عوامل التمدد الاستيطاني الصهيوني للضفة الغربية

17 كانون الأول 2018 - 10:18 - الإثنين 17 كانون الأول 2018, 10:18:23

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

لا شك بأن الضفة الغربية بما فيها القدس، تحتل مكانة خاصة في المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، بسبب الرواية الصهيونية المخترعة حول "يهودا والسامرة" و"أورشليم". فلذلك، لم تمض أيام على احتلالها في حزيران / يونيو 1967 حتى بدأ المستوطنون تجسيد ما حلموا به على الأرض منذ تأسيس الحركة الصهيونية وخططوا له بعد زرع الكيان الصهيوني العام 1948 في أرض فلسطين. منذ إقامة مستوطنة "كفار عتصيون" في أيلول / سيتمبر 1967، لم يتوقف تدفّق المستوطنين إلى الضفة المحتلة، إلى الآن، بحيث تغيّر الميزان الديمغرافي في محافظة سلفيت، على سبيل المثال، مع إقامة 24 مستوطنة مقابل 18 بلدة فلسطينية، إذ يفوق عدد المستوطنين الآن عدد الفلسطينيين في تلك المنطقة، بحسب ما أشارت إليه بعض الدراسات.

ما هي العوامل التي ساهمت بتمدد الاستيطان في الضفة الغربية على حساب قراها ومدنها، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، بعد أكثر من نصف قرن على احتلالها؟ وما هي العوامل التي ساهمت في لجم الحركة الاستيطانية في بعض الأحيان خلال هذه الفترة الزمنية، وقد تلجمها مجدداً؟ علماً أن العملية الاستيطانية في فلسطين، التي تعني مواصلة النكبة، بمجازرها وطردها للفلسطينيين، تشكّل أساس الفكرة الصهيونية، ولم تكن البؤرة الاستيطانية الإحلالية المقامة على جزء من فلسطين في العام 1948 إلا بداية العملية الإحلالية، المتواصلة إلى اليوم.

من أهم العوامل التي ساهمت في التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية هو التواطؤ الغربي مع المشروع الصهيوني، الذي تراجع أحياناً وقد يتراجع مع تصاعد المقاومة ضد العدو والتفاف الشعوب العربية حولها، إذ ستضطر الدول الغربية ومن يتبعها إلى إعادة النظر في مواقفها، للحفاظ على مصالحها.

العامل الآخر هو تراجع المقاومة المسلحة وضعف الحركات الشعبية ضد العدو، حيث تشير الدراسات حول الاستيطان أن عدد المستوطنين والمستوطنات يرتفع في أجواء يسيطر عليها الهدوء النسبي. كلما ارتفع هذا العدد، كلما تم تجزئة الضفة الغربية وتفكيك تجمعاتها السكنية وتحويلها إلى معازل، قرى وبلدات ومدن تخترقها المستوطنات، وكلما صعب على أهلها التنقل بين حواجز جيش الاحتلال وعلى الطرق الخاصة بالمستوطنين. غير أن تراجع المقاومة المسلحة وضعف الحركات الشعبية ضد العدو لها أسباب، أهمها اتفاقيات أوسلو الموقعة العام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وكيان العدو، التي منحت شرعية للوجود الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة العام 1948 وشرعية تدخله في الأراضي الواقعة تحت سيطرة سلطة الحكم الذاتي في الأراضي المحتلة العام 1967.

لم تكتمل مهمة انتفاضة الأقصى، باستثناء تفكيك المستوطنات التي أقيمت في قطاع غزة في العام 2005 وتقهقر قوات العدو إلى مشارفه، بسبب العقيدة السياسية الخاصة باتفاقيات أوسلو التي وظّفت الانتفاضة لإعادة تموضع المفاوضات بين السلطة والعدو، وليس للتعبئة الشعبية من أجل تحرير الأرض من الاحتلال الاستيطاني. رغم مشروع المقاومة الذي حملته الحركات الجهادية والفدائية وعملياتها على كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي وجهت ضربات مؤذية للكيان ومستوطنيه ومشروعه، سارعت السلطة، وخاصة بعد اغتيال الرئيس ياسر عرفات، إلى العودة إلى المفاوضات والتهدئة وما يسمى التنسيق الأمني مع قوات العدو، الذي يعني فعلاً منع أي مقاومة، مسلحة أو شعبية، ضد الاحتلال.

المنطق الذي يحكم السلطة وأدواتها والمنتفعين منها ومثقفيها هو العامل الأهم لتراجع المقاومة وضعف الحركات الشعبية ضد الاحتلال في الضفة الغربية، وبالتالي، تمدّد الاستيطان الصهيوني على أرض فلسطين. تعتبر السلطة أنها تسير نحو بناء دولة (قبل تحرير الأرض)، لذا يجب عليها فرض القانون والأمن، وتوحيد السلاح، أي تجريد المقاومة من سلاحها، كما تطالب اليوم في قطاع غزة، ما جعلها تلاحق المناضلين والمقاومين وزجهم في سجونها وتعذيبهم، وأغلبهم من الأسرى المحررين من السجون الصهيونية. تسعى السلطة لمنع أي تضامن مع أهل الاسرى والشهداء، خارج سيطرتها وعيونها، كونها تعتبر نفسها "دولة سيادية" وليست حكماً ذاتياً يتحكّم الاحتلال بكل مفاصلها، وإلا لما اعتقلت السيدة سهى جبارة المتهمة من قبل أجهزة السلطة بأنها تدعم عائلات الأسرى، ولما اعترضت على التبرعات "العشوائية" (أي الشعبية) من أجل إعادة بناء منازل الشهداء التي هدمها الاحتلال، ولما منعت الكثير من الجمعيات الأهلية من العمل. تعتبر السلطة أنها المرجعية الوحيدة لمقاومة الاحتلال، عبر الجمعيات غير الحكومية التي تنظّم مهرجانات رقص ومسابقات الجمال والمفتول، لتثبيت "الهوية" الفلسطينية، وعبر التواصل (التطبيع) مع مجتمع المستوطنين وأحزابهم، والتواصل مع المجتمع الدولي المموّل لها، والذي يتحكّم بمشاريعها "التنموية" لتمكين سيطرة المستعمرين الصهاينة على المجتمع الفلسطيني.

