التجمعات البدوية في وسط الضفة المحتلة

14 كانون الثاني 2019 - 10:03 - منذ 3 أيام

وكالة القدس للأنباء – خاص

قراءة / راغدة عسيران

قراءة في كتاب: "التجمعات البدوية في وسط الضفة الغربية كحالة دراسية"، للكاتب: أحمد حنيطي، إصدار: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، العام 2018

يعرض الباحث في هذا الكتاب أوضاع التجمعات البدوية في الضفة الغربية، تحديداً في محافظات القدس ورام الله وأريحا، في ظل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الهادف إلى الاستيلاء على الأرض وزج الفلسطينيين عموماً، ومنهم التجمعات البدوية، في معازل. يشير الكاتب في البداية إلى قلة الدراسات الأكاديمية عن البدو والتجمعات البدوية في فلسطين، رغم سياسة العدو اتجاههم منذ إقامة الكيان الصهيوني، التي تمثلت بالتهجير من جهة والتجميع من جهة أخرى، لإخلاء الأرض التي يتنقلون عليها، والتي أقاموا فيها وزرعوها، للاستيلاء عليها وتوسيع مشاريعه الاستيطانية.

من هم البدو في فلسطين؟ ما هو تنظيمهم الاجتماعي؟ أين يتواجدون في فلسطين عامة، وفي الضفة الغربية خاصة؟ لماذا يتعرضون لحملات شرسة وملاحقات مستمرة من قبل الاحتلال؟ وما هي آليات صمودهم؟ يجيب الكاتب على هذه الأسئلة، مستعيناً بالتقارير التي أعدتها مؤسسات عديدة، فلسطينية ودولية و"إسرائيلية" تعمل في حقل الإغاثة، والزيارات الميدانية لهذه التجمعات البدوية والمقابلات التي أجراها معها ومع المؤسسات المهتمة بهذه التجمعات، بين العامين 2016 و2017.

يذكر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2013) أن البدو في الضفة المحتلة موزعون على ثماني قبائل هي: الجهالين، والكعابنة والرشايدة، والرماضين، والعزازمة، والسواركة، والعرينات، والعمرين. وقد بلغ عددهم حوالى 40 ألف نسمة موزعين على 5000 أسرة. وبلغ عدد البدو في وسط الضفة المحتلة (محافظات القدس ورام الله وأريحا) حوالي 13,155 نسمة، موزعين على 67 تجمعاً، بينها 46 تجمعاً مهدداً بالتهجير، وترتفع نسبة اللاجئين بينهم إلى 70%، لا سيما الذين تم طردهم من النقب بين 1948 و1952.

يعتبر الكاتب أن البدو في فلسطين يشكلون "عقبة أساسية" أمام المشروع الاستيطاني الصهيوني، ذلك بسبب "أماكن انتشار التجمعات البدوية" من ناحية، وبسبب "المساحة الجغرافية التي تستخدمها هذه التجمعات كضرورة للحفاظ على حاجة الثروة الحيوانية من المراعي"، من ناحية أخرى. إذ تنتشر أغلبية التجمعات البدوية في المناطق ذات الكثافة السكانية القليلة، التي تعدّ "مغرية لعملية الضم الاستيطاني" بالنسبة للاحتلال، الذي يلجأ إلى آليات متعددة، تتمثل "في الحد من تلبية الحاجات الأساسية لمقوّمات العيش"، لا سيما وأن هذه المناطق مصنفة "جيم" وفقاً لاتفاق أسلو 2، أي أنها تقع ضمن السيطرة العسكرية و"المدنية" الصهيونية.

تتجلى هذه السيطرة بتحكم الاحتلال بهذه التجمعات؛ فهو من يحدّد المكان والمساحة المسموح بهما لتواجدها وتنقلاتها، ويمنح التصاريح لأبنائها للعمل في مستوطناته، حيث يشكل العمل في المستوطنات الصهيونية المصدر الأول للدخل في 3 تجمعات، ويطاردها مستخدماً القوة ويقتل ماشيتها ويهدم بيوتها المكوّنة أساساً من الصفيح، والمدارس التي تستقبل أبناءها، ويضع العقبات أمام تنقلاتها، بالحواجز والمستوطنات والطرق الاستعمارية، ويمنعها من الدخول إلى ما يعتبره "مناطق عسكرية مغلقة" تبلغ مساحتها مليون دونم، أي ثلث مساحة المنطقة المصنفة "جيم"، ويمنع عنها الماء والكهرباء. فهو من يمنح التصاريح للمؤسسات الإغاثية للعمل على تخفيف معاناتها، ويخطط لتوطينها في أماكن غير جاهزة بعد للاستيطان الصهيوني. فالعدو يعامل التجمعات البدوية في هذه المناطق كما يعامل بدو النقب وقراهم غير المعترف بها، إلا أنها لا تقع ضمن "المواطنة الإسرائيلية"، ما يسمح بتدخل المؤسسات الدولية والفلسطينية، مع المراقبة الشديدة لها.

