الخطة "الإسرائيلية" لتقليص الفروقات الاجتماعية والاقتصادية شرقي القدس: مناقشة عامة

16 تشرين الثاني 2018 - 11:44 - الجمعة 16 تشرين الثاني 2018, 11:44:27

القدس
القدس

وكالة القدس للأنباء - متابعة

دراسة بقلم / أحمد مصطفى جابر – نقلاً عن بوابة الهدف

مضت خمسون سنة عجاف على احتلال القسم الشرقي من مدينة القدس ، وهي سنوات لا تقاس بزمن عادي، بل تقاس بالقمع والتهويد والاستلاب والإلغاء ومحاولات حثيثة لابتلاع المدينة والسيطرة عليها، تكريسا لفكرة وحدانية القدس كعاصمة للكيان الصهيوني، وأن هذه الأرض ليست محتلة بل "مستردة" و"محررة" على ما يزعم السرد الصهيوني.

ولكن إدعاءات السيادة والأبدية لا تتناسب أبدا مع الإهمال وحقيقة الفصل الاجتماعي والاقتصادي والخدمي والسياسي والأمني في المدينة من جهة وحقيقة ترسخ الهوية، وصمود أهالي القدس ورفضهم الأسرلة من جهة أخرى.

ومؤخرا جرت انتخابات بلدية في القدس، حيث سعى المحتل من خلالها عبر برامجه وأدواته المحلية إلى إخضاع أهل المدينة وإجبارهم على القبول بالأمر الواقع، وهو أمر غريب في السياسة إذ يلح كيان محتل على مواطنين أصليين يصنفهم كمقيمين فقط بدون أي حقوق على المشاركة في انتخابات محلية تتصدرها قوائم التهويد والأسرلة، وتعد هؤلاء بمزيد من التهميش والاستلاب.

في خلفية هذا وبغض النظر عن نسب التصويت التي لايمكن الاعتداد بها للزعم بوجود تحول سياسي في المدينة، كان الاحتلال قد أقر في أيار/مايو هذا العام 2018 ، عبر حكومته المصادقة على حزمة من المساعدات الشاملة لبرنامج يخص شرقي القدس تحديدا، ولنذكر مرة أخرى أنه يتم قصقصة هذا الجزء من المدينة وعزل أحيائه وإخراج بعضها من زمام البلدية، المهم أن هذه المساعدات السياسية تشي بشعور الاحتلال بضرورة إحداث تغيير في واقع المدينة التي تتحول بمفاهيمه إلى عبء اقتصادي وأمني بالنتيجة، لذلك وضعت الخطة لتقليص الفوارق ودمج السكان العرب الفلسطينيين في كل من المجتمع والاقتصاد الإسرائيلين.

يصف إفرايم لافي، وساسون حداد ومئير إلران، كاتبو هذا التقرير الذي نستعرضه هنا، والمنشور في موقع معهد أبحاث الأمن القومي، هذه الخطة بأنها غير مسبوقة، في حجمها الذي يصل إلى ملياري شيكل، أوفي المجالات التي يقاربها.

يهدف هذا النص إلى وضع هذا التقرير ومعه الخطة التي يناقشها تحت مجهر التحقق، وسنرى أن هذا التقرير رغم انتقاداته الجوهرية للخطة، إلا أنه يصدر عن المؤسسة المحتلة في النهاية ويضع نصب عينيه وفي صلب اهتمامه التأمين الأمني للكيان الصهيوني، ومنعه من الانجراف في مخاطر غير محسوبة، وهذا التقرير يعنى بنقد المؤسسة لذاتها إذ أنه مكتوب بأقلام ثلاثة باحثين يحمل كل منهم رتبة كولونيل (احتياط ) في الجيش الصهيوني، وعمل أحدهم في "الإدارة المدنية" الاحتلالية، وثلاثتهم جاؤوا من الاستخلبارات العسكرية، وبالتالي فإن قراءة هذا التقرير ومحاولة فهم منهجية كتابته غير ممكن بتجاهل حقيقة ووضعية كتّابه والمركز الذي صدر عنه، وهو مركز وثيق الصلة بالسياسة الصهيونية وصناعتها حتى لو كان محسوبا على المعارضة الصهيونية، وبعيدا نسبية عن طريقة التفكير اليمينية.

