يوم الأرض واستعادة المشروع الوطني الموحّد

30 آذار 2019 - 11:22 - السبت 30 آذار 2019, 11:22:55

بقلم: راغدة عسيران

منذ إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، لم يتخلّ الشعب الفلسطيني عن أرضه ووطنه ووحدته، رغم حالة التشتت التي أنتجتها النكبة، وتقسيم الأرض إلى أجزاء تختلف أنظمة حكمها. إضافة إلى هذه التجزئة الأولية، سعى العدو، في الداخل المحتل عام 1948، إلى تجزئة ما أسماها "الأقلية العربية"، إلى فئات دينية ومناطقية، لمنع تشكلّها كمجموعة فلسطينية متجانسة تطالب بحقوقها الوطنية.

رغم الظروف القاسية التي عاشها فلسطينيو الداخل بعد النكبة مباشرة وانقطاعهم عن بقية شعبهم وأمتهم، استطاعوا النهوض من جديد ورسم طريق النضال الوطني، من خلال التصدي لسياسة النهب وطمس الهوية والاعتقال والمراقبة والعزل، عبر أحزاب وحركات سياسية وجمعيات مهنية ونقابات عمالية وشعبية.

يعدّ يوم الأرض الانفجار الشعبي الأول في الأراضي المحتلة عام 1948، حيث كانت الاحتجاجات السابقة لهذا اليوم تأخذ أشكالاً مختلفة، منها المحليّ ومنها الفئوي، منها المسلّح أو السلمي. ويذكر أن شخصيات من الداخل قاتلت في التنظيمات الفدائية الصاعدة منذ الستينيات ضد أهداف صهيونية، كما ورد على سبيل المثال، في سيرة المجموعة 778 التي أرّخها الكاتب الفلسطيني توفيق فياض، ما يدلّ على أن فلسطينيي الداخل لم يتخلّوا عن هدف مقاومة المحتل والتحرير، رغم عزلهم عن شعبهم وأمتهم لعقدين من الزمن.

أسباب انفجار "يوم الأرض" في 30 آذار (مارس) 1976 عديدة، ولكن السبب المباشر هو التصدي لسلب أراضٍ من ثلاث قرى في الجليل (عرابة وسخنين ودير الأسد) لتنفيذ مشروع تهويد الجليل، حيث اعتبرت المؤسسة الصهيونية أن هذه المنطقة الحدودية ستشكل خطراً على أمنها إن بقيت تسكنها أغلبية عربية فلسطينية، لا سيما بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي أثبتت لها أن هزيمة كيانها غير مستبعدة في حال تحرّرت الإرادة العربية عن إملاءات القوى الامبريالية والمجتمع الدولي. وجاءت ردة فعل الجماهير الفلسطينية بهذه القوة لأن منطقة الجليل تحتضن الثقل الديموغرافي الفلسطيني الأكبر من بين المناطق الفلسطينية الأخرى (المثلث والنقب)، وأن أي مساس بهذا الثقل سيؤثر على مستقبل فلسطينيي الداخل.

انفجر "يوم الأرض" بعد التخلص من هيمنة المتعاملين والمتعاونين مع المحتل، من بين المخاتير ورؤساء البلديات، وصعود جيل جديد (30 سنة بعد النكبة) تواصل مع أهله في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلتين منذ حزيران 1967، ومع شعبه الثائر في مخيمات اللجوء، الذي أخذ ينظّم نفسه تحت راية التحرير والعودة، ما يعني أن الشعب الفلسطيني، في كل أماكن تواجده، في الأرض المحتلة أم في اللجوء، كان قد استعاد وحدته السياسية معلناً حقه في الأرض المسلوبة وعزيمته على تحرير كل شبر منها.

كان "يوم الأرض" في 30 مارس/آذار 1976 خياراً شعبياً واسعاً، فهمت القيادة السياسية والمجتمعية رسالته ولبّت نداءه معلنة عن الإضراب الشامل في كافة المناطق المحتلة عام 1948. وقد استجابت القيادة للتطلعات الشعبية نحو التصدي للإجرام الصهيوني المتمثل بإقامة الكيان واتباع سياسة السلب والطرد، كما أكّده الزحف الجماهيري نحو مكان اجتماع رؤساء البلديات العربية، حيث كان بعضهم متردداً للموافقة على الإضراب، والبعض الآخر رافضا له. ولكن انتصرت الإرادة الشعبية وتمَّ الإعلان عن الإضراب العام، تأكيداً على قوة إرادة الشعب أمام التهديدات الصهيونية التي تصاعدت منذ بداية التحرك.

