مذكرة الأحزاب السودانية الـ23.. هل تعصف بحكومة "الوفاق"؟

14 كانون الثاني 2019 - 10:17 - الإثنين 14 كانون الثاني 2019, 10:17:42

الخرطوم - وكالات

أثار إعلان تكتل سياسي من 23 حزباً سودانياً، غالبيتها مشاركة في الحكومة، اعتزامه تقديم مذكرة تطالب الرئيس عمر البشير بحل الحكومة والبرلمان بغرفتيه، وتشكيل مجلس انتقالي لتسيير شؤون البلاد، جدلاً واسعاً في البلاد، حول جدوى تلك المذكرة في الخروج من الأزمة التي تشهدها البلاد.

الأحزاب الموقعة على المذكرة والتي تكتلت تحت مسمى “الجبهة الوطنية للتغيير” وتضم 23، بينها حزب الأمة، تعادل في عددها نحو ربع الأحزاب التي شاركت في مؤتمر الحوار الوطني، والذي أفضى إلى تشكيل حكومة الوفاق الوطني في مايو/ أيار 2017.

وأطلق البشير مبادرة للحوار الوطني 27 يناير/ كانون الثاني 2014، قالت الحكومة إن عدد الأحزاب التي شاركت فيه تجاوز 100 حزب وحركة مسلحة، فيما قاطعته قوى سياسية ذات ثقل، وحركات مسلحة أخرى.

نص المذكرة

المذكرة التي قدمتها الأحزاب للمواطنين والقوى السياسية في السودان، الثلاثاء 1 يناير/ كانون الثاني 2019، دون أن تشير إلى موعد تسليمها لرئيس البلاد، أقرت بوجود أزمة اقتصادية وسياسية، واتهمت الحكومة بأنها تفتقر للآليات الاقتصادية لوقف التدهور الذي تشهده البلاد ما قاد لموجة من الاحتجاجات.

ومنذ 19 ديسمبر / كانون الأول الماضي، يشهد السودان احتجاجات منددة بتدهور الأوضاع المعيشية عمت عدة مدن بينها الخرطوم، وشهد بعضها أعمال عنف.

ووفق الحكومة السودانية بلغ عدد قتلى الاحتجاجات 19 قتيلا، فيما أصيب 219 مدنيا و187 من القوات النظامية.

وأشارت المذكرة إلى أن نظام الحكم في السودان بتركيبته الحالية “معزول سياسيا إقليميا ودولياً ولا حلول أمامه إلا بقيام نظام جديد يستعيد ثقة الشعب، ويستعيد العلاقات الدولية بشكل متوازن تبني على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل”.

الأحزاب الموقعة على المذكرة قالت إنها مفتوحة للتنقيح والتعديل أمام كافة القوى السياسية الأخرى، ووجهت لها الدعوة للتوقيع عليها ودعمها.

ورغم عدم تحديد موعد معلن لانتهاء عرض المذكرة على الأحزاب السياسية، إلا أنها جاءت معنونة لرئيس الجمهورية، عمر البشير، كما أنها لم تطالبه صراحه بالتنحي عن السلطة.

تأكيد على جدوى الحوار الوطني

وعلى ضوء تلك المذكرة أعلنت “حركة الإصلاح الآن” بزعامة غازي صلاح الدين، الذي يعد أهم مفكري الحركة الإسلامية السودانية، وأحد قيادات حزب المؤتمر الوطني التاريخية سابقاً، انسحابها من الحكومة.

ورغم انسحاب الإصلاح من الحكومة الثلاثاء الماضي، إلا أن “صلاح الدين” قال الجمعة، إنهم لم ينسحبوا من وثيقة الحوار الوطني.

ذلك التصريح الذي بدى مستغرباً في الأوساط السياسية المحلية بالانسحاب من الحكومة دون الإقرار بفشل توصيات الحوار، جاء متسقاً مع نص المذكرة التي أعلنتها “الجبهة الوطنية للتغيير”.

حيث أشارت المذكرة في متنها إلى أن الحوار الوطني شكل أرضية خصبة لحل مشكلات البلاد وخاطب جذور الأزمات التي عانى منها السودان لعقود، وأثمر عن رؤية شاملة وكاملة للحل.

المشكلة إذن وفق تلك الكتلة السياسية لم تكن في مخرجات الحوار نفسه إنما في آليات تنفيذه وإنزاله على أرض الواقع.

وأرجعت المذكرة، المآل الذي وصلت إليه البلاد إلى غياب الإرادة السياسية والآليات الفاعلة، التي وقفت عائقاً وفق وصفها أمام تنفيذ التوصيات.

ولا ترفض المذكرة ما خرج به الحوار، إنما ترفض الحكومة الموجودة الآن والمناط بها تنفيذ ما تم التواثق عليه.

وترى المذكرة أن السبيل الوحيد لتدارك الانهيار السياسي والاقتصادي وفق وصفها، يكمن في اتخاذ إجراءات استثنائية من خلال تشكيل مجلس سيادة انتقالي.