وضعت حكومات الاحتلال ثلاثة مخططات لتجميع البدو، وهي مخطط النويعمة ومخطط حي الجهالين الغربي ومخطط فصايل، وهي تشبه ما خطط له الاحتلال في "المدن" التي أنشأها في النقب لتجيمع البدو، حيث حدّد "مساحة المناطق والمباني العامة وأماكنها" ومباني السكن، وكيفية البناء، ومساحة البيوت. الهدف من هذه المخططات هو ترحيل البدو قسراً من أماكن انتشارهم إلى أماكن أخرى، لتنفيذ المخططات الاستيطانية وعمليات الضم لمنطقة العزل الشرقية، وفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.

يعرض المؤلف الآليات والإجراءات التي تحدّ من تواجد التجمعات البدوية في المناطق المستهدفة، ومنها تجمع الخان الأحمر المهدّد اليوم بالإخلاء والهدم. قبل اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية، تمثلت السياسة الصهيونية إزاء التجمعات البدوية بإخلائها عن مناطق معيّنة بحجة أنها "مناطق عسكرية مغلقة" قبل تسليمها للمستوطنين. ولكن كونها مسؤولة عن السكان في المناطق المحتلة، كانت "الإدارة المدنية الإسرائيلية" مضطرة لتوفير أماكن بديلة للعائلات المرحّلة، إلى حين وضع مشاريع استيطانية أخرى، حيث يتم تهديد هذه العائلات مجدداً بالترحيل، كما هو الحال مع الكعابنة المقيمين في جوار قرية دير دبوان.

تغيّرت الأمور بعد اتفاقيات أوسلو 2، حين استحدث تقسيم مناطق الضفة الغربية إلى "ألف" و"باء" و"جيم"؛ إذ تقع معظم التجمعات البدوية في المنطقة المصنفة "جيم". ازدادت، "وبوتيرة عالية جداً، المضايقات الإسرائيلية" بعد اتفاق أوسلو، وتسارعت عمليات الهدم والمصادرة وأوامر الإخلاء"، لـ"تطهير" هذه المناطق من الفلسطينيين ومنع إقامة دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967. يشير جدول "معدل الهدم بحسب الفترة الزمنية"، مثلاً، إلى أنه في الفترة الممتدة من 1988 إلى 1995، كان معدّل الهدم 49، في حين ارتقى هذا المعدّل إلى 511 بين 2002 و2009 وإلى 966 ما بين 2010 و2014.

تضطر التجمعات البدوية للاستحصال على تراخيص من "الإدارة المدنية الإسرائيلية" لتأمين البنى التحتية (ماء وكهرباء)، و"هو أمر شبه معدوم"، فتلجأ إلى "آليات غير قانونية بالمفهوم الإسرائيلي" للحصول على احتياجاتها. لم تعد تعيش التجمعات البدوية في الخيام، إلا نادراً وخلال تنقلها صيفاً من مكان إلى آخر، بل أصبحت أبنية الصفيح "الزينكو" الأكثر انتشاراً، في حين ينتشر البناء الأسمنتي في أماكن محددة، في "مخيم عرب الجهالين" الذي أنشأته "الإدارة المدنية الإسرائيلية". في مجال الصحة، تحصل التجمعات البدوية على الخدمات الصحية من خلال العيادات المتنقلة، لكن لا تصل هذه العيادات إلى 18 تجمعاً. في مجال التعليم، توجد إحدى عشرة مدرسة، ثلاث منها في التجمع البدوي "مخيم عرب الجهالين"،. في العام 2011، وفّرت وزارة التربية في السلطة الفلسطينية باصات لنقل الأطفال إلى المدارس القريبة، وتخدم هذد الباصات 20 تجمعاً من أصل 40 بحاجة إلى خدمات المواصلات.  

