شيخ العراقيب.. والهوية الوطنية

02 كانون الثاني 2019 - 09:23 - الأربعاء 02 كانون الثاني 2019, 09:23:34

شيخ العراقيب
شيخ العراقيب

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

دخل الشيخ صياح الطوري، يوم الثلاثاء الماضي في 25 كانون الأول / ديسمبر 2018، سجن الرملة، بعد رفض محكمة "العدل" العليا الصهيونية إبطال الحكم الصادر بحقه بسجنه عشرة أشهر وبغرامة مالية تفوق الستين ألف "شيكل". أدانته محكمة الصلح في بئر السبع بعرقلة عمل قوات الاحتلال خلال اقتحامها وهدمها لقرية العراقيب في النقب المحتل، التي تعرضت للهدم 137 مرة، كان آخرها قبل أسبوع. أصرّت الجماهير العربية وقياداتها السياسية مرافقته حتى أبواب السجن في موكب حاشد، تقديراً لهذا الشيخ السبعيني الذي وقف في وجه آلات التدمير الصهيونية في قريته، وفي وجه محاكم الاحتلال التي تلاحقه منذ أكثر من عشر سنوات.

من هو شيخ العراقيب، الشيخ صياح الطوري؟ في حفل إشهار كتاب "العراقيب، التاريخ، الأرض، الإنسان" للدكتور إبراهيم أبو جابر، المحاضر في جامعة النجاح في نابلس (2018)، قبل عدة أشهر من هذا العام، قدّمه عريف الحفل بالقول إنه "لا يقرأ ولا يكتب" ولكنه "أدار مدرسة من النضال في العراقيب، يتعلّم منها من يقرأ ويكتب". تميّزت مدرسته بالصمود أمام الجرافات الهدم، وبالوقوف شامخاً في المحاكم الصهيونية ورفضه المساومة على ذرة من أرضه، وبالتعاون مع أهل القرية وأهل النقب من أجل الحفاظ على الأرض "الهوية" التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم، والتذكير بانتماء أهل النقب ومنهم عشيرة الطوري إلى هذه الأرض ذات الحضارة الأصيلة والعميقة، لن يتمكن المحتل الطارئ من التغلب عليها. كما تميّزت مدرسته بالإيمان بالحق وبالعدل، فيقول "فمهما هدموا سنبني، لأننا أصحاب حق. أنا متكل على الله، وغير الله لا أحد يمدنا بأي حاجة. ثانياً أنا مؤمن بحقي على أرض الله الواسعة فقد عاش فيها أجدادي وإخواني الله يرحمهم واليوم أكمل المشوار مع أولادي وأحفادي، نستمد القوة من إيماننا بالحق فنحن لسنا غزاة ولا طامعين بأرض الغير ونحن فيها قبل أن تخلق "إسرائيل"". وبالنسبة لسجنه، يقول: "لو حبسوني عشر أشهر أو عشر سنين، لم يحبسوني على سرقة، ولا على تجارة، حبسوني على كرامة وعزة، والنقب والعراقيب".

يشكّل شيخ العراقيب مدرسة يتعلّم فيها المستهدف بالاقتلاع، معنى الهوية والمحافظة عليها، مهما كانت التضحيات في سبيل ذلك. يقول: "لم تتح لي الفرصة للتعلم في مدرسة لكنني أدرك تماماً أن الأرض هي أمنا وهويتنا ومن أجلها ترخص الروح". يرفض اعتبار هويته تلك "الهوية التي نحملها من الداخلية "الإسرائيلية".. لأن هويتنا هي الأرض، بل التي نحملها من دولة "إسرائيل" هي فقط إثبات إننا موجودون ولدينا تصريح للمشي على الشارع في دولة "إسرائيل". متسلحاً بتجربته وتاريخه وعقيدته، يؤكد الشيخ الطوري أن "معركتنا مع دولة "إسرائيل" ليست على الديانات ولا على الأموال، بل على الأرض.. لقد مارست ضغوطات على البعض من شعبنا، ونجحت في اختلاس الأرض، ولكن إن نجحوا مع واحد، لا يعني أنهم نجحوا مع المئات والآلاف، لأنه لا يمكن التنازل عن الأرض، قانونياً وشرعياً وعشائرياً، إلا من قبل أصحابها.."

