في يوم الأرض ومسيرة العودة.. تأكيد على مواصلة المقاومة

30 آذار 2019 - 11:23 - السبت 30 آذار 2019, 11:23:30

بقلم: سمير أحمد

إذا كان يوم الأرض قد انطلق في الثلاثين من آذار/مارس العام 1976، من الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، بانتفاضة أبناء البلد، ضد قرارات سلطات الاحتلال الصهيوني بمصادرة أراضٍ فلسطينية تابعة لقرى عربية هي سخنين وعرابة ودير حنا، شمال فلسطين المحتلة، في مسعى لتهويد منطقة الجليل (شمالا) والنقب (جنوبا)، ذات الأغلبية الفلسطينية، فإن مفاعيل ذلك اليوم الخالد قد تجاوزت كل الحدود المصطنعة التي أوجدها الاحتلال منذ العام 48، وجذوره عمقَّت وحدة الأرض والشعب التي سعت سلطات العدو وحكوماته المتعاقبة، بكل ما تملك من قدرات وإمكانيات، ودعم إستعماري مادي ومعنوي، سياسي وعسكري لضربها وتصفيتها بشكل نهائي، عبر الحروب والاعتداءات والمجازر المتكررة والمتواصلة وسياسة التهجير المنظمة.

ومنذ ذلك اليوم الذي تعمَّد بدماء الشهداء: خير ياسين (من عرابة)، رجا أبو ريا (من سخنين)، خضر خلايلة (من سخنين)، رأفت الزهيري (من نور شمس)، حسن طه (من كفركنا)، وخديجة شواهنة (من سخنين) وعشرات الجرحى... منذ ذلك اليوم بات الثلاثين من آذار/مارس العام 76، يوما مجيداً في تاريخ الحركة الكفاحية للشعب الفلسطيني في مواجهة المشروع الإستعماري الصهيوني الإجلائي، الذي لا يستهدف فلسطين بذاتها، وإنما كل الأمة العربية، بماضيها وحاضرها ومستقبلها.. وشاهداً حياً على وحدة الشعب الفلسطيني وأرضه وقضيته...

وباتت ذكرى يوم الأرض، رمزًا من رموز الصمود الفلسطيني، في وجه المخطط الإستعماري الصهيو غربي أمريكي، كونها تعبِّر عن محور الصراع مع الاحتلال المتمثل بـ"الأرض" التي زعم قادة الحركة الصهيونية الأوائل، بأنها "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

وهذا اليوم، يمثل لكل العالم أن الفلسطيني ينتصر بإرادته الحيَّة، وأن وجوده المتجذر، الدائم والمتواصل فوق أرض فلسطين، من الناقورة الى رفح، ومن البحر إلى النهر، يشهد أن الصهاينة فشلوا في تمرير روايتهم المنسوجة من الأساطير والأوهام التي دحضها الوجود الفلسطيني الدائم والمتواصل، وكذبتها كل الحفريات الآثارية التي قام بها آثاريون صهاينة عجزوا عن إيجاد ولو أثراً واحداً يؤكد تلك المزاعم الصهيونية عن ارتباطهم بهذه الأرض التي يشهد كل ما في باطنها وعلى سطحها بأنها عربية، كانت وستبقى...

خرجت ذكرى الثلاثين من آذار/مارس من نطاق المحلية إلى النطاق الوطني، وباتت يوماً فلسطينياً، يعيد إحياءه الفلسطينيون في أراضي ال48 وفي الضفة والقطاع، وفي مخيمات اللاجئين في بلدان اللجوء والشتات، تأكيداً من الفلسطينيين على كونهم شعباً واحداً، وأن قضيتهم واحدة.

