قراءة في كتاب: “القدس: العلامة الفارقة في الوحي والتاريخ”

14 آذار 2019 - 02:58 - منذ 4 أيام

قلم
قلم

بقلم : خالد أبو حيط

ليس من السهولة بمكان الجمع بين النص القرآني المقدّس، بما يحمله من بعد إلهي، وما تقتضيه معطيات الجيوإستراتيجية السياسية وجغرافياتها في اللحظة الراهنة وتحديد هويات الأطراف المتصارعة، في محاولة للربط بين قراءة النص الإلهي والسياسات المعاصرة. فتلك مهمة شاقة ولا شك ارتضى أن يخوض غمارها – طواعية– عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، عبد العزيز الميناوي، في كتابه: “القدس: العلامة الفارقة في الوحي والتاريخ”. ويأتي هذا الكتاب في وقت تستعر فيه الهجمة الصهيونية على المدينة ومقدساتها، ويتصدى فيه المقدسيون لمخططات التهويد التي تستهدف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

يرتكز الميناوي في كتابه إلى الفكرة الأساسية التي تقوم عليها “حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين” حول مركزية فلسطين في الصراع مع المشروع الصهيوني، انطلاقاً ممّا يرد في سورة الإسراء عن فساد بني إسرائيل في الأرض مرتين. ومع ذلك، فإنّ مقاربة الميناوي ليست تكراراً، بل سعي إلى تأصيل جملة من المفاهيم الجيوإستراتيجية التي يدور حولها الصراع في إطار تاريخي إنساني بين محرفي الوحي الإلهي ومنكريه من جهة، والمؤمنين به والملتزمين بنهجه من جهة أخرى.

الكتاب في الأصل محاضرة ألقيت في الملتقى الطلابي الحركي لرابطة فلسطين الطلابية في بيروت، بمشاركة طلبة فلسطينيين من غزة ولبنان وسوريا وإيران والسودان. أعادت مؤسسة الأقصى الثقافية في لبنان طباعته في كتاب من 60 صفحة من القياس الوسط، وأصدرت الطبعة الأولى منها في العام 2018 في بيروت. ولذلك، فإن فهرس المحتويات قد ضمّ 17 عنواناً، ليست بفصول، إضافة إلى تعقيب وخاتمة.

يؤسس الميناوي لمقاربته عبر التركيز على أن القرآن الكريم هو مصدر أساس للمعرفة لدى المسلمين في فهم كثير من الحقائق والظواهر في الحياة الدنيا. وعليه، يرى أن القرآن الكريم يشير بوضوح إلى أن “موقع القدس كقيمة يتوّج فعل قوى عديدة في التاريخ باعتباره دلالة لا تضاهى على الفرقان”، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. (ص 7). ولذلك، فهي علامة فارقة في الوحي الإلهي، “فقد شملها رب العالمين بالقداسة، وبالبركة؛ فأرضها مقدسة، ومسجدها الأقصى على بقعة مقدسة، ولم تكن قداستها [ولا بركتها] منحة من بشر، بل من الله سبحانه”.

أما في التأسيس التاريخي، فيرى أن القدس مثلما كانت علامة فارقة في الوحي، فهي علامة فارقة في التاريخ أيضاً؛ وباستقراء بعض المحطات التاريخية، يخلص إلى أن القدس “كانت علامة فارقة على تغلّب إمبراطورية على أخرى”؛ فمثلما كان “اجتياح الصليبيين أرض فلسطين والشام لحظة ضعف المسلمين، وكان انهزامهم لحظة نهوض المسلمين”، فكذلك “الآن، يدلّ الاجتياح اليهودي لفلسطين، واستيلاؤهم على القدس تحديداً، والعلو فيها، على انتشار الفساد، وانحسار الصلاح، على مستوى العالم”. (ص 7 – 8).

 يخلص هذان التأسيسان إلى خلاصة أساسية: “فقضية القدس راهناً، أي بالأحرى قضية فلسطين، هي قضية لا تهمّ فقط شعبها الفلسطيني، أو أمّة العرب، أو الأمة المسلمة، أو حتى البشرية جمعاء على امتداد تاريخها، بل هي مسألة أصدر الله سبحانه فيها حكمه، أن تكون الأرض التي ينبغي أن تكون أرض النجاة، ومباركة للعالمين على امتداد التاريخ”. (ص 9).

