مونديال قطر والتطبيع مع العدو

08 كانون الثاني 2019 - 11:23 - الثلاثاء 08 كانون الثاني 2019, 11:23:00

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

لو كانت الأيام غير هذه الأيام حيث تتزاحم أنظمة عربية وإسلامية نحو التطبيع مع العدو، لكانت استضافة مباريات المونديال في دولة عربية مناسبة ذهبية لتهميش كيان العدو ومحاصرته دوليا. ولكن مباريات المونديال بحد ذاتها، والتفكك العربي والصراعات الداخلية والأزمة الأخلاقية، قبل السياسية والاجتماعية، التي تعاني منها الدول العربية، ستجعل من المونديال في قطر العام 2022 تتويجا لمسارات التطبيع الحالية، ومشهد أكثر إذلالا من استضافة فريق رياضي صهيوني في الإمارات العربية المتحدة قبل أسابيع، تحت شعار "حيادية الرياضة" و"الرياضة كمساحة لتلاقي الشعوب والسلام".

الإمارة القطرية هي الدولة العربية الأولى التي ستستضيف مباريات المونديال منذ تأسيسها في العام 1930، ولهذا الحدث أهميته السياسية، لا سيما في ظل الهجمة الغربية على الإسلام والمسلمين، والصراعات العربية الداخلية التي حلّت مكان الصراع العربي – الصهيوني لدى أنظمة عربية عدة. أثار إعلان إمارة قطر عن ترشحها لاستضافة المونديال، قبل سنوات، موجة من التعليقات الصحافية تفوح منها العنصرية والكراهية لبلاد العرب والمسلمين، وما أن تم انتخابها لهذا الدور للعام 2022، حتى تعاقبت الأخبار والتعليقات حول المعاملة المسيئة للعمال الأجانب الذين يشيّدون المباني الخاصة بهذا الحدث الرياضي العالمي، وعن "العبودية" المستشرية إزاءهم، حيث توفي العشرات منهم خلال عملهم، وحول الفساد داخل المؤسسات الدولية التي تم شراء أصواتها، وحول الشركات العالمية التي ستجني أرباحا طائلة من خلال هذا الحدث، وخاصة الإعلامية منها.

بغض النظر عن ظاهرة هذه المباريات العالمية، التي أصبحت مناسبة تجارية تستقطب الملايين من البشر وتؤمن أرباحا مادية ومعنوية لشركات عملاقة بعيدة كل البعد عن الأجواء الرياضية الأخوية، فإن استضافة المونديال في دولة قطر يطرح من جديد السؤال حول دور الرياضة في التطبيع مع العدو الصهيوني، ودور المؤسسات الدولية، ومنها المؤسسات والأندية الرياضية، في الحث على التطبيع مع عدو همجي وعنصري، بنى كيانه على أنقاض فلسطين والشعب الفلسطيني، كما يطرح السؤال حول هذه الأنظمة، العربية وغيرها، التي تتنافس على الدخول إلى "نادي المجتمع الدولي" عبر التخلي عن مبادئها الدينية والأخلاقية والسياسية، متوهمة أن ثمة مساحة "حيادية" في العالم، وهي المساحة المخصصة للرياضة والفن والثقافة، وأيضا للتجارة والإعلام، يمكن الإلتقاء فيها مع الصهاينة القتلة والعنصريين ورفع أعلامهم ورموزهم التي تلطخت أيديهم بدماء العرب والمسلمين. إن وجدت هذه المساحة الحيادية يوما، قد تكون في المستشفيات، غير أن مستشفيات العدو تنكّل بالفلسطينيين وبالأسرى خاصة، وتضغط عليهم لمنعهم عن مواصلة الإضراب عن الطعام، وتماطل في علاجهم، كما حصل مؤخرا مع الأسير الجريح صلاح البرغوتي الذي بترت قدمه بسبب الإهمال. وكم من جريح فلسطيني ترك ينزف حتى الاستشهاد بسبب منع الطواقم الطبية من علاجه أو من نقله إلى المستشفيات!

شرعت قطر في التحضير للمباريات وللتواجد الصهيوني على أراضيها، حيث استفهمت من المسؤولين الصهاينة عن كيفية استقبالهم بأحسن وجه وتأمين أمنهم وراحتهم، وحتى مأكولاتهم، لوجوب المحافظة على قواعد "الضيافة العربية العريقة"، وفتحت أبواب إمارتها لأفضل "شيف إسرائيلي" ستستقدمه من أوروبا، كي لا يشعر الصهيوني بالغربة في بلاد العرب.  ووصل الأمر إلى أن يطلب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم من الدول الخليجية الأخرى استضافة بعض المباريات على أراضيها، أي توسيع الوجود الصهيوني، لحمل أعبائها، وقد تجاوب معها نائب رئيس مجلس إدارة الاتحاد الكويتي لكرة القدم، أحمد عقلة العنزي، في حين استبعد رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم، الشيخ أحمد اليوسف، مشاركة بلاده في تنظيم مونديال 2022 مع قطر، "بسبب أن ذلك يتطلب استخراج تأشيرات لـ"الإسرائيليين"، والسماح بالكحول". من جهته، رفض  نائب مجلس الأمة د. وليد الطبطبائي، التطبيع "مقابل استضافة مباريات كأس العالم، قائلا "نرفض أن نطبّع مع الكيان الصهيوني لأجل استضافة مباريتين أو أكثر من كأس العالم 2022، فقضية فلسطين المحتلة ومقدساتنا في القدس ليست قابلة للمساومة، ويظل الصهاينة هم العدو"، ما يؤكد على أن الدول العربية تعي أن إقامة المونديال في قطر يعني أولا تطبيع العلاقات مع العدو، بشكل علني وواسع، بحجة "حيادية ميدان الرياضة".

