الأردن بين الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية

03 كانون الأول 2018 - 10:12 - الإثنين 03 كانون الأول 2018, 10:12:18

الأردن
الأردن

بقلم : راغدة عسيران       

من التصريحات الملكية بشأن الصراع العربي الصهيوني، إلى الاحتجاجات الشعبية ضد مشروع قانون ضريبة الدخل، مروراً باستعادة الأراضي الأردنية "المؤجرة" لكيان العدو وفضيحة جمعية "مؤمنون بلا حدود"، وكارثة سيول وادي الأردن ومشروع قمع حرية التعبير لمواجهة "الشائعات"، يواجه النظام الأردني تحديات متنوعة، تعود أسبابها إلى موقعه من الصراع العربي الصهيوني وتبعيته للدول الغربية، التي أمنّت استقراره حتى الآن. فإلى أي مدى ستستمر المنظومة الغربية في دعم هذا الاستقرار؟ وهل معارضة النظام الأردني لمشروع ترامب التصفوي للقضية الفلسطينية سيساهم في استقراره؟

بمناسبة يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني، أعاد الملك الأردني  التأكيد على تأييده لحلّ الدولتين التي تعني "إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة على خطوط الرابع من حزيران/يونيو عام 1967، وعاصمتها شرقي القدس" معتبراً أن "القضية الفلسطينية هي مفتاح السلام والاستقرار في الشرق الأوسط"، وداعياً إلى "مفاوضات جادة" على أساس "قرارات الشرعية الدولية". رغم اتفاقية وادي عربة (1994) وإقامة علاقات رسمية متنوعة مع الكيان الصهيوني، لم تتطور العلاقات مع المستوطنين الصهاينة خارج الأطر الرسمية، إلا نادراً، وضمن فئات مجتمعية مرتبطة ثقافياً واقتصادياً وسياسياً بالدول الغربية؛ إذ بقي الشعب الأردني يشعر بانتمائه إلى القضية الفلسطينية وإلى القدس على وجه الخصوص، لا سيما وأن وجود اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، والعلاقة المميّزة بين الأردن والضفة الغربية، شكلا عاملاً مساعداً لهذا الانتماء.

يشير التصريح الملكي الأخير، الذي عبّر عنه الملك خلال لقائه بالرئيس الأميركي قبل أشهر، إلى عدم موافقته على المشروع "الترامبي" لتصفية القضية الفلسطينية؛ وهو بذلك يؤيد موقف السلطة الفلسطينية، خلافاً لبعض الأنظمة العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي أبدى ولي العهد فيها أبدى استعداده لقبول المشروع الأميركي والانفتاح على الكيان الصهيوني، بهدف محاربة الجمهورية الإسلامية في إيران وقوى المقاومة في المنطقة.

وبما أنه لا يمكن إضفاء شرعية على أي من المشاريع التصفوية دون موافقة -بالحد الأدنى- السلطة الفلسطينية والأردن، عاش الأردن أزمات عدّة في الفترة الأخيرة، بسبب الضغوط الخارجية الساعية إلى زعزعة نظامه وإرغامه على الالتحاق بالنادي "السعودي – الإماراتي"، في حين كان قد رفض المشاركة في الحرب على اليمن ضمن "قوات التحالف" كما رفض مقاطعة قطر، والهجوم على "الإخوان المسلمين" الأردنيين، الممثلين في مجلس النواب. وكان الملك قد شارك في القمة الإسلامية التي انعقدت في إسطنبول للتصدي للقرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني، مخالفاً الرأي السعودي في الموضوع.

غير أن الضغط الخارجي على النظام الأردني أخذ شكلاً أوسع وأبعد من الأشكال المتعلقة بالاصطفافات والتحالفات السياسية داخل النظام العربي، حيث يعيش الأردن منذ أكثر من عشر سنوات أزمة اقتصادية  حادة، سببها التبعية لصندوق النقد والبنك الدوليين، اللذين ساهما بتغيير المشهد الاقتصادي الأردني، بعد التفريط بالموارد الوطنية.

لقد بدأت العلاقة بين صندوق النقد الدولي والأردن في العام 1989، لسد عجز الموازنة، ثم تطورت العلاقة بعد 1992 حين تدخل أيضاً البنك الدولي ومانحون آخرون، صوّروا الأردن كنموذج لنجاح برامج "التصحيح الهيكلي" والعولمة. غير أن العودة إلى عجز الموازنة بعد 2011 أظهر هشاشة هذه الإصلاحات التي لم يستفد منها الشعب في الأردن، بل تفاقمت أزمته المعيشية بعد الاتفاق الجديد مع الصندوق، الذي فرض خصخصة مرافق اقتصادية مهمة، كإنتاج الفوسفات، وقطاع الكهرباء والاتصالات، وأخيراً، مشروع قانون ضربية الدخل الذي أشعل "هبّة حزيران" في المدن الأردنية كافة وأسقط حكومة هاني الملكي.