ولئن كان الأمر كذلك، وبما أنّ القدس محطّ صراع بين المسلمين، أتباع الوحي القرآني، واليهود، “أتباع التوراة المحرّفة لا الحقيقية التي لم تعد موجودة”، يقارن الميناوي بين فهمين، يهودي وإسلامي، للقدس. “فالقدس التي تمثل للمسلمين مدينة الإسراء، وميراث الأنبياء الذين صلوا خلف إمامهم الرسول الخاتم، قبل معراجه إلى سدرة المنتهى، لا ترى فيها الرغبات اليهودية إلا مدينة الانتصار الدامي؛ انتصار داود التوراتي المحارب العنيف، مبيد أعداء بني إسرائيل، شعب الله المختار، ومعبداً للانتقام”. (ص 12) “للقدس مكانة لدى بني إسرائيل، ولكنها المكانة التي تقوم على احتقار أمم العالم، والتلاعب بهم، والتسلط عليهم، وامتصاص خيراتهم، وليس الرحمة بهم” (ص 14)، ليستنتج من هذه المقارنة بين الفهمين الإسلامي واليهودي أن “عوامل الصراع حول المسجد الأقصى عميقة، وتتشعب في مواطن الحياة ونواحيها… وهكذا تثبت القدس مرة أخرى، ومن جهة أخرى، أنها العلامة الفارقة”. (ص 15).

هذا الصراع بين الوحي الثابت في القرآن الكريم كما يؤمن به المسلمون، والتحريف اليهودي للوحي التوراتي، هو أحد دوافع “موقف اليهود المتشنج من القرآن الكريم”؛ وهنا يستدلّ الميناوي بالآية القرآنية – التي وردت في سياق الحديث عن قول اليهود﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ والتي هي “تلخيص وافٍ لموقع المال لديهم الذي فاق العبادة لرب العالمين”- ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، على أن “كراهية اليهود المتزايدة للقرآن تجعلهم يزدادون طغياناً وكفراً، فهو وصف يظهر مدى الكراهية وعمقها لدى كثير من اليهود، والكراهية لأهله على امتداد الزمن المقبل. وفي ذلك اتصال بالمستقبل من الزمن، وليس فقط في ما سبق، ويخص أهل القرآن تحديداً. وقد تجلى ذلك كله راهناً من خلال غزو فلسطين، واحتلال أرضها، وتشريد أهلها”. (ص 22).

وفي تدبر مستهلّ سورة الإسراء، يرى الميناوي أن الإفساد والعلو الكبير الأول لبني إسرائيل، الذي تتحدث عنه السورة، يتمثل في إنكار نبوة محمد ﷺ، ويربط ذلك بحادثة الإسراء: “فاليهود ينظرون لأنفسهم بأنهم شعب الله المختار وشعبه الخاص، وأن النبوة فيهم والسيادة لهم، وأن مدينة القدس مدينة أنبيائهم كما يقولون هي مدينتهم المقدسة الخاصة… فمحمد ينازعهم بالإسراء السيادة على المدينة المقدسة، إن لم يكن ينهي علاقتهم بها تماماً بعدما أنهيت علاقتهم بالوحي والنبوة بنبوته الخاتمة، كما ينازعهم الشهادة على الناس رحمة بهم، لا السيادة على الناس استعباداً لهم”. (ص 34).

وعليه، يستنتج الميناوي، أن “إفسادهم وعلوهم الكبير في وعد الآخرة، يتمثل في رفض اليهود مرة أخرى لرسالة الإسلام باجتياح أرض إسراء نبيها، ونكرانها لموقع الأمة المسلمة ورثة القرآن الكريم كأمة وسط”. (ص 34) مشدّداً على أنّ اليهود “لا يدركون رغم أسفارهم التي يحملونها أن هناك فارقاً نوعياً ما بين السيادة، أو بمعنى أدق التسلط بفعل المال والمكر معاً على الناس، وبين الشهادة عليهم”. (ص 36).

