لماذا بث العدو صور همجيته في اقتحام سجن عوفر؟

25 كانون الثاني 2019 - 09:19 - الجمعة 25 كانون الثاني 2019, 09:19:43

اقتحام الاحتلال للسجون
اقتحام الاحتلال للسجون

وكالة القدس للأنباء - متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

في دول العالم، عندما تقتحم الشرطة أو القوى القمعية الأخرى السجون لتنتقم من مواطينها الأسرى أو المساجين، يتم ذلك بعيداً عن الكاميرات والإعلام، لأن الاعتداء على من لا يملك أية وسيلة للدفاع عن نفسه يعتبر من أبشع الجرائم، وبالذات جريمة حرب، كما وصف الأسير المحرّر الشيخ خضر عدنان الاعتداء الأخير على الأسرى في سجن عوفر. عادة، تحاول دول العالم ارتكاب جرائم الحرب بعيداً عن الإعلام وعن عيون الشعوب، لأنها تدرك أن هذه الجرائم منبوذة من قبل النوع البشري، حتى في حالة الحرب. أما الكيان الصهيوني الاستيطاني فهو الكيان الوحيد في العالم الذي يتجرأ على تصوير اقتحام قواته المدججة بالسلاح السجون والاعتداء على الأسرى الفلسطينيين، ومحاولة إذلالهم، وذلك لكسب أصوات أو رضى مستوطنيه؛ وما الصور التي بثها مؤخراً عن اقتحام سجن عوفر وأقسامه وغرفه من قبل القوات الخاصة الصهيونية ومنها المتسادا، برفقة الشرطة والكلاب، إلا محاولة جديدة لإرضاء جمهور المستوطنين في الكيان وتوجيه رسالة لهم مفادها أن القتل والتنكيل والإذلال هم ممارسات اعتيادية بحق الفلسطينيين في السجون كما هي في خارجها، وعلى المستوطنين أن يطمئنوا ويثقوا بقيادتهم.

لقد تنبّهت الهيئة القيادية لأسرى حركة الجهاد الإسلامي إلى التوظيف الصهيوني لهذه الجريمة بحق الأسرى، بالاشارة إلى أنها لن تقبل أن تكون السجون ساحة للدعاية الانتخابية "الإسرائيلية". ذلك لأن القوى السياسية الصهيونية بدأت، منذ الإعلان عن حل الكنيست والتحضير لانتخابات قادمة، تصعيد لهجتها العدوانية بحق أهل قطاع غزة وبحق القدس والمقدسات وبحق المقاومة والشعب الفلسطيني أينما كان، ولأن الجمهور الصهيوني يريد المزيد من إراقة الدم الفلسطيني والعربي، كونه لا يعرف إلا العدوان والحرب والاستيلاء على أملاك الغير، ويريد أن تخضع له الشعوب وتستسلم لإرادته.

لقد حرص العدو على بث صور اقتحام قواته لسجن عوفر والاعتداء الوحشي على الأسرى لتوجيه رسائله إلى جهات عدة، إضافة إلى مجتمع مستوطنيه. إلى داخل المستوطنة الصهيونية، تحمل الرسالة وعداً من قبل الحكومة الحالية ووزير داخليتها بتطبيق الهدف الصهيوني الأبرز، وهو قمع وسحق أي فلسطيني يفكّر بمقاومة وجوده على أرض فلسطين. ومن أجل كسب

أصوات الناخبين في الانتخابات القادمة، تبرهن الحكومة ووزير داخليتها أنهما الأجدر بنيل ثقتهم لأنهم يطبّقون على الأسرى ما تقوم به القوات الحربية كل يوم في أنحاء الضفة الغربية من اقتحامات وسرقة وتنكيل وتدمير وضرب وقتل. ولكن بث صور الاقتحام والضرب والهجوم على الأسرى في غرفهم وتركيعهم من قبل قوى مدرّبة على القمع يدلّ على أن العدو يستعيد أيضاً صور الماضي، صور الامبرطورية الرومانية، حيث كان جمهور "المواطنين" يتزاحمون على المدرجات لمشاهدة المواجهة بين الأسرى المسيحيين والأسود الملهوفة، وهم متعطشون لرؤية كيف يلتهم الأسد الأسير عدو الامبرطورية. واليوم، يبدو أن مجتمع المستوطنين متعطش لرؤية همجية حكامه إزاء الأسرى والشعب الفلسطيني بشكل عام الرافض للخضوع والإذلال.

الرسالة الثانية موجهة إلى المجتمع الدولي، من هيئات دولية وحكومات ومؤسسات وإعلام، إلى الذين يتحدثون عن حقوق الإنسان وعن الحرية، أو الذين يتحدثون عن النظام وضرورة المحافظة عليه. والرسالة تتحدى الجميع بالقول إن ما تقوم به القوات الخاصة الصهيونية بحق أسرى عزّل لا يملكون أسلحة للدفاع عن أنفسهم، لا أحد يستطيع التصدي له أو حتى إدانته، لأنها تتلقى الدعم الكامل من الولايات المتحدة الأميركية وإدارتها، وأنها لا تخشى أحداً طالما استمر هذا الدعم، ولأن ما تقوم به علناً تقوم به دول وأنظمة سراً بحق "أغرابها" ولاجئيها وأقلياتها.

والرسالة الثالثة موجهة إلى المطبّعين الجدد من العرب والمسلمين، من الدول والمؤسسات والأفراد الذين تنكّروا لفلسطين وشعبها وقدّموا الولاء للكيان الصهيوني وقيادته ومستوطنيه. تقول لهم الرسالة إنهم يدعمون بأموالهم وخطاباتهم وزياراتهم وتصريحاتهم، كياناً مجرماً وعنصرياً لا يتردد في قتل الأطفال وزجهم في السجون وحرقهم، لأنهم فلسطينيون، ولا يتوانى عن قمع الأسرى واستخدام القنابل الصوتية والمسيلة للدموع وغاز الفلفل والرصاص المعدني ضدهم، ومهاجمتهم بالكلاب، والعبث بمقتنياتهم وتحطيمها، لأنهم يرفضون الإذلال ويثبتون كل يوم أنهم متمسكون بحقوق شعبهم. تقول الرسالة الموجهة للمطبّعين الجدد إن الكيان الذي تسعون إلى التطبيع معه لم يعد يخفي جرائمه بحق الفلسطينيين، لأنكم وافقتم على إقامة العلاقات معه، رغم كل الظلم الذي ارتكبه، وبفضل تطبيع علاقاتكم معه، سيواصل جرائمه.

في فترة ما، بعد اتفاقيات أوسلو، طبّعت بعض الدول العربية علاقاتها مع العدو بحجة "خطاب السلام" الذي ساد في ذلك الوقت، رغم مواصلة الكيان عدوانه وحروبه على الشعبين الفلسطيني واللبناني، غير أن هؤلاء المطبّعين لم يحاولوا تبرير جريمتهم بتبني أكذوبة التاريخ اليهودي في فلسطين أو تحريف تاريخ أمتهم، كما يفعل المطبّعين الجدد اليوم، ولم يتباهوا بعدائهم للفلسطينيين، بل حاولوا تبرير تطبيعهم مع العدو بالقول إنه حان وقت "السلام" ويجب نسيان الماضي، ولو على حساب تاريخهم وجغرافيتهم وعقيدتهم، وعلى حساب حق عودة اللاجئين إلى وطنهم.

لكن الرسالة التي وجهها العدو إلى المطبّعين الجدد، عن طريق بث اقتحامه الهمجي لسجن عوفر، تحمل رسالة عداء للشعب الفلسطيني وكراهية وعنصرية إزاءه لأنه يرفض الخضوع لإملاءاته. وقد "يتفهّم" المطبّعين الجدد هذا العداء، لأنهم يسعون إلى الحفاظ على عروشهم ووظائفهم ومكتسباتهم غير المشروعة، ويسعون إلى التقرّب من "الشيطان الأكبر" الداعم، بأساطيله الحربية وأسلحته، أنظمتهم ومكانتهم المعنوية والمالية، تلك المكتسبات التي تهددها مجرد فكرة المقاومة، مقاومة الشر ومقاومة الظلم، أي ما تمثله اليوم المقاومة الفلسطينية والأسرى الفلسطينيين في وجه الاحتلال الاستيطاني الصهيوني.

انشر عبر
المزيد