الصهيونية والاستيطان : استراتيجيات السيطرة على الأرض وإنتاج المعازل

25 كانون الأول 2018 - 10:07 - الثلاثاء 25 كانون الأول 2018, 10:07:37

وكالة القدس للأنباء – متابعة

إعداد / راغدة عسيران   

        قراءة في كتاب: "الصهيونية والاستيطان : استراتيجيات السيطرة على الأرض وإنتاج المعازل"، دراسة رازي نابلسي، مسارات، برنامج الدراسات الإسرائيلية، 2017، 104 صفحة.

        "فاستوطنوا أولاً وقبل كل شيء، وهاجموا ثانياً، وهجّروا ثالثاً، فحكموا عسكرياً بعدها، ومن ثم أعلنوا نظام حكمهم الديمقراطي".

        الفكرة الأساسية التي يطرحها الباحث رازي نابلسي هي أن الكيان الصهيوني ومشروعه يقوم على الاستيطان: "تكوّنت الحركة الصهيونية لتستوطن الأرض". البداية هي الاستيطان، المستمر إلى اليوم، والذي يعني سرقة الأرض بوسائل شتى، وجلب اليهود من أنحاء العالم ليحلّوا مكان السكان الأصليين، الفلسطينيين، الذين يتم طردهم بقدر الإمكان. هذا هو المشروع المستمر منذ أول مؤتمر صهيوني في القرن التاسع عشر في بازل السويسرية. لم يتغيّر الجوهر، بعد إقامة الكيان، رغم تغيّر الحكومات والأحزاب وبرامجها، "الاستيطان الثابت الوحيد الذي لم يتغير". يعارض الكاتب المقولات التي تميّز بين الأراضي المسلوبة العام 1948 والعام 1967، بين المستوطن الليبرالي والفاشي، و"الواقع "الطبيعي" و"غير الطبيعي"، حيث "يبدو المستوطن في الجليل مثلاً ذا اختلاف جوهري عن المستوطن في الضفة الغربية"، كما يرفض التمييز بين "القانوني" و"غير القانوني"، بالإشارة إلى مستوطنة "كريات أربع" في مدينة الخليل، التي بدأت كـ"غير قانونية"، قبل أن يسكنها أكثر من 7 آلاف مستوطن" الآن، قائلاً إن "البؤر الاستيطانية تصبح مستوطنة كبيرة في حال صمت الفلسطيني أو العربي أو الدولي".

1 - القانون في دولة استعمارية والحاجة إلى "صيانة" مستمرة:

        تحتلّ مسألة القانون حيزاً مهماً في الدراسة، بسبب سعي الصهاينة لشرعنة استيطانهم أمام العالم، كما يسعون لشرعنة عنصريتهم وكيانهم، وتقديم أنفسهم كـ"دولة قانون"، على غرار المستوطنة الأميركية الكبرى التي أبادت شعوبها الأصلية باستخدام القوانين والاتفاقيات. يوضّح الباحث كيف لعبت المؤسستان غير الحكوميتين، المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية، اللتان أنشئتا قبل إقامة الكيان الصهيوني، دوراً أساسياً في الاستيطان، كونهما خارج "الدولة" والقانون الذي يحكمها، لا سيما في الأراضي المحتلة العام 1967، والتي تعتبر بنظر القانون الدولي، أرضاً محتلة يمنع التصرف بها وبمواردها وبسكانها، إلا ضمن حدود معيّنة. في الأراضي المحتلة العام 1948، بنت هذه المنظمات الصهيونية غير الحكومية مستوطنات يتحكّم المستوطنون بشروط "القبول" لرفض سكن الفلسطينيين فيها، بحجة أنها غير حكومية، أي أنها لا تخضع للدولة وحكومتها وقوانينها، ما يعني أن الكيان خصّص لنفسه مساحة لشرعنة الممارسات العنصرية والإقصائية إزاء الفلسطيني، دون المسّ بالمبادئ التي أعلنها من جهة أخرى، كالمساواة بين "المواطنين".

        استلمت المنظمة العالمية الصهيونية مهمة الاستيطان في الأرضي المحتلة، بعد إعادة صياغة مهمتها في العام 1952، وتحديد علاقتها بالدولة الناشئة كمنظمة غير حكومية تتحرك في "المنطقة الرمادية" للقانون الصهيوني والدولي. لا تميّز هذه المنظمة بين الأراضي المحتلة في العام 1948 والمحتلة في العام 1967، إذ تشير الخرائط الملحقة بالبحث أنها قسمت أرض فلسطين التاريخية إلى ثلاثة أقاليم لبناء المستوطنات: الجليل، والمركز، والنقب، حيث يمتد إقليم المركز على سبيل المثال "من وادي عارة شمالاً إلى البحر الميت جنوباً، ومن حدود الأردن شرقاً إلى مدينة اللد غرباً"، و"رام الله، بحسب الخارطة المنشورة تندرج في مجال عملها"، رغم الاتفاقيات الموقعة بين العدو ومنظمة التحرير الفلسطينية (1993)، ذلك لأن ما يحكم الدولة لا يحكم من يعمل خارجها، أي الحركة الصهيونية. لذا، حدّدت المنظمة الصهيونية نطاق أدائها الاستيطاني في داخل التجمعات العربية وبينها، لتفتيتها من جهة ومنع التواصل الفلسطيني من جهة أخرى بين جانبي "الخط الأخضر"، وربط المستوطنات اليهودية فيما بينها.  

        بعد العام 1967، "استولت الدولة على الأرض بحكم القانون العسكري" ووكّلت المنظمة الصهيونية العالمية، كونها لا تخضع للقانون الدولي، بالبناء الاستيطاني والتوسع على 60% من الأراضي المسماة "أراضي الدولة" في الضفة الغربية. اضطرت الحكومة الصهيونية في 2015 إلى تعديل القانون الذي يحكم عمل منظمتي الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية، بعد اكتشاف "عمليات احتيال"، لجعلها أكثر شفافية "للجمهور" ولكن دون المساس بالجوهر الاستيطاني أو الكشف عن "النشاط الاستعماري"، كما يقول "عضو الكنيست عن "البيت اليهودي" بتسلئيل سموتريتش: "قضية الأراضي في الدولة قضية حساسة على الصعيد الدولي والسياسي. لا أريد للاتحاد الأوروبي أن يعرف عن كل قطعة أرض نبني عليها".

من ناحية أخرى، ومن خلال المقارنة بين مستوطنتي "ألون موريه" و"عمونا" والجدل الذي أثير حولهما لإقامتهما على أراض فلسطينية خاصة، يبيّن الباحث كيف يتم "صيانة" القانون لمواصلة الاستيطان، وما مشروع قانون "التسوية2" الأخير الذي يتيح شرعنة 70 "بؤرة استيطانية" في الضفة الغربية إلا فصل إضافي في هذا المجال، باختراع بند "حسن النيّة". بعد إخلاء مستوطنة "ألون موريه" العام 1979، بسبب الخشية من ردود فعل المجتمع الدولي الرافض للاستيطان الصهيوني لا سيما على الأراضي الخاصة، تمّ التعويض عنها بفتح أراضي الدولة للاستيطان. ولمنع إخلاء المستوطنات المبنية على الأراضي الخاصة، صادق الكنيست الصهيوني في شباط / فبراير 2017 على "قانون التسوية"، ما يعني أن "الصهيونية كما تظهر اليوم لم تتغير أبداً من حيث التوسع والاستيلاء على الأرض" بل تغيّر فقط "مصدر شرعية الاستيلاء".

اتفاقيات أوسلو والمنطقة (ج)

        يعتبر الباحث أن خطة الاستيطان التي تبنّاها الكيان للأراضي المتحلة العام 1967 تعود إلى "خطة ألون" التي قسمتها إلى ثلاث وحدات منفصلة عن بعضها البعض، تربطها الممرات وتأكلها المستوطنات وسياسة الضم، ثم أضاف إليها شارون نظرته الخاصة القائلة بضرورة بناء مستوطنات "قريبة من بعضها البعض متواصلة جغرافيا بين التجمعات الفلسطينية ذات الكثافة السكانية العالية" تمنع "التوسع الطبيعي للتجمع الفلسطيني"، والتواصل الفلسطيني على جانبي "الخط الأخضر" (كتلة "أرئيل" مثلاً)، و"الاستيطان على التلال" كنقاط أمنية استراتيجية. ولكن تقسيم الضفة الغربية وفقاً لاتفاقيات أسلو، إلى 3 مناطق، (أ) و(ب) و(ج) قضى على الأرض الفلسطينية، حيث المناطق (ج) تقسّم وتقطّع المناطق (أ) و(ب) بتغلغلها فيها، كما تبيّن الخارطة المرفقة بالبحث، ما يعني أن خطة شارون وتقسيم المناطق تتيح ابتلاع الأرض كلّها، حيث تركّز الاستيطان في المناطق (ج) المتداخلة مع المناطق الأخرى، مشكّلاً "معازل فلسطينية" تضيق تدريجياً وتخنق أهلها، بانتظار الانقضاض عليها. هي الطريقة ذاتها التي استخدمت لتهويد مناطق الداخل المحتل العام 1948.  

        في الجزء الأخير من الدراسة، يحلّل الباحث الوضع السياسي الفلسطيني ويقدّم اقتراحات للخروج من الأزمة لمواجهة الكيان الاستيطاني، إلا أنه، رغم أهمية بحثه الذي ركّز على وحدة الشعب الواقع تحت الاستعمار الاستيطاني، يتجاهل قوى سياسية ومقاومة وبرامجها الخارجة عن التصنيف الذي لخصة كالآتي: "هناك ثلاثة برامج سياسية في فلسطين، الأول هو برنامج يطالب بالمساواة للفلسطينيين في الداخل... والثاني برنامج الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة،... أما البرنامج الثالث فهو برنامج "العودة.. يتبناه جميع الفلسطينيين في الشتات تقريباً والفصائل الفلسطينية..."، كما يتجاهل النداءات والجهود المبذولة لتوحيد الجسم الفلسطيني، في الداخل والخارج للوقوف معاً في مواجهة الكيان الاستيطاني. رغم هذه النظرة السريعة جداً للواقع السياسي الفلسطيني اليوم، قد تساهم الدراسة في الحث على إعادة صياغة برنامج وحدوي فلسطيني ينطلق من الأساس، أي الهدف الذي حدّدته الحركة الصهيونية بالاستيلاء على كل فلسطين، كما تطالب به بعض الفصائل المقاومة.

انشر عبر
المزيد