على أن الميناوي يشدّد، مرات كثيرة في المحاضرة، على أنّ النبوءة التي يتحدث عنها القرآن الكريم، لن تجري خارج السنن التاريخية، بل هي مرهونة بفعل الإنسان المؤمن: “وكأنّ هذا النص يدفع باتجاه التشديد على الإرادة البشرية والفعل الإنساني، ويلقي المسؤولية على البشر في استيفاء شروط إنجاز هذه الأفعال الثلاثة ومستلزماتها، وهذا بخلاف ما قد يفهم من أن وعد الآخرة، كحدث وارد في القرآن، سيجري خارج السنن الإلهية الجارية، وأنه سيتم خرق هذه السنن”. (ص 42 – 43).

والأفعال – أو الخطوات الثلاث– التي يتحدث عنها الميناوي، هي كما وردت في سورة الإسراء التي تتحدث عن “وعد الآخرة”: “فأولى هذه الخطوات الإساءة إلى وجوه بني إسرائيل، والتي تعني الجرأة عليهم وإذلالهم وتحطيم كبريائهم بطريقة غير مألوفة ولا يستطيعون لها ردّاً.. وما يقوم به المقاتلون والمجاهدون والمناضلون يدخل بقوة في هذا الإطار”… (ص 38 – 39).

“وأما الخطوة الثانية فهي دخول المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة”. وهنا يلفت الميناوي إلى اختلاف وصف القرآن الكريم بين الذين دخلوا المسجد أول مرة بأنهم ﴿أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، والذين سيدخلونه في وعد الآخرة، مرجّحاً أنهم سيكونون من الذين ينطبق عليهم وصف الله تعالى بأنهم من “وارثي الكتاب”، وبأنهم من المصطفين، ومن عباد الله، إلا أن منهم من هو ظالم لنفسه، ومن هو مقتصد، ومن هو سابق بالخيرات، فهم إذاً ليسوا على مستوى مسلكي واحد، ولعلّ السبب في ذلك كي نتحلى بقدر من الواقعية والمرونة الذهنية، ولا ننتظر تحولنا جميعاً على مثال المسلمين الأوائل، صحابة الرسول ﷺ”. (ص 40 – 41) “وهم يتمتعون بميزة الوعي بالأهداف العامة المطروحة، ولديهم التصميم والمثابرة الجمعية لتحقيقها، وبالالتزام المسؤول بالخطة الموضوعة والعمل وفقها، وهو ما توحي به الأفعال الجمعية الثلاثة المتتابعة: ﴿لِيَسُوؤُواْ.. وَلِيَدْخُلُواْ.. وَلِيُتَبِّرُواْ..﴾.

لا يتردّد الميناوي في الجزم بأنّ المسجد المذكور في الوعدين الأول والثاني هو “المسجد الأقصى وليس المسجد الحرام”، ويقول: “فذكر المسجد ودخوله مستقلاً يشير إلى أنه موضوع نزاع بين بني إسرائيل وعباد الله… فالمسجد الأقصى موجود ضمناً في الوعد الأول، في حين يبدو جلياً في وعد الآخرة، وكل منهما يعلن عن علاقة به ذات مغزى قدسي، وليست رابطة جغرافية سياسية أو مصلحية فقط، وأنه ذو أهمية لاكتمالهما، وبدونه يبدو وضع كل منهما وكأن هناك نقصاً جوهرياً في كيانه. فهو صراع حول المسجد ورمزيته، وليس حول المعبد أو الهيكل أو البيت أو الكنيس أو أي توصيف آخر يمكن أن يكون مشتركاً بين بني إسرائيل وغيرهم من الأمم التي عاصرتهم. والأحق به أهل السجود الذي يسجدون لله، وليس لبني إسرائيل الذين فشلوا أن يكونوا واسطة بين وحي الله والناس. وهنا تتبدى القدس ليس فقط كعلامة فارقة، بل كهدف لفعل يتجاوز كل تحديد”. (ص 46).

