 بين المشاركة والمقاطعة

05 نيسان 2019 - 10:41 - الجمعة 05 نيسان 2019, 10:41:24

انتخابات الكنيست الصهيوني
انتخابات الكنيست الصهيوني

بقلم: راغدة عسيران

ترتكز مشاركة فلسطينيي 48 في الكنيست الصهيوني على مفهوم طبيعة الصراع بين الحركة الصهيونية وأعوانها في العالم وبين الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، وعلى توصيف طبيعة الكيان الصهيوني، والنظر الى المواطنة في دولة الكيان، وكيفية مواجهته. هل هو دولة عنصرية توسعية مرتبطة بالامبريالية فقط؟ أم كيان استعماري استيطاني يهدف الى طرد الفلسطينيين ليحل مكانهم يهود قادمون من أنحاء العالم؟ ما هو دور الفلسطينيين ودور الأمة (أنظمة وشعوبا) في مواجهة الكيان؟ الأجابة على هذه الأسئلة من قبل الأحزاب والحركات السياسية في الداخل الفلسطيني المحتل يشكّل الأرضية التي تنطلق منها لتحديد موقفها من انتخابات الكنيست الصهيوني، بالمشاركة أو عدم المشاركة أو بالمقاطعة.

كان الحزب الشيوعي "الإسرائيلي" أول حزب "عربي" (بل "عربي – يهودي") يشارك في انتخابات المؤسسة التشريعية الصهيونية، منذ العام 1949، بسبب تأييده للتقسيم والاعتراف بالكيان الصهيوني وتماهيه مع الموقف السوفياتي. وقد أصبح اليوم يخوض الإنتخابات تحت اسم "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" التي تضم الى جانب الحزب، شخصيات "مستقلة"، مثل أيمن عودة من مدينة حيفا، الذي أصبح أمينا عاما للجبهة عام 2006.

يعتبر الحزب الشيوعي "الإسرائيلي" حزبا "يهوديا وعربيا"، إلا أن قاعدته الشعبية أصبحت، مع مرور السنين، قاعدة عربية فلسطينية. تدعو "الجبهة" الى المساواة الكاملة للمواطنين "الإسرائيليين" في الكيان، والتخلي عن الصهيونية، وإقامة "دولة فلسطينية"، عاصمتها "القدس الشرقية" الى جانب "إسرائيل"، وإزالة كافة المستوطنات عن الأراضي المحتلة عام 1967.

بعد الانتفاضة الأولى عام 1987، شكّل عبد الوهاب دراوشة، الذي كان ينتمي الى حزب العمل الصهيوني، "الحزب الديمقراطيي العربي"، المطالب ب"المساواة الكاملة" لفلسطينيي 48 مع "اليهود" والاعتراف بهم كأقلية قومية. شاركت الحركة الإسلامية (الشق الجنوبي) في انتخابات الكنيست عام 1996، التي تلت توقيع اتفاقيات "أوسلو"، بالتحالف مع "الحزب الديمقراطي العربي" في حين شكّل أحمد الطيبي، المستشار السابق للرئيس الراحل ياسر عرفات، "الحركة العربية للتغيير" عام 1996. شاركت هذه الحركة في لوائح مشتركة مع كافة الأحزاب، من "الجبهة" الى "التجمع" مرورا بـ"الحركة الإسلامية".

على أثر اتفاقيات "أوسلو" (1993) تأسس "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي ضم شخصيات انتمت الى حركات وأحزاب قومية ويسارية، كالمحامي محمد ميعاري (الحركة التقدمية للسلام) وعوض عبد الفتاح (انشقاق عن حركة أبناء البلد) وعزمي بشارة (ميثاق المساواة) وغيرهم من الحركة الطلابية. خاض "التجمع الوطني الديمقراطي" انتخابات الكنيست لأول مرة في العام 1996 ضمن قائمة مشتركة مع "الجبهة"، وخاضها بلائحة منفردة عام 2003، حيث حصل على ثلاثة نواب. يطالب "التجمع" بالاعتراف "بالعرب في إسرائيل كأقلية قومية جماعية ومساواة مدنية كاملة"، ويشدّد على الحقوق الثقافية (تعليم، جامعة عربية، إعلام)، كما يطالب بـ"إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وعاصمتها القدس الشرقية الى جانب دولة إسرائيل" وبـ"حل عادل لقضية اللاجئين على أسس الشرعية الدولية".