تقوم العديد من المؤسسات التنموية المحلية والدولية بتقديم الدعم للتجمعات البدوية، وفقاً "لأجندات التمويل التي تحصل عليها من الدول المانحة، ولا سيما أن المساعدات المقدمة هي ذات طابع سياسي، أي مال سياسي". تتعاون فيما بينها وتتافس أحياناً بصورة سلبية. تقدم المؤسسات الفلسطينية، الأهلية أو الحكومية، الخدمات الإغاثية المحدودة؛ غير أن اهتمام السلطة الفلسطينية بالمناطق "جيم" جاء متأخراً، بعد التقارير التي قدمتها المؤسسات الدولية حول جدوى الاستثمار فيها. ولكن الاستثمار بنظر السلطة والمؤسسات الدولية لا يعني بالضرورة حماية التجمعات البدوية، ذلك لأن "هذه التجمعات تشكل عقبة أمام الاستثمار في هذه المناطق نظراً إلى طبيعة ونوعية الاستثمار الذي تتطلع إليه السلطة الفلسطينية." لذلك، لم ترتق المساعدات إلى المستوى المطلوب، بل سلّمت في العام 2012 إخطارات بالإخلاء لبعض الأسر البدوية، لإقامة قرية سياحية مكان تجمع النويعمة. تتراوح المساعدات الفلسطينية بين تزويد التجمعات بالطاقة الشمسية والماء والدعم القانوني، لكن يبدو أن ليس لدى السلطة والهيئات والمؤسسات الفلسطينية "استراتيجية واضحة ومشتركة بعيدة المدى للعمل في مناطق التجمعات البدوية"، وليس هناك تنسيق وتعاون بين المؤسسات الحكومية والمؤسسات الأهلية لدعم هذه التجمعات.

يقاوم البدو هذه المخططات من خلال خطاب "متجانس" موجّه لكل من يتعامل معهم، تبنّاه معظم سكان هذه التجمعات، يسرد تاريخهم، ويصف عمليات الترحيل القسري، ونمط حياتهم ومطلباتهم، والتحديات التي يواجهونها. و"يتجانس خطاب البدو بشأن الأهمية الاستراتيجية التي يشكلونها من خلال إقامتهم في مواقعهم الحالية، وبشأن مدى رضاهم عن التدخل الإغاثي.. الذي يعتبرونه أقل بكثير من مستوى ما يمكن تحقيقه". فالعلاقات الاجتماعية الوثقية بين العشائر البدوية والتنسيق بينها وتشكيل لجان ممثلة لها ورفع شعار "لا شيء عنا وبدوننا" مكّنتها من رفع صوتها في المؤتمرات الدولية. كما يشكّل التعزيب الموسمي آلية لفرض وجودها على الأراضي المهددة بالضم الاستيطاني. ولتجنّب الهدم والإخلاء، تبقى بعض العائلات أحياناً في مكانها "لتثبيت وجودها". من ناحية أخرى، يستخدم البدو المناطق العسكرية المغلقة للرعي أو السكن، فيقول أحدهم "إحنا عارفين تقريباً الوقت اللي بتدربو فيه". إضافة إلى تأسيس جمعيتين تعاونيتين لتوفير المساعدات والخدمات. يحاول البدو الحصول على الماء والكهرباء بطرق "غير شرعية" بنظر السلطات الصهيونية. كما أنهم يستخدمون الآليات القانونية الصهيونية ويقدّمون، بسماعدة جمعية "بمكوم" ("الإسرائيلية") مخططات بديلة، لكسب مزيد من الوقت للبقاء في مكانهم.

تطرح مسألة التجمعات البدوية عامة أسئلة جوهرية حول العلاقة بينها وبين الدول الحديثة، التي تحاول توطينها وضبطها، أمنياً واقتصادياً، كسائر المواطنين، أو تحويلها إلى قوة عسكرية حامية للنظام أو إلى "فلكلور" يحكي أمجادها لجذب السواح. أما في فلسطين المحتلة، فتأخذ هذه المسألة أبعاداً أخرى، فيتم ملاحقة التجمعات البدوية كونها تستخدم مساحات كبيرة نسبياً من الأرض التي يطمح العدو بالاستيلاء عليها ويخترع تاريخاً مشوّهاً لها لفصلها عن شعبها وتهميشها، ويسنّ قوانينه لشرعنة محاربتها. في الضفة الغربية المحتلة، يشكّل انتشار هذه التجمعات تحدياً إضافياً للمشروع الصهيوني الذي يحاول تجزئة الضفة ومنع إقامة الدولة الفلسطينية التي تسعى إليها السلطة المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو، ما يفسّر بشكل ما اهتمام هذه السلطة بمسألة تجمع الخان الأحمر المهدّد اليوم بالإخلاء، واستنفارها واستنفار القوى والدول المعنيّة بإقامة دولة فلسطينية ضمن مشروع "الدولتين".

انشر عبر
المزيد