غير أن قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" لم تلتقط الحس الجماهيري في هذه الفترة، كما نوَّه له القيادي في "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، عبد العزيز الميناوي، في نص محاضرة عن الحركة ألقاها مؤخراً، حيث لم تأخذ بعين الاعتبار الاتجاه الوحدوي لدى الشعب الفلسطيني بكل فئاته وأماكن تواجده، حين طرحت وقبلت بـ"الحل المرحلي"، عام 1974، الذي يكرّس تقسيم البلاد الى أراضي 48 وأراضي 67، كما أراده المجتمع الدولي في ذلك الحين والأنظمة العربية، الذين ضغطوا على القيادة الفلسطينية للتخلي عن هدف التحرير والوحدة الشعبية والعودة.

اعتبرت الجماهير الفلسطينية المنتفضة والداعمة لـ"يوم الأرض" أن الأرض المسلوبة واحدة وغير قابلة للتجزئة، ولا يمكن التخلي عن ذرة تراب منها، وأن الشعب الفلسطيني واحد، لا يقبل تقسيمه إلى "مواطنين إسرائيليين" و"فلسطينيين"، رغم التمييز الظاهري لتعامل العدو بينهم. "يوم الأرض" هو رفض لهذه التجزئة، وهذا ما عبّرت عبه الجماهير الفلسطينية في كل أماكن تواجدها والتي تحيي يوم الأرض سنوياً، لأنها اعتبرت أن أساس الصراع مع الصهاينة ومن يدعمهم يكمن في اغتصاب أرض فلسطين لإقامة كيان استيطاني عليها، وأن الدفاع عن الأرض ضد الاستعمار الصهيوني يتصدّر الأولوية، في الاراضي المحتلة عام 1948 حيث تقع أراضي اللاجئين وقراهم، وتلك المحتلة عام 1967، التي شهدت هجمة المستوطنين، ولم بيقَ منها الآن سوى معازل محاصرة.

أسقطت قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" في ذلك الوقت التطلعات الشعبية نحو وحدة المصير ووحدة النضال، لترضخ أمام المجتمع الدولي والأنظمة العربية، على أمل أن تكسب شرعية ما، في حين أن الشرعية الفعلية تؤمنها الجماهير المنتفضة ومقاومة الاحتلال. فأعلنت عام 1988 "إستقلال فلسطين" الوهمي، وتخلّت عن 85 بالمئة من الوطن لصالح العدو، وكرّست تجزئة الشعب والأرض والقضية، قبل أن توقِّع بعد سنوات على اتفاقيات "أوسلو" المشؤومة، متوهمة أن المجتمع الدولي سيعيد لها أجزاءً من الأرض المحتلة.

رغم تراجع "قيادة المنظمة" المستمدة شرعيتها من المجتمع الدولي والمسيطرة على القرار الفلسطيني، عن أهداف الشعب الفلسطيني، لم تكف الجماهير الفلسطينية عن مواصلة نضالها ومحاولة استعادة وحدتها، متجاوزة "الخط الأخضر" الصهيوني. وتمثّل مسيرات العودة التي انطلقت من قطاع غزة بمناسبة "يوم الأرض" 2018 استكمالاً رائعاً لما حصل عام 1976، حيث تزحف اسبوعياً الجماهير الشعبية نحو السياج الفاصل بين القطاع المحاصر والأراضي المحتلة عام 1948 للمطالبة بالعودة إلى الأرض المحتلة والقرى المهجّرة. إن لم تتمكّن مسيرات العودة من استعادة وحدة الشعب حتى الآن ووحدة المشروع الوطني الذي يضم الكل الفلسطيني، فإنها أكدّت مجدداً على وحدة الأرض من خلال المطالبة بالعودة الى الوطن، متجاوزة كل الاتفاقيات مع العدو والقرارات التي اتخذت سابقا تحت الضغط الدولي. بهذا الشكل الشعبي، تستكمل مسيرات العودة معركة الدفاع عن الأرض الفلسطينية والتمسك بحق العودة، التي دشّنها فلسطينيو 48 بعد النكبة، في 30 آذار 1976.

انشر عبر
المزيد