في الآونة الأخيرة، استقال عوض عبد الفتاح من الأمانة العامة، رغم تأييده "للتجمع"، بسبب موقفه الرافض لـ"حل الدولتين" وتبنّيه خيار "الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية " ومقولة "دولة الابارتايد" في توصيفه للكيان الصهيوني، مغيّبا مسألة التحرير.

لا تختلف كثيرا برامج هذه الأحزاب والحركات، ولكنها تختلف بأدائها السياسي والجماهيري، والشخصيات التي ترأسها، وعلاقاتها مع الجهات الفلسطينية (السلطة الفلسطينية والفصائل المختلفة) ولكن تتميّز "الجبهة" بإدراج "يهودي" على لائتحتها الانتخابية، باعتبارها تمثل "الحزب الشيوعي الإسرائيلي"، رغم تراجع التصويت "اليهودي" لها.

شاركت هذه الأحزاب كافة في "القائمة العربية المشتركة" لتجاوز نسبة الحسم التي رفعها بنيامين نتنياهو قبل انتخابات عام 2015، وأدخلت الى (الكنيست) 13 نائبا، لكن لم تستمر التجربة الوحدوية بسبب الصراعات الشخصية والسياسية بينها، فتشكلت قائمتان لخوض انتخابات 2019، الأولى تضم "التجمع" و"الحركة الإسلامية – الشق الجنوبي" في حين تضم الثانية "الجبهة" و"الحركة العربية للتغيير".

لم تشارك الحركة الإسلامية (الشق الشمالي بقيادة الشيخ رائد صلاح) بهذه الانتخابات، لأنها "تعتقد أن (الكنيست) أصل من أصول المشروع الصهيوني" (بيان الحركة عام 2009)، و"أن وجود أعضاء عرب في الكنيست استغلته المؤسسة "الإسرائيلية" تاريخيا كمادة تجميل لوجهها القبيح وكقناع خادع لإخفاء ما ترتكبه من قوائم جرائمها المتواصلة".

بعد حظر الحركة عام 2015 وتشكيل "حزب الوفاء والإصلاح" عام 2016، أعلن الحزب الجديد "فيما يخص الانتخابات للكنيست الـ 21، على صعيد التصويت أو الإقتراع، فإننا نعلن في حزب الوفاء والإصلاح أننا مقاطعوها ولن نخرج للتصويت وندعو أعضاء وأنصار الحزب وندعو كذلك أبناء وبنات شعبنا أيضاً الى مقاطعتها"، كما أكّد بعض مثقفيها على هذا الخيار (مقالات االباحث صالح لطفي على موقع "موطني" مثلا)، الذي كتب مؤخرا : "الاحزاب العربية المشاركة في انتخابات الكنيست، تاريخيا لعبت بعلمها أو بغير علمها، دور مبيض الغسيل لثوب المؤسسة الاحتلالي من جهة، ودور الممتص لغضب الشارع العربي في الداخل من جهة أخرى... وبذلك تكون الاحزاب العربية في الكنيست قد خدمت المشروع الصهيوني خدمات جليلة: تحقيق مشروعية وجوده القائم على أنقاض وحقوق الشعب الفلسطيني، بين الفلسطينيين."

مقاطعة انتخابات الكنيست من قبل فلسطينيي الداخل ليس جديدا، بل تجذّر حول مفهوم الصراع الدائر ومكانة "الأقلية" الفلسطينية ودورها في هذا الصراع، حيث يعتبر المقاطعون أن المشاركة العربية في المؤسسات الصهيونية يمنح شرعية للكيان المغتصب لفلسطين، ويضيفون أن وجود نواب عرب في الكنيست لم ولن يغيّر طبيعة الحكم الاستيطاني ولا القوانين العنصرية ولم ولن يمنع الحروب التي يشنّها الكيان ضد الفلسطينيين والعرب.

تترأس حملة المقاطعة "الحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني" التي أصدرت في 22 شباط/فبراير الماضي بيانا من حيفا يدعو الى بدء حملة المقاطعة، مذكرة بتاريخ العدو الإجرامي وصولا الى "قانون القومية"، ومؤكدة على أنه "لن يكون التصدّي لمحاولات محو وجودنا القوميّ على هذه الأرض إلا عبر النضال في الشارع، وعبر مقاطعة المشاركة الطوعيّة في المؤسسة الصهيونيّة. إنّ أيّة مشاركة فلسطينيّة في برلمان الكيان، لن تكون سوى إسهام في منح "إسرائيل" غطاءً عربيًّا لتمرير مشاريعها العنصريّة".