تعوّل السلطة على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لوقف غزو الضفة الغربية (والقدس الشرقية) وتمتنع عن المبادرة بأي خطوة "أحادية" في وجه الاحتلال. تنتظر المبادرات السياسية الدولية المتعلقة بـ"حل الدولتين" كـ"المبادرة الفرنسية" الأخيرة، ويطبّل إعلامها بعد كل شجب دولي للاستيطان والمجازر التي يرتكبها العدو، وكأنه تمّ تفكيك مستوطنة واحدة من بين المئتين وأكثر من المستوطنات الجاثية على أرض الضفة الغربية (دون القدس "الشرقية")، وكأن الشجب الدولي ترافق مع تدابير عملية ضد الاحتلال، في حين لا تزال الدول الأوروبية ترفض مقاطعة منتوجات المستوطنات، ولم يأخذ بعضها إلا قراراً بوضع ملصقات عليها لتمييزها عن المنتوجات "الإسرائيلية". حاولت السلطة وأجهزتها، مدعومة من الجمعيات غير الحكومية النخبوية، تعميم منطقها على الشعب الفلسطيني، مطالبة منه الانتظار و"الصمود" في الوقت الذي لم تبق فيه أرض يقف عليها الشعب، ولم يبق في يده سلاح للدفاع عن أرضه وأهله، في ظل غياب الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة المنهمكة بالتعاون مع أجهزة العدو وملاحقة الفدائيين والمناضلين ومراقبة المواطنين.

إضافة إلى موقف السلطة من الكيان الصهيوني والتساهل مع المستوطنين وعدم توفيرها الأمن للمجتمع الفلسطيني، يشكّل الموقف العربي عاملاً مهماً آخر لتمدّد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس. قبل موجة التطبيع الرسمي الحالية بين أنظمة عربية والكيان الصهيوني، لم تتخذ الدول العربية إجراءات عملية للحد من الغزو الصهيوني، بل اكتفت بتصريحات شاجبة، كما تفعل الأمم المتحدة. ذلك لأنها اعتبرت أن أرض فلسطين خاصة بالشعب الفلسطيني، كما أكّدت عليه في القمم العربية، وأنها تدعم الجهود الفلسطينية في المحافل الدولية. وبعد اتفاقيات أوسلو ومؤتمر مدريد الذي سبقه، امتنعت الدول العربية عن تقديم أي دعم للشعب الفلسطيني خارج إطار المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية، السياسي والمالي والديبلوماسي وغيره، ما يعني أنه تم إبطال، من جانب المجتمع الدولي التابع للولايات المتحدة، أي مساندة عربية رسمية للشعب الفلسطيني للوقوف أمام الغزو الصهيوني. لم تضغط الشعوب على حكامها، إلا في مراحل تصاعد المقاومة، كما حصل خلال انتفاضة الأقصى حيث تراجعت بعض الدول العربية عن فتح مكاتب تجارية للعدو في بلادها، ما يشير إلى أن الشعوب العربية المساندة الفعلية للشعب الفلسطيني تميل إلى دعم المقاومة وترفض المطبّعين. إلا أن منطق اتفاقيات أوسلو لم يطلب منها إلا دعم "الهوية" المجزأة والقضايا "الإنسانية" وزيارات تطبيعية لنخبها، بحجة دعم الشعب الفلسطيني وكسر الحصار الصهيوني عليه.

أما اليوم، فالتطبيع العلني من قبل أنظمة عربية وإسلامية مع كيان العدو والزيارات التطبيعية للكيان من قبل نخب عربية وإسلامية، وأشكال التطبيع كافّة، يشكّل دعماً مؤكداً للتمدد الاستيطاني وابتلاع الأرض الفلسطينية والسطو على مقدساتها.

لم يلجم الغزو الصهيوني للضفة الغربية والمناطق الفلسطينية الأخرى إلا المقاومة المسلحة والانتفاضات الشعبية بوجه الاحتلال، ولن يعيد الأرض إلى أصحابها إلا المقاومة بكل أشكالها، وذلك ما يخشاه العدو، رغم تفوقه العسكري وكون المستوطنات ثكنات عسكرية تقطع أوصال الضفة الغربية، يقطنها "غلاة المستوطنين". ذلك لأن المقاومة هي أولاً رد فعل طبيعي على إجرام العدو، وثانياً لأن مقاومة الشعب الفلسطيني تستقطب تأييد الشعوب العربية والإسلامية التي تتأثر ببطولات أبنائه، وثالثاً لأنها تضع الدول الغربية والمجتمع الدولي في مأزق أمام شعوبها وتحثها على البحث عن كيفية حماية مصالحها دون الالتصاق بالمشروع الصهيوني.

انشر عبر
المزيد