فسّرت بعض الأقلام "هبّة حزيران" الشعبية على أنها من صنع القوى الخارجية لزعزعة الحكم، أو أنها جاءت بإيعاز من الحكم للتصدي للضغط الخارجي الموالي للولايات المتحدة، ذلك بسبب تراكم نقاط الخلاف بين المملكة الأردنية والمملكة السعودية، و"برودة العلاقة" بين المملكتين منذ العام 2017، لأسباب كثيرة، أهمها مسألة الوصاية على المقدسات في القدس، التي تؤمن للأردن مركزاً أساسياً في أي مشروع تسوية. كما أن اعتقال صبيح المصري، الذي يوصف بأنه أحد أهم أعمدة الاقتصاد الأردني، ضمن خطة "الإصلاح" لولي العهد السعودي، اعتبره النظام الأردني رسالة ضغط أخرى ضد خياراته السياسية. ما يؤيد الفرضية الثانية هو الإسراع بتهدئة الأمور خشية من انفلاتها نحو المجهول، وعقد مؤتمر مكّة (11 يونيو/ حزيران) بحضور السعودية والأردن والإمارات والكويت لتقديم الدعم المالي للأردن. أما ما يؤيد الفرضية الأولى، أي تأجيج الاحتجاجات الشعبية لزعزعة الوضع الداخلي الأردني، فهو المحاولة التي قام بها رئيس جمعية "مؤمنون بلا حدود"، السيد يونس قنديل، الذي دبّر مسألة خطفه وتعذيبه لإثارة الشارع الأردني ضد "المتديّنين المتشدّدين" (وقصده الأخوان المسلمين)، في بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر من هذا العام، وهي الجمعية التي أنشأتها الإمارات العربية المتحدة في العام 2013 لإضعاف الأخوان المسلمين وما تسميه "الإسلام السياسي".

إلا أن تفسير أسباب "هبّة حزيران" بالتدخل الخارجي أو بالتمرد على الضغط الخارجي لا يأخذ بعين الاعتبار المشهد الأردني الداخلي ولا الأوضاع والأزمات التي تسبّب بها الالتحاق بالاقتصاد النيوليبرالي العالمي، حيث تمت تصفية القوى الانتاجية المحلية لمصلحة السوق العالمي، وتدفقت القوى العاملة الآسيوية للعمل في مصانع أجنبية على الأراضي الأردنية، حتى تستطيع تصدير إنتاجها إلى الولايات المتحدة من خلال اتفاقية "الكويز" الملحقة باتفاقية وادي عربة مع الكيان الصهيوني. لقد احتجت الجماهير في الأردن على مشروع قانون لا ينصف ذوي الدخل المحدود، وعلى التسيّب الضرائبي لكبار الملاكين في الدولة، والاحتكار وخصخصة أملاك الدولة والفساد، وهي الصفات الملازمة لكل من يعتمد على السوق العالمي لتنمية اقتصاد بلده.

استطاع النظام الأردني تهدئة الشارع مرة أخرى، وتم تعيين عمر الرزاز لرئاسة الحكومة الذي قدّم قبل أسبوع "مشروع النهضة الوطني" كبرنامج إصلاحي للسنتين القادمتين. ولكن تبقى مسألة العلاقة مع الكيان الصهيوني هي المعيار الحقيقي للشعب الأردني، الذي يحدّد ابتعاده أو اقترابه من الحكم، لوعيه أن الضغوط الخارجية، السياسية والمالية، وإعاقة تنمية البلد، لا تفيد إلا مصالح العدو والولايات المتحدة الأميركية الراعية له. ذلك يشكّل ضغطاً على الحكم الأردني الذي لا يستطيع الذهاب بعيداً في علاقته مع العدو، والذي يرتكز على مواقفه "الصلبة" كاستعادة أراضي الباقورة والغمر لاستمالة الجماهير إليه، أو عدم الموافقة على عودة السفير "الإسرائيلي" إلى عمان قبل اعتذار نتنياهو لقتل موظّف في السفارة الصهيونية لأردنيين قبل سنة (حزيران/يونيو 2017). إلا أن هذه المواقف "المتشدّدة" إزاء العدو غير كافية لإرضاء الأردنيين، لا سيما وأن الحديث يدور حالياً حول العودة إلى مشروع قناة البحرين بين الأردن وكيان الاحتلال، وحول صفقة الغاز التي ستدعم الاقتصاد الصهيوني على حساب الأردن وفلسطين، وهي المشاريع الاقتصادية التابعة لاتفاقية وادي عربة، التي رفضها الشعب الأردني بالأساس، وقد تم التوقيع عليها دون موافقته. ضغطت الولايات المتحدة على النظام الأردني لإعادة فتح السفارة الصهيونية، والعودة إلى المفاوضات مع كيان العدو، ويضغط الشارع الأردني للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ومنع تهويد مدينة القدس، وقد قدّم شهيدين، محمد الكسجي وسعيد العمرو، خلال انتفاضة القدس الأخيرة.

فهل سيتمكّن النظام الأردني من التخلص من الضغوط الدولية باستعادة ثقة الشعب به أم أنه سيرضخ مجدداً لدكتاتورية "الإصلاحات البنيوية" التي تفرضها الجهات الدولية عليه ويواصل مشاريعه التطبيعية مع كيان العدو، مؤجلاً، إلى حين، المواجهة مع الفئات الشعبية؟

انشر عبر
المزيد