تقود حملة المقاطعة "حركة أبناء البلد" منذ تأسيسها، وهي "الطرف الوحيد الذي لم يطالب بالمساواة، وكانت الفكرة الأساسية التي شكلت محور عملها السياسي هي رفض اندماج عرب 48 في "إسرائيل"، والمحافظة على الهوية القومية والوطنية، ورؤية مصير هؤلاء الفلسطينيين في إطار الحل القومي العام للقضية الفلسطينية" (أنطوان شلحت، كاتب ومحلل سياسي). كما دعت حركة "كفاح" التي تأسست قبل سنوات في خضم النضال الشبابي ضد "مشروع برافر" الاقتلاعي في النقب، الى مقاطعة الانتخابات القادمة في بيان صدر يوم 2 آذار/مارس، رافضة أن "نشكل جسورا لأي جهة تعمل على التطبيع إن كانت دول عربية أو غيرها ولن نكون جسور سلم تستخدمها السلطة الفلسطينية للتقرب من المجتمع الإسرائيلي."

أسباب المقاطعة كثيرة، يقسمها المحلّلون بين المقاطعة المبدئية (رفض وجود الكيان والمشاركة في مؤسساته) والظرفية (رفض أداء الأحزاب العربية المشاركة وخلافاتهم).

بالنسبة لانتخابات الكنيست القادمة، تصاعدت الأصوات المنادية لمقاطعتها من قبل أوساط كانت تشارك سابقا، بعد فشل التجربة الوحدوية وما اعتبرته فشل النواب العرب في التصدي للهجمة "الفاشية" لليمين "المتطرف" الصهيوني.

يشير البروفسور نديم روحانا إلى أن الأحزاب العربية المشاركة في الانتخابات فشلت أمام ثلاث تحديات: صياغة "مشروع وطني" والتصدي لـ"قانون القومية" والإجابة على "التحولات الاجتماعية العميقة التي حدثت في مجتمعنا".

غير أن الداعين للمشاركة لا زالوا يتكلمون عن نيّة "إسقاط اليمين"، وهو الشعار الذي لم يعد يقنع أحداً، بل اعتبره البعض نوعا من "استخفاف بالعقول"، كما يحاولون تفتيت جبهة المقاطعة، معتبرين أن الجزء الكبير من المجتمع الفلسطيني في الداخل "غير مبالي" وليس مقاطع، وأن مشاركتهم تهدف الى "دعم فلسطين" (أمين عام الحزب الشيوعي "الإسرائيلي" على قناة الميادين) وكأن الأراضي المحتلة عام 1948 ليست جزءا من فلسطين.

تأكيدا على أن الموقف من الانتخابات لا يعني فقط فلسطينيي الداخل، وجّه بيان "الحملة الشعبية لمقاطعة انتخابات الكنيست الصهيوني" نداءا لـ"أبناء الشعب الفلسطيني في كل مكان، إلى اتّخاذ موقف من هذه الكذبة المخزية التي يطلق عليها اسم "نضال برلماني". إننا ندعوهم إلى رفع صوتهم في كافة أماكن تواجدهم لمطالبة أبناء شعبنا بمقاطعة انتخابات الكيان... و"الاصطفاف خلف شعار مقاطعة انتخابات الكنيست، باعتباره جزءًا أصيلًا من مفهوم مقاطعة الكيان نفسه."

الى أي مدى سيتمكن الداعون الى المقاطعة من التأثير على "المواطنين" الفلسطينيين في الداخل، رغم تهويل الأحزاب المشاركة واتهامها المقاطعين بأنهم يعملون لصالح نتنياهو، دون إعادة النظر بأدائها والنظر الجدي بما يطالب به الجميع، أي إعادة ترتيب أوضاع لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، كي تصبح الممثل الفعلي لتطلعات المجتمع الفلسطيني في الداخل وتقوم بدورها في مواجهة العدوان الصهيوني، وتقديم خارطة طريق للنهوض بالمجتمع الفلسطيني وتواصله مع شعبه في كل أماكن تواجده.

انشر عبر
المزيد