في مدرسة الصمود، يعود التاريخ الذي "لا يرحم" كما يردّد الشيخ الطوري، إلى الواجهة. تمتد قرية العراقيب التاريخية على مساحة 150 ألف دونم في النقب المحتل، "احتلت العصابات الإسرائيلية الأرض، وتتهمنا باحتلالها، فنحن كنا هنا، وما زلنا، ففي 1948 و1949، هُجرت الناس، وهناك من بقي في أرضه في العراقيب، مثل: العقبي، الطوري، أبو صيام، ابن حسن، ابن بري، الطلالقة، وغيرهم. ..كبار السن وأبي، يذكرون أنه حتى العام 53 هذه الأرض كانوا يحرثونها بالجمال والبغال والحمير، حيث تحايلت السلطات الإسرائيلية على العشائر، والقبائل، بحيلة سياسية، وأمرت الناس بترك الأرض، لعدة أشهر ومن ثم يعودون،.. وقد خرجت بعض العشائر، والعائلات، إلا إننا بقينا في مكاننا، حيث اقترحوا علينا التحول إلى الجهة الشمالية من وادي الفخاري، ورفضنا". كانت بعض العائلات المبعدة إلى مكان قريب من أرضها، تحرثها سراً، إلى أن جاء "العسكر" الصهيوني ليرتكب مجزرة على أرض العراقيب، راح ضحيتها 21 شخصاً، لتلقين درساً لأهلها. وبعد ستة أشهر من التشريد، طلب المبعدون العودة، ولكن رفضت سلطات العدو العودة إلا بشرط، "الرجوع على الأرض بإيجار واستئجار، إلا أن أهلنا عرفوا اللعبة ورفضوا، وكأن الأرض ليست لهم". "نحن بقينا على ألف دونم التي تحاربنا عليها الدولة، الأرض هويتنا، وحضارتنا، ومستقبلنا، وهي الأم، وهي القومية، فأين قوميتنا عندما نتنازل عن الأرض؟" يحثّ الجميع على "التمسك بالأرض مهما بلغت الظروف، يجب التشبث بالأرض وبقوة، ومن يفرط في الأرض، سيحاسبه الله، ونناشد المسؤولين والمشايخ بوقفة واحدة".

من خلال تجربة الآخرين، اللاجئين والمهجّرين والمبعدين، يستمد شيخ العراقيب وأهلها قوة ثباتهم في أرضهم، لأن من تم إبعاده وترحيله في العام 1948 من النقب إلى جوار القدس يتم تهجيره اليوم مرة أخرى، رغم الوعود الصهيونية التي لم يعد يصدقها أحد، كما يطالب اللاجئون العودة إلى وطنهم وأرضهم، ولا يسمع المجتمع الدولي أصواتهم ولا يدعمهم في تحصيل حقهم بالعودة. فلماذا يترك أرضه إذاً ويرضى بما يقترحه العدو عليه؟ خاصة وإنه لا يثق بالمحاكم الصهيونية للتأكيد على حقّه: "لا أعول كثيراً على المسار القضائي لأننا فاقدون الثقة بالعدل وهذه الدولة حتى لو لم تحكم بالعدل لدينا أمل بالله بأن ينسفها على من فيها". (مقابلة مع "القدس العربي").

يملك إرادة قوية، ولا تغريه كل رشوات المحاكم الصهيونية التي حاولت مراراً تشويه صورته أمام شعبه وحتى تزوير توقيعه للإيقاع به وجعله يتخلى عن حقه: "لقد زيفوا توقيعي وأنا وراء قضبان السجن"، خلال اعتقاله في شهر تموز / يوليو الماضي، بزعم "غزو أراضي الدولة". قدّموا له أرضاً وسكناً، ولكن بعيداً عن أرضه، فرفض العرض، وهو على يقين أن ما يقدّمه الاحتلال يوماً، يأخذه يوماً آخر، عندما تنضج لديه خطة استيطان المكان المقترح، كما حصل بالذات مع قرية أم الحيران وعشيرة العقبي في النقب، ويعرف تماماً أن مجرّد النزوح عن أرضه يعني خسارة كل شيء، له ولأهل النقب وفلسطين. يقول "لن أرحل ولو عرضوا علي عشرة دونمات على كل دونم، فهي ليست منطقة عسكرية وغير مخصصة للصالح العام وأنا أحق بها، فكيف أترك أرضي وأقيم في أرض الغريب؟" فلذلك يعدّ صموده وصلابته مدرسة لمواجهة الاحتلال. لا يهدم قريته بيده، بل يترك جرافات الاحتلال، التي يقاومها شيوخ ونساء وأطفال النقب بأجسامهم، تهدم، مهما كلّفته وتكلّفه العملية من مال، حيث تراكمت عليه وعلى أبناء العراقيب تكاليف الهدم بنحو 150 ألف دولار.

تعلّم مدرسته كيف يتم بناء ما يهدمه الاحتلال، حيث أصبحت قرية العراقيب عنوان إعادة البناء والصمود، رغم حرمانها من مقومات الحياة: كإحدى القرى غير المعترف بها من قبل الاحتلال، تفتقر قرية العراقيب إلى الماء والكهرباء والبنى التحتية، وهي تقع في منطقة النقب التي تعدّ من أفقر المناطق في كيان الاحتلال،

إضافة إلى أنها تعاني من رشّ أراضيها ومواشيها منذ العام 1998 بالمبيدات. يرفض أهل العراقيب الذين أسسوا "اللجنة الشعبية للدفاع عن أراضي العراقيب" الرحيل، ويطوّرون نضالهم بعد كل عملية هدم، وبفضل صمودهم، باتت قرية العراقيب المدمرة 137 مرة معروفة في العالم، يتوافد إليها المتضامنون لينقلوا صورة صمودها في وجه كيان استيطاني مدجّج بالسلاح والكراهية.

انشر عبر
المزيد