قبل التقرير:

ذات يوم قال نائب رئيس بلدية القدس الاحتلالي السابق أبراهام كهيلا: «إن الأوساط الدولية بما فيها البعض في الولايات المتحدة تخطئ أحياناً إذ تعترف بالجزء الشرقي من المدينة بأنه أرض عربية، لكن الحقيقة هي أن الوضع قد تغير جذرياً منذ حرب الأيام الستة، إن على كل من يبحث في مستقبل القدس أن يأخذ ذلك في الاعتبار».

وقد شكلت المدينة هدفاً استيطانياً مركزياً عند الحركة الصهيونية منذ المرحلة الأولى للتفكير الصهيوني الإمبريالي بفلسطين، كمركز استيطان ووطن لليهود، وقد أخذت عملية الاستيطان والاستهداف شكل التسلل بدوافع أمنية واقتصادية وسياسية أثناء الحكم العثماني، ليشكل هذا التسلل مرتكزاً للغزوة الصهيونية برعاية الاحتلال البريطاني الذي قدم للوجود اليهودي تسهيلات مبرمجة هيأت لقيام الكيان الصهيوني الغاصب، ورغم كل ذلك تجدر الإشارة إلى أن ملكية اليهود للأراضي في المدينة القديمة قبل عام 1948 لم تتجاوز الحي اليهودي (بل المنازل السكنية في الحي اليهودي) الذي لا تتعدي مساحته خمسة دونمات، وأما خارج البلدة فلم يحصل المستوطنون اليهود سوى على الأرض المقام عليها مستشفى «هداسا»، و«مجمع الجامعة العبرية» على جبل المشارف وكلاهما لا يتجاوزان معاً المائة دونم إضافة إلى مستوطنتي «عطروت»، و «نفي النبي- يعقوب» بمساحة 500 دونم و489 دونماً على التوالي.

نظرة عامة:

رغم النبرة النقدية في هذا التقرير إلا أنه لايمكن تجاهل أنه يأتي من قبل المؤسسة الصهيونية، ومن وجهة نظر هذه المؤسسة وليس من وجهة نظر الضحايا االفلسطينيين، فاللوم على التقصير وفشل الخطط وقصورها ينصب على مخاطر هذا على قدرة الكيان الصهيوني على تكريس ما يريده في القدس، كمدينة يهودية من جهة، وكعاصمة أبدية للكيان، مع ترويض المجتمع العربي، والعمل على دمجه [إقرأ: أسرلته] بحيث تنتفي المخاطر الأمنية التي تنجم عن الاضطهاد القومي المتواصل والغبن الاقتصادي المتراكم آثاره عبر السنين.

يعترف هذا التقرير من هذه الزاوية إذا بوجود فروق واضحة في بين اليهود والفلسطينيين في شرقي القدس في الحالة الاقتصادية والاجتماعية ، ويتناوله ليس من ناحية اضطهاد الفلسطينيين في بلدهم وحرمانهم من حقوقهم، بل من زاوية مصلحة الدولة الصهيونية "ما يشكل عبئا اقتصاديا على الدولة يؤدي طبعا إلى مخاطر ذات طابع أمني"، ويرى التقرير أن هذا يعود بالتأكيد إلى حقيقة أن حكومات إسرائيل، وعلى عكس ادعاءات السيادة الكاملة الأبدية، بقيت في سلوكها الاقتصادي والسياسي في المدينة متعارضة مع هذه الادعاءات، فهي أبقت على السكان بدون حقوق مواطنة، وصنفتهم كمجرد مقيمين، وهذا الواقع كان كامنا في صلب سياسات إهمال متواصلة للأرض والسكان.

يضاف إلى ذلك أيضا كما يقول التقرير محقا سياسة التهويد المستمرة والغرض الأساسي للسياسة الإسرائيلية في المدينة وهو يهود أكثر وعرب أقل، عبر سلسلة لاتنتهي من القوانين والأوامر العسكرية وسياسات الإفقار والطرد والغبن في رخص البناء واستغلال اعتبارات غير قانونية للتخلص من العرب وسلبهم حق الإقامة في مدينتهم، وصولا إلى الإجراء الأخير الأكثر عنفا ضد طبيعة المدينة وديمغرافيتها وهو إخراج ثمانية أحياء كاملة وفصلها عن المدينة عبر سياج الفصل العنصري، والنية بإخراجها خارج زمام البلدية، وفي المقابل يسعى الاحتلال كما هو معروف بتعويض الزخم الديمغرافي بسكان يهود عبر ضم مستوطنات قريبة إلى القدس

وصولا إلى تشكيل قدس يهودية كبرى مركزها القدس نفسها وتمتد أذرعها إلى غوش عتصيون جنوبا ومعاليه أدوميم شرقا.

لا مانع من إجهاد أنفسنا بمعرفة أكبر عن هذه السياسيات:

حاولت الدولة الصهيونية تطبيق موقفها في القدس عبر جملة من السياسات والإجراءات (والقوانين) التي هدفت إلى خلق وقائع مادية لتغيير الوضع القانوني للمدينة المقدسة بما يخدم المخطط الإسرائيلي الرامي إلى تهويدها وتعزيز الوجود الإسرائيلي فيها، حيث في 27/6/1967 مباشرة بعد انهاء الحرب أصدرت (الكنيست) الصهيونية قراراً على شكل إضافة فقرة إلى (قانون الإدارة والنظام لسنة 1948م) وقد خولت تلك الفقرة حكومة “إسرائيل” ضم القدس إليها. وفي اليوم التالي أصدر رئيس حكومة "إسرائيل" أمراً أطلق عليه (أمر القانون والنظام رقم واحد لسنة 1967م)، أعلن فيه أن مساحة ارض "إسرائيل" المشمولة في الجدول – الملحق بالأمر – هي خاضعة لقانون قضاء إدارة الدولة "الإسرائيلية"، ويضم هذا الجدول منطقة تنظيم أمانة مدينة القدس التي تقع تحت الحكم الإداري العربي، وهي تقع ما بين المطار وقرى الطور والعيسوية وعناتا والرام شرقاً ويقطنها حوالي مائة ألف من السكان العرب .

وفي اليوم الثالث أصدر الجيش الصهيوني أمراً يقضي بحل مجلس أمانة القدس العربي المنتخب من سكان القدس وبطرد أمين القدس روحي الخطيب من عمله . وقد نفذت السلطات العسكرية المحتلة الأوامر بشدة، فاستولت على جميع ممتلكات الحكومة الأردنية وأثاثها وأجهزتها وسجلاتها وألحقتها بدوائرها ومحاكمها وبلديتها، ثم ألغت جميع القوانين والأنظمة الأردنية واستعاضت عنها بالقوانين والأنظمة "الإسرائيلية".

بعد هذا القانون أُوجد أكثر من 11 قانونا "إسرائيليا" متنوعة المضامين تؤثر بشكل مباشر على حياة المقدسسين (جميع الفلسطينيين عموما ولكن هنا نركز على موضوع القدس) وطبعا أشهر هذه القوانين "قانون أساس القدس عاصمة إسرائيل" الأساس الذي تنبني عليه جميع السياسات الصهيونية في القدس، وبعده مباشرة سن الكيان، ما يسمى بـ"قانون المحافظة على الأماكن المقدسة" وإصدار هذا القانون والأنظمة التي أتاحت المجال لبعض الصهاينة بإقامة الدعاوى لدى محكمة العدل العليا طلباً منها إصدار قرار يقضي أن الإشراف على "جبل البيت" – أي على جميع الأراضي التي يقوم عليها الحرم القدسي الشريف – يجب أن يكون في أيد تهتم بحراسته كمكان مقدس لأبناء الطائفة اليهودية، والدعاوى المشار إليها والتي تتكرر كثيرا على الزعم بأن المكان الذي يسمى "جبل البيت" هو مكان مقدس يهودياً وليس إسلامياً .

من القوانين الأخرى التي يتجاهلها طبعا التقرير الصهيوني مكتفيا بالحديث عن ممارسات الحكومات، قانون التنظيمات القانونية والإدارية لسنة 1968م ، وقد شكل هذا القانون حلقة جديدة من الإجراءات الرامية إلى إزالة عروبة القدس وذلك باشتراط تسجيل الشركات والجمعيات التعاونية وأصحاب المهن وأرباب الحرف، والمحامين والأطباء والصيادلة والمهندسين، حسب القوانين "الإسرائيلية" وهو – رغم مخالفته للقوانين والاتفاقيات الدولية التي توجب الحفاظ على القوانين والأنظمة المرعية في البلاد المحتلة وتحديه لقرارات هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي التي رفضت قرار “إسرائيل” بضم القدس إليها وطلبت منها الرجوع عن ذلك القرار وإيقاف كافة إجراءات الضم – فإنه من الناحية العملية، فرض على أنه أمر واقع على المدينة المقدسة تزعم معه "إسرائيل" قبول العرب بالتعامل مع السلطات المحتلة على أساس القوانين "الإسرائيلية" وبالتالي التسليم بإجراءات الضم، وقد أقرت الكنيست هذا القانون في 23/8/1968م.

أما "قانون أملاك الغائبين" فبموجبه وضعت دولة الاحتلال يدها على مساحات واسعة مما تبقى لعرب القدس من أراض وأملاك، كما حجزت – ما وصل إلى علمها – أموالاً منقولة وأسهم شركات تخص أولئك الغائبين، وتحول كل ذلك إلى أملاك يهودية أو واقعة تحت تصرف "إسرائيل" .

وقد شكل "قانون استرجاع اليهود لعقاراتهم في البلدة القديمة" ضربة أخرى لقيم العدل وترسيخا لدولة العنصرية والتمييز العرقي حيث كانت الحكومة الأردنية قد أناطت بدائرة أسمتها "حارس أملاك العدو" المحافظة على أملاك اليهود وإداراتها منذ عام 1948م وحين هوت القدس تحت الاحتلال الصهيوني عام 1967م، استمرت دائرة القيم على أموال الغائبين بإدارة عقارات اليهود التي كانت، وبتاريخ 24/8/1968م أصدرت الكنيست الصهيونية قانوناً يمكّن اليهود من استعادة المنازل التي كانت مملوكة أو مؤجرة لهم من قبل العرب .

أما الملاك العرب من أهالي القدس فلا يحق لهم بموجب القانون الصهيوني لسنة 1973م استرجاع أملاكهم أسوة بالقانون الصهيوني بالنسبة للملاك اليهود، بل إن حق المالك العربي ينحصر فقط في أخذ التعويضات وفقاً لأسعار قوائم تخمين الضرائب لسنة 1947م بعد خصم مقابل إدارة العقار، وعلى أن يدفع مبلغ التعويض بموجب سندات دين حكومة "إسرائيل" تُستحق بعد عشرين سنة . أما قانون "تطبيق الاتفاق بشأن قطاع غزة ومنطقة أريحا" فقد جاء في بنوده ليمنع السلطة الفلسطينية من أي نشاط في القدس باعتبارها جزءاً من “إسرائيل” حسب المفهوم الصهيوني وهو ما يسمى بقانون (تقييد النشاطات لسنة 1994م) وقد جاء في البند الثالث منه :

"السلطة الفلسطينية لا تفتح ولا تشغل، أي ممثلية، ولا تعقد أي اجتماع ضمن حدود سلطة دولة إسرائيل، إلا إذا حصلت على إذن خطي من الحكومة أو ممن خولته الحكومة. في هذا السياق يعني مفهوم السلطة الفلسطينية كل شخص يعمل من قبل السلطة أو يعمل تحت إشرافها أو يستعمل اسمها، لوزير الشرطة الصلاحية أن يمنع بأمر منه افتتاح أو تفعيل أية ممثلية للسلطة الفلسطينية، أو يأمر بإغلاقها أو يمنع عقد أي اجتماع إذا لم يتم السماح بها كما جاء في البند (أ) أعلاه " وقد بدأ سريان مفعول هذا القانون بتاريخ 1/1/1995م ووقع عليه كل من إسحاق رابين رئيس الحكومة آنذاك، وشيفح فايس رئيس الكنيست ورئيس الدولة عيزر وايزمان وبموجبه شنت الشرطة الصهيونية حمىات واسعة مستمرة حتى اليوم، ضد أي نشاط فلسطيني يؤرق دولة الاحتلال، وبموجبه استولت على "بيت الشرق" مثلا، وأغلقته وصادرت وثائقه ناهيك عن أنه يشكل سلاح قمع يومي ضد المقدسيين.

أما " قانون الإشراف على المدارس" فهو جزء من خطة الاحتلال التهويدية وخطة "الأسرلة" الشاملة فقد عملت سلطات الاحتلال منذ اللحظات الأولى لاحتلال القدس إلى جعل منهاج التعليم "الإسرائيلي" وهي معركة مستمرة ومتصاعدة اليوم في عهد وزير التربية المتطرف نفتالي بينت.

من جانب متصل مثلت "قوانين الاستملاك"خطوة أخرى في سياق تهجير المقدسيين وتهويد المدينة، وإذا كانت قوانين الاستملاك في الدول الطبيعية تستهدف نزع ملكية الأفراد بغرض تحقيق المنفعة العامة أي إنشاء مستشفى أو جامعة أو حديقة أو أي منفعة أخرى، أما "إسرائيل" – وبالنسبة للقدس العربية – فقد سخرت قانون الاستملاك بشكل يتنافى ويتناقض مع غايات وأهداف قوانين الاستملاك فالمنفعة العامة من وجهة نظر "إسرائيل" هي إخلاء المساكن العربية وطرد المواطنين العرب منها ثم ترميمها أو إقامة أبنية جديدة مكانها وإسكان مهاجرين يهود

فيها، لقد أصدرت السلطات الصهيونية أول أمر الاستملاك رقم 1443 الذي نشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 14/4/1968م وبمقتضاه تم استملاك 16دونماً من الأحياء العربية الإسلامية في البلدة القديمة من القدس، وطرد سكانها منها بهدف إنشاء 300 وحدة سكنية فيها يسكن فيها 3500 شخص يهودي، وبموجب أمر الاستملاك رقم 1656 المؤرخ في 30/8/1980م تم استملاك 11680 دونماً من أراضي القدس تحت ستار المنفعة العامة، منها 100 دونم تحيط بأسوار مدينة القدس القديمة .

وإمعانا في سياستها أصدرت دولة الاحتلال "قانون السلطة لتطوير القدس 1988" وقد جاء في المادة الخامسة منه حول أهدافه " أن تبادر وتحضر وتشجع مبادرات لتطوير القدس اقتصادياً والتنسيق بين الوزارات المختلفة والسلطات والمؤسسات التي تعمل لتطوير القدس وأن تزودهم بالمعلومات حول ما يتعلق بمبادرات لبرامج ومشاريع اقتصادية في القدس، وأن تسدي النصح وتساعد في كل ما يتعلق بمشاريع اقتصادية فيها، وفي أعمالها لا تناقض هذه السلطة ما تقوم به بلدية القدس" وورد في المادة التاسعة أنه لا يشغل منصب عضو في المجلس (مجلس السلطة) أو عضو إدارة من لم يكن مواطناً "إسرائيليا"ً أي يحمل الجنسية "الإسرائيلية"، وبموجب هذا البند لا يستطيع حتى أي مواطن فلسطيني من أهل القدس المضمومة أن يكون عضواً في المجلس أو في الإدارة.

والمادة الأخرى الأكثر إثارة للجدل ولم نجد لها مثيلاً في أي قانون آخر هي المادة الأخيرة (23) والتي تنص على أن جميع الوزراء مسؤولون عن تنفيذه هذا القانون ويحق لهم أن يسنوا أنظمة لتطبيقه . ففي جميع القوانين تعين الحكومة عادة الوزير المختص ذا العلاقة بالقانون لسن الأنظمة لتنفيذه، أما أن يكون كل الوزراء مسؤولين عن تنفيذ القانون ويحق لكل واحد منهم أن يسن أنظمة لتنفيذه، فهذا من اختصاص قانون يتعلق بالقدس، وبالقدس فقط .

قصدت من الاستعراض أعلاه وقبل الخوض في تفاصيل النقرير الصهيوني الذي بين أيدينا، توضيح أن مشكلة القدس الرئيسية ومعاناتها المستمرة سببها الاحتلال في الجوهر والأساس، وليست مسألة خطط تطوير و ميزانيات تهدف في الجوهر إلى ضم البشر بعد ضم الأرض أي "الأسرلة" قولا واحدا، ولكنها "أسرلة من الدرجة الثانية، لاتريد أن تعطي المقدسيين حقوقا متساوية في مدينتهم مع اليهود، بل تريد إخضاعهم وضمان صمتهم.

عودة إلى التقرير:

بالعودة إلى التقرير الصهيوني بعنوان " الخطة الإسرائيلية لتقليص الفروقات الاجتماعية والاقتصادية في