تحول يوم الأرض إلى انتفاضة تشارك فيها جموع الفلسطينيين في أماكن تواجدهم، كافة، في الداخل المحتل حيث موقع الحدث، والمواجهة اليومية مع سالبي الأرض وقوانينهم العنصرية، التي يختصرها قانون "يهودية الكيان"، وسياساتهم التهويدية وممارساتهم العدوانية الفاشية بحق أبناء الأرض، وقد خرج من بينهم مقاومون أشداء، نفذوا عمليات بطولية، منهم بطل عملية شارع ديزنغوف في تل أبيب الشهيد نشأت ملحم، الذي أجبر أكثر من مليون مستوطن على ملازمة "بيوتهم" طوال أسبوع كامل؛ والجبارين، المحمدات الثلاثة (أبناء أم الفحم) الذين نفذوا عملية بطولية عند أحد بوابات الأقصى وفي باحاته الداخلية في القدس المحتلة...

إلى الضفة وقدسها المحتلتين المقطعتي الأوصال بمئات المغتصبات السرطانية والجدار الفاصل والطرق الالتفافية والحواجز الأمنية، والتي ينطلق من مدنها وقراها ومخيماتها أبطال انتفاضة القدس (2015) والعمليات الفردية التي هزَّت أمن الكيان وأرقت قاة الأجهزة الأمنية، وآخرهم عمر أبو ليلى وأشرف نعالوة وباسل الأعرج، واللائحة تطول، الذين آلموا العدو، وخيبوا آمال مئات آلاف المستوطنين بأوهام الأمن الذي وعدتهم به حكوماتهم...

إلى قطاع غزة المحاصر منذ نحو 12 عاماً، والذي يخوض صراعاً مفتوحاً على أكثر من وجهة وصعيد، وقد وصلت صواريخه إلى ما بعد تل أبيب، فهزَّت أمن الكيان وأدخلت أكثر من مليوني مستوطن إلى الملاجئ، وشكلت بـ"مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار"، وما رافقها من أشكال المواجهة السلمية المتعددة، من إحراق إطارات الكاوتشوك إلى الطائرات الورقية والبالونات، والإرباك الليلي، والمسير البحري، شكلت جميعها وطوال عام كامل تحدٍ دائم لسلطات الاحتلال وقطعان المستوطنين المنتشرين في المغتصبات المحيطة بالقطاع. وقدَّم خلالها الغزيون نحو 266 شهيداً و16027 جريحاً من بين الشهداء 50 طفلاً و6 فتيات، ومن بين الإصابات 3175 طفلاً و1008 سيدة، وومن الطواقم الطبية 3 شهداء و665 إصابة، أما إجمالي استهداف الصحافيين ًفكان شهيدان و347 إصابة مختلفة صحفياً، وذلك من أجل العودة وكسر الحصار...

إلى جموع اللاجئين المنتشرين في البلدان المتاخمة لفلسطين المحتلة والبعيدة عنها، الذين يقاومون مشاريع التوطين والتجنيس والتشريد ويواجهون سياسات التجويع، ويؤكدون بصمودهم الدائم ثباتهم وتمسكهم بحق العودة إلى أراضيهم وأملاكهم التي هجروا منها بفعل المجازر والإرهاب الذي مارسته عصابات الهاغاناه والبلماخ وغيرها. وهم الذين ساهموا في 15 أيار/مايو العام 2011 بافتتاح عصر "مسيرات العودة"، فانطلقت جموع اللاجئين الفلسطينيين إلى المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة في كل من لبنان وسوريا والأردن، وقدموا الشهداء والجرحى برصاص العدو، منهم 10 شهداء ونحو 60 جريحاً في منطقة مارون الراس بالجنوب اللبناني، و4 شهداء عند الحدود السورية.

هكذا شكل يوم الأرض المناسبة التي يجدد فيها الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وأي كان انتماؤه على تمسكه وتشبثه بأرضه والكفاح الدائم والمتواصل من أجل تحريرها بقوة المقاومة المسلحة. وهي المناسبة التي يؤكد فيها اللاجئون الفلسطينيون العزم والقسم على العودة إلى أراضيهم وقراهم التي هجروا منها طال الزمن أو قصر كون فلسطين لا تمحى بجرة قلم، ولا تقبل القسمة، وستبقى خالدة في العقول والأفئدة والوجدان، طالما أن هناك قلب فلسطيني ينبض على وجه المعمورة.