لم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي عربي رافض لمشاركة الصهاينة في مونديال قطر، وكأنها أمر طبيعي وثمن الدخول إلى "المنظومة الدولية"، وكأن استضافة الصهاينة لا تعني الدول العربية بل الدولة المستضيفة وحدها، وكأن التطبيع مع عدو مشترك أمر داخلي "سيادي". كيف ستتصرف الدول العربية والإسلامية، التي لا تقيم علاقات مع العدو؟ هل ستشارك في المونديال إلى جانب "الإسرائيلي" كما فعلت في المباريات الماضية على الأراضي الأجنبية، مكتفية برفض لقاء "المنتخب الصهيوني" خلال المباريات وتسجيل نقاط سياسية وإعلامية داخلية، دون النظر إلى وجود الصهيوني على أرض عربية، مع رفع علمه الملطخ بالدم العربي، وإنشاد نشيده العنصري والدموي، والاحتفال معه من أجل "السلام"؟

يشكل "مونديال قطر" محطة مهمة وتتويجا لكل المبادرات الرياضية التطبيعية التي تمت وقد تتم قبل العام 2022. رغم أنه ليس إلا شكلا من أشكال التطبيع، إلا أن خطورة التطبيع الرياضي والثقافي تكمن في أنه يخترق المجتمعات العربية مباشرة، في حين يخترقها التطبيع السياسي والأمني والاقتصادي بشكل غير مباشر، عبر الحكام وطبقة منتفعين تخلو من قيم مجتمعهم. التطبيع الرياضي والثقافي مع الاحتلال يرتكز على صورة كاذبة للصهاينة ويكرّس وجود كيانهم الغاصب لفلسطين، بفصل ما يسمى "المجتمع الإسرائيلي" ومؤسساته عن الحركة الصهيونية، في حين أن هذه الحركة الاستيطانية الإلغائية والعنصرية هي التي أوجدت "المجتمع الإسرائيلي" على أرض فلسطين ومكّنته على أراضي الفلسطينيين وفي بيوتهم وحقولهم، وما زالت تلاحقهم إلى الآن في كل بقعة أرض لم يتم "تخليصها" بعد (من الفلسطينيين). في المقابل، يرتكز التطبيع الأمني والسياسي على الصورة الحقيقية للكيان وعلى وظيفته العدوانية والتوسعية التي قبلتها بعض الأنظمة العربية ووافقت على مشاركته فيها، تحت الرعاية الأميركية. هو التطبيع الغليظ مقابل التطبيع "الناعم" الذي يراد منه اختراق المجتمعات العربية والإسلامية واستبدال قيمها الانسانية بالقيم التجارية (الربح والخسارة) والعنف والاستعباد.

لم يعد الاكتفاء برفض اللقاء مع "الإسرائيليين" في الندوات والمباريات الدولية، كما حصل حتى الآن، مجدياً في مواجهة التطبيع مع العدو؛ ذلك لأن الأمر يبقى مرهوناً بالقرار الفردي، وقد كثرت في الفترة الأخيرة القرارات الفردية المطبّعة أو الرافضة للتطبيع. المطلوب مواجهة شاملة مع ظاهرة التطبيع مع العدو، تجمع الإعلاميين والفنانين والرياضيين، الاتحادات والنقابات والأندية، وتضم الجمعيات والمنظمات الفاعلة والأحزاب والحركات السياسية، في حملة واسعة تشمل الدول العربية والإسلامية وشعوبها كافة، متجاوزة الحدود المصطنعة التي وضعها الاستعمار، والمطالبة بتحمل الجميع لمسؤولياتهم، دون التمييز بين مطبّع وآخر لأسباب سياسية. المطلوب تجاوز الاجتماعات المغلقة المنددة بالمطبّعين، دولا ومؤسسات وأفرادا، والتوجه إلى الشارع لوقف هذه الجريمة بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية كافة، باعتبار أن أي تواجد صهيوني على أرض عربية جريمة، والمطالبة بعدم استقبال الوفود الصهيونية، أياً تكن، أكانت ضمن لقاءات ثنائية، أم ضمن ندوات ومباريات عالمية، كما هو الحال في مونديال قطر وقبله في مباريات الجودو في الامارات أو المغرب. المطلوب طرد الصهاينة من المؤسسات الدولية وليس تكريس وجود كيانهم الإجرامي عبر استضافتهم على أرض العرب.

انشر عبر
المزيد