ويلفت إلى الآية 9 من سورة الإسراء: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾، التي وردت تعقيباً على نبوءة تحقق الوعدين: “هذا التعقيب الإلهي هو على سياق الآيات السابقة له، وهو سياق ذو طابع أرضي وتاريخي تام، والتعقيب الإلهي بهذا يكتسب السمة التاريخية، ومضمونه بالضرورة ذو طابع تاريخي، وهو بهذا يعقب على الفشل المتكرر الذي يواجهه الذين كانوا عباداً لله، والذين يجربون مناهج ومدارس فكرية وسياسية عديدة ومختلفة في محاولاتهم المتكررة لحل معضلة الإفساد والعلو الإسرائيلي، وأنهم لن يستطيعوا حلها عبر هذه المناهج والمدارس لقصورها الذاتي في إدراك الظاهرة الإسرائيلية ودور الأمة المسلمة، وأن القرآن فقط هو الذي يمتلك الحل، وهو القادر فقط دون غيره على إدارة عملية مواجهة الإفساد الإسرائيلي وعلوهم الكبير”. (ص 47 – 48)، مشدداً بالتالي على فشل الحلول غير القرآنية وعجزها.

وكي لا يذهب الظن إلى أنّ الميناوي يضع اليهود جميعاً في جوهر واحد، فإنّه يشير إلى مسألتين لهما دلالة في هذا المقام؛ الأولى، أن القرآن الكريم يتحدث عن ﴿كَثِيراً مِنْهُمْ﴾، لا عن كلهم (ص 22)، والثانية، وهي الأهم أن “إنهاء رد الكرّة الإسرائيلية، وتحطيم الوهم الذي نسجته عوامل القوة الظاهرة للكيان الإسرائيلي، من أموال وبنين ونفير أكثر، فهو من جانب آخر يفتح الطريق أمام إمكانية أن يتحرر اليهودي من سطوة وجود هذا الكيان، والعنف الملازم له، وما يولده من إحساس زائف بالقوة والاستغناء، أي بالعمى”. (ص 50).

وفي ختام الكتاب / المحاضرة، يشير الميناوي إلى الآية الأولى من سورة الإسراء، فيقول: “نلاحظ أننا لم ننجح حتى الآن في صراعنا مع العدو الصهيوني؛ بسبب عدم اكتشافنا وهجراننا العلاقة الخاصة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، والعمل وفقها”، موضحاً أن هذه “العلاقة متعددة الأبعاد والدلالات، ولا تقتصر على دلالتها العقدية فقط، بل هي ذات دلالات أخرى عميقة؛ جغرافية، وسياسية، وإنسانية، واقتصادية، ودينية، وثقافية، وإستراتيجية، وعسكرية”، ليستنتج بأن “المحافظة على تلك العلاقة موصولة غير مقطوعة وغير مفعّلة، كما هي الآن، باحتلال إسرائيل لفلسطين والمسجد الأقصى من دون بذل جهد متكامل لإزالته، هي الطريق الوحيد الذي يتيح للأمة كسر تلك الدائرة الكابحة، وتوسيع هامش حركتها وانتشارها في التاريخ والجغرافيا”. (ص 51).

وفي نهاية الكتاب، تأكيد على هذه الفكرة، جاء على هيئة تعقيب، يؤكد فيه الميناوي أن “الدور الفريد الذي لعبه المسجد الأقصى في فترة تغييب بيت الله الحرام، تحت أثقال الوثنية العربية، والتحريف الكتابي، في الحفاظ على كلمة الله قبل الإسلام، وحتى لو كان دوراً ملوثاً بقدر من التحريف، فكان إسراء الرسول إليه، وصلاته نحوه، وصلاة صحابة الرسول نحوه، انخراطاً مبكراً في الصراع على موقع المسجد الأقصى ومستقبله، وكشفاً مبكراً لموقعه ودوره. وهو صراع يتجدد راهناً في وعد الآخرة، وستؤدي العلاقة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، في الكشف التام، ليس فقط عن حقيقة موقع كل منهما في التاريخ النبوي، بل عن تصديق القرآن على ما بين يديه من الكتاب وهيمنته عليه”. (ص 56).