أهمية إحياء الذكرى الثالثة والأربعين لـ"يوم الأرض"، والأولى لـ"مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار" تكمن في كونها تحمل رداً فلسطينياً شاملاً وواضحاً على المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية، والتي تلخصها "صفقة القرن" الصهيو أمريكية، التي باتت ملامحها الأساسية وعناوينها وبنودها واضحة بفعل التلميحات والتصريحات الأمريكية حيناً والصهيونية حيناً آخر.

وبدأت مفاعيلها باعتراف الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لكيان العدو، وبممارسة أشكال الضغط المادي والمعنوي على "الوكالة الدولية لإغائة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (الأونروا) لإلغاء وجودها باعتبارها الشاهد الدولي على النكبة الفلسطينية وما ارتكبته العصابات الصهيونية من مجازر بحق الفلسطينيين لدفعهم للهجرة بعيداً عن وطنهم. وهو ما يساهم – وفق الرؤية الأمريكية - بإسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأملاكهم، وتوطينهم في البلدان التي يقيمون فيها... ناهيك عن شرعنة الاستيطان الصهيوني السرطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلتين... والدفع باتجاه تسريع خطوات التطبيع بين الدول العربية والإسلامية الدائرة بالفلك الأمريكي مع كيان العدو الصهيوني. وآخر فصولها زيارة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إلى سلطنة عمان، وفتح أبواب الإمارات وقطر والبحرين للوفود الصهيونية السياسية والرياضية، وصولاً إلى لقاء وارسو الذي جمع وزراء خارجية عرب من بينهم السعودي واليمني والبحريني وغيرهم مع رئيس وزراء الكيان الغاصب... ناهيك عن اشتراك هذه الدول بمناورات عسكرية إلى جانب طيران وجيش العدو، بذريعة مواجهة "الخطر" الإيراني المزعوم!..

الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، وبكل فئاته وانتماءاته، وفصائله وقواه وحركاته على اختلافها، أجمعت على الرفض القاطع لـ"صفقة القرن"، التي أسقطت جملة من الأوهام التي عششت في الساحة الفلسطينية منذ العام 1974. وقد اعترفت الأطراف المنخرطة بمسيرة المفاوضات ومولودها السيء الذكر أوسلو، بأنها كانت عبثية، ومحطة للتوسع الاستيطاني الصهيوني السرطاني، وأن السلطة التي نتجت عن الاتفاق المشؤوم كانت بدون سلطة، وأجهزتها الأمنية أسسها الأمريكيون لتكون أدوات في إطار "التنسيق الأمني"، وأن سلطات الاحتلال تهيمن على كل مفاصل الحياة في القدس والضفة المحتلتين.

وخلاصة القول إن الشباب والفتيات الفلسطينيين والفلسطينيات الذين ينفذون العمليات الفردية بكل شجاعة منذ العام 2015 ضد جنود العدو وقطعان المستوطنين الذين يمارسون كل أشكال الإرهاب... وإن "مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار" التي تدخل مع نهاية آذار/مارس الجاري عامها الثاني، هي نبض الشعب الفلسطيني المقاوم، والمصر على استمرار جهاده بأشكال المقاومة كافة، وفي مقدمتها المقاومة المسلحة لتحرير أرضه وتحقيق العودة الحرة الكريمة.

ان العمليات الفدائية التي فجرها في العام 2015 مهند الحلبي وواصلها ملحم ونعالوة والأعرج والبرغوتي وأبو ليلى وغيرهم المئات من الشابات والشباب قد رسخت بقاء المقاومة واستمرارها، وأطلقت ثورة من نوع خاص فاجأت العدو الذي لطالما راهن على كسر إرادة الأجيال الفلسطينية... وأن مسيرة العودة الكبرى المتواصلة بكل حماسة وزخم طوال عام كامل أكدت أن إرادة الشعب الفلسطيني المحاصر منذ 12 عاماً غير قابلة للكسر، وأن مسيرته مستمرة حتى تحقيق أهدافها.

انشر عبر
المزيد