وتطالب الوثيقة بتشكيل حكومة انتقالية تجمع ما بين الكفاءات والتمثيل السياسي دون محاصصة ولا تستثني أحداً، لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني وفق برنامج وأوليات توقف الانهيار الاقتصادي وتنهي عزلة السودان الخارجية السياسية والاقتصادية، وتحقق السلام، وتشرف على قيام انتخابات عامة تحدد الحكومة الانتقالية موعدها.

رد حكومي

وغداة طرح المذكرة، قال رئيس القطاع السياسي بحزب المؤتمر الوطني الحاكم، عبد الرحمن الخضر، إن “ما توصلت إليه أحزاب الجبهة الوطنية ينسف الحوار الوطني، وهو تصرف غير أخلاقي، كما ينسف المؤسسات القائمة”.

واتهم الخضر، في مؤتمر صحافي عقدته أحزاب الحوار الوطني بالخرطوم، الأحزاب بأنها دعت القوات المسلحة عبر مذكرتها إلى “الانقلاب على الحكم، ما اعتبره أمرا مرفوضا”.

يشار إلى أن المذكرة تحدثت عن “دعم القوات النظامية ورفع قدرتها القتالية والنأي بها عن الاستقطاب السياسي لضمان حياديتها ومهنيتها للقيام بمهامها الدستورية في حماية الوطن”.

وثمنت المذكرة “خروج القوات المسلحة لحماية المنشآت العامة”، وطالبت “بأن يمتد ذلك لحماية التظاهرات السلمية المشروعة ممن لا يتورعون في إراقة الدماء وقتل الأبرياء من المواطنين الذين هم أثمن وأغلى من المنشآت المادية”.

وفي حديثه، قلل الخضر من الحجم السياسي لتلك التكتل قائلاً: “أحزاب الجبهة الوطنية التي وقعت على المذكرة هي 8 أحزاب فقط، والبقية هم أشخاص”.

بدوره وصف رئيس حزب “منبر السلام العادل، ورئيس لجنة الإعلام بالبرلمان السوداني، الطيب مصطفى “مذكرة الجبهة بأنها “انقلاب على الحوار الوطني”.

وقال خلال المؤتمر الصحافي إن الخروج عن الحوار الوطني قرار خاطئ، وإنهم سيمضون في تنفيذ توصيات الحوار، وصولا إلى انتخابات 2020.

تبادل اتهامات

القيادي بحزب الأمة (أحد الأحزاب الموقعة على المذكرة) ياسر جعفر، اتهم حزب المؤتمر الوطني بالتسبب في الأزمة الاقتصادية، واعتبر أن الصراعات التي تدور داخله عطلت تنفيذ بنود الوثيقة الوطنية ومخرجات الحوار عبر الحكومة السابقة؛ الأمر الذي دفعهم لسحب ممثلهم من الحكومة الحالية الأسبوع الماضي.

إلا أن الحزب الحاكم سرعان ما نفى ذلك، وقال عبد الرحمن الخضر إن حزبه لا توجد به أي صراعات داخلية، داعيا القوى السياسية لتحمل مسؤوليتها في الأزمة وإيجاد الحلول والمعالجات لها.

وأضاف الخضر “أي حديث عن تحمل حزب المؤتمر مسؤولية تدهور الأوضاع ليس صحيحا”، مضيفا أن “حكومة الوفاق الوطني لحزبه فيها 48% ولأحزاب الحوار الوطني 48%”.

نصف الحقيقة

بدوره وصف الكاتب والمحلل السياسي أنور سليمان، مذكرة “الجبهة الوطنية للتغيير”، بأنها ورقة “إجرائية” تفتقر هي نفسها للإرادة السياسية، إذ لم تقدم خطاباً سياسيا أو اقتصاديا لمناقشة الأزمة، وإنما تطرقت للإجراءات فقط دون تحديد آليات تنفيذها.

وأوضح سليمان أن “تلك الأحزاب (الموقعة على المذكرة) اكتشفت نصف الحقيقة من الواقع السياسي الذي نعيشه الآن وهو احتمال سقوط الحكومة الحالية بثورة شعبية، وتلك المذكرة ماهي إلا محاولة للابتعاد عن الحكومة”.

ويتمثل النصف الثاني من الحقيقة الغائب عن تلك الأحزاب وفق سليمان في أنهم” لا يمتلكون الوزن السياسي الذي يؤثر على الحكومة بخروجهم منها، ولا يمتلكون أيضاً وزناً سياسيا لدى الشارع السوداني لتحريكه لدعم خطوتهم”.

واعتبر “سليمان” اتهام الحكومة من قبل “الجبهة الوطنية للتغيير” بضعف الإرادة السياسية لتنفيذ مخرجات الحوار “ما هو إلا اعتراف بضعفهم أيضاً أو ضعف تلك المخرجات التي توصلوا إليها”.

ويشار إلى أن بعض القوى السياسية المعارضة في السودان قد رحبت بمذكرة “الجبهة” واعتبرتها خطوة في الطريق الصحيح لإسقاط الحكومة، فيما رأت أخرى أنها ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج نظام الحكم الحالي لكن بصيغة جديدة.

انشر عبر
المزيد