ويخلص الميناوي إلى أنّ الطرح الذي يقدمه يؤكد وجود “علاقة معيارية، علامة لا تخطئ، ما بين القدس وما بين الإسلام وموقعه في العالم، وأن القدس ومسجدها الأقصى معيار مستمر لتحديد توازنات القوى عالمياً، وتمييز لسيادة الإسلام، أو الإصلاح في مواجهة الفساد”. (ص 58).

* * * * *

وفق ما تمليه المحاضرات عادة، يمتلئ الكتاب بالإشارات إلى قضايا فكرية وثقافية إشكالية لا تخفى على القارئ المتخصص في هذا النوع من الكتابات، ولا سيما تلك المتعلقة بما يسمى “مقارنة الأديان”.

لا شك في أن المحاضرة التي يضمها الكتاب نجحت في تسليط الأضواء على الأبعاد القرآنية والتاريخية والسياسية الراهنة للصراع مع المشروع الغربي، ورأس حربته المشروع الصهيوني في فلسطين. ولا شك أيضاً في أنّ المحاضرة تؤسس لرؤية إستراتيجية لمواجهة هذا المشروع، بجهد إنساني، يرتكز في منطلقاته ومقولاته إلى الوحي الكريم. واستطاع الميناوي أن يظهر ضرورة مركزية قضية فلسطين بالنسبة لمستقبل الأمة العربية والإسلامية وهويتها وثقافتها ومستقبلها أيضاً. وهي ركيزة تصلح بالتالي لبناء إستراتيجية تنبع من أصالة ذاتية لدى الأمّة.

ولاستكشاف أبعاد الإشارات التي وردت في المحاضرة، والتي قد لا ينتبه إليها القارئ غير المتخصص، يجدر التوقف عند أبرزها.

لا يلمح الميناوي في كتابه إلى الجدل الحاصل حول جغرافية “الأرض المقدسة”، الذي يشكل مادة خصبة للجدل الفكري والثقافي، منذ أن كتب جورج صليبي كتابه: التوراة جاءت من الجزيرة العربية، وتبعه في ذلك، أو ردّ عليه كثيرون. لكنه يؤكّد على ما لا يدع مجالاً للشك، أن اعتقاده الجازم هو أن الأرض المقدسة هي القدس التي “شملها رب العالمين بالقداسة” (ص 8)، مستشهداً بالآية الكريمة: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. وهو لذلك، يماهي بين القداسة والبركة التي وردت صفة صريحة للمسجد الأقصى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

يذهب الميناوي إلى أنّ التشكيك بقداسة الأرض التي أقيم عليها المسجد الأقصى يؤدي إلى التشكيك ببركتها. ولذلك، يشدّد في محاضرته على التأكيد على أن المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم هو ذاته المسجد الأقصى الذي يدور الصراع عليه حالياً في القدس في فلسطين المحتلة.

يردّ الميناوي بذلك، بشكل واضح وضمني في آن معاً، على كل الادعاءات التي تشكك في ذلك. وهو في هذا محق، وتسعفه الحجة حين يستشهد على ذلك بأنّ إسراء الرسول ﷺ قد كان إلى المسجد الأقصى، كما فهمه الصحابة والمسلمون الأوائل، بل وكانوا يتوجهون في صلاتهم نحوه، وهو ذاته المسجد الذي كان يصلي إليه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، والذين استاءوا حين أمر القرآن بالتولي ناحية المسجد الحرام. فهذا دليل واضح أن المسجد محل الصراع هو المسجد الأقصى الذي كان يتوجه إليه اليهود والنصارى والمسلمون، بداية الأمر، في صلاتهم. وهو بذلك يقيم الحجّة على المشككين في موقع المسجد الأقصى المبارك.

وعلاوة على ذلك، يجيب الميناوي بشكل مباشر على سؤال ضمني مطروح حول أهلية المسجد الأقصى لاستحقاق البركة من رب العالمين. فيقول: “لم تكن قداستها [قداسة الأرض التي عليها المسجد الأقصى] منحة من بشر، كما لم تكن البركة فيها منحة أيضاً من أحد، بل من الله سبحانه”. (ص 9). ولمزيد من إيضاح هذه النقطة – ضمنياً– يشير في التعقيب في آخر الكتاب إلى “الدور الفريد الذي لعبه المسجد الأقصى في فترة تغييب بيت الله الحرام، تحت أثقال الوثنية العربية، والتحريف الكتابي، في الحفاظ على كلمة الله قبل الإسلام”. (ص 56).

هذه الإشارات تدلّ بوضوح أن الميناوي متابع جيد للجدل الفكري والثقافي الدائر حول المسألة، دون أن تخفى عليه الدوافع السياسية والجيوإستراتيجية للمشككين، ولذلك، فهو يقدّم ردّاً واضحاً يرتكز إلى معرفة لا يمكن للمؤرخين ولا للمعاصرين إنكارها. فأهل الكتاب الحاليون، كما السابقون، يشهدون أن القدس كانت، ولا تزال قبلتهم التي يتوجهون إليها في صلواتهم. والمفسرون والمؤرخون المسلمون يؤكدون أن الرسول ﷺ قد صلى، قبل الكعبة الشريفة، إلى حيث كان يصلي اليهود والنصارى. وعليه، فإنّ أية محاولة للتشكيك في جغرافية المسجد الأقصى ومكانته وقيمته وموقعه من الدين ومن الصراع هي محاولة بائسة لا تستند إلى أدلة وبراهين عملية ومنطقية، بل إلى أجندات سياسية واضحة.

يماهي الميناوي بين “بني إسرائيل” و”اليهود”، رغم محاولته الواضحة التفريق بينهما: “بنو إسرائيل هؤلاء جماعة متجوّلة على حوافّ المدن القديمة في المنطقة العربية، حافظت على خصائصها وطباعها وتراثها البدوي الجوّال.. وقد بعث الله موسى u نبيّاً لهم، وباختلاط أناس من أقوام أخرى مع هذه الجماعة، وتزاوجهم، وتبنّيهم دينهم وقيمهم وتراثهم، أصبح لدينا طائفة جديدة هي طائفة اليهود. فاليهود إذاً هم الطائفة المستجدة على التاريخ”. (ص 15). ويقول: “فبنو إسرائيل ذائبون تماماً في اليهود ذوبان الملح في الماء، أو بمعنى آخر هم الجزء الذي يعبر عن الكلّ”. (ص 16). يدرك الميناوي، بلا شك، الجدل الحاصل حول هذه النقطة بالتحديد.

وفي استقرائه لأبعاد الشخصية اليهودية كما يقدّمها القرآن الكريم، يلفت الميناوي إلى مواصفات كثيرة، لا مجال لذكرها كلها هنا، لكن يجدر لفت الانتباه إلى ملاحظة أبداها بخصوص تدبر الآية الكريمة: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ إذ يلاحظ أن هذه الآية لا تكشف علاقات عناصرها الداخلية مع بعضها البعض وتتحول إلى مجموعة متنافرة العناصر، تقوم علاقاتها الداخلية على قاعدة العداوة والبغضاء” فحسب، بل وأيضاً “تحمل نبوءة، بل حقيقة، لم يكن من السهل إطلاقها بهذه الثقة من قبل أحد ما، فقد نادى كثير من الفلاسفة منذ الثورة الفرنسية وما قبلها وما بعدها بنهاية الدين، وهم يقصدون الدين المسيحي واليهودي، وهو زعم يصطدم بحقائق القرآن الواثقة”. (ص 21).

يقدم الكتاب، بلا شك رؤية متماسكة ومترابطة حول مركزية الصراع مع العدو الصهيوني على أرض فلسطين، من منطلق قرآني يوجّه المؤمنين للتي هي أقوم. ويفتح في الآن نفسه المجال أمام العديد من الأسئلة المعمقة التي من شأنها أن تغني النقاش وتزيد الرؤية تماسكاً ووضوحاً وتبلوراً بفعل الدفع الإنساني الذي يقع على عاتقه تحقيق وعد الآخرة. 

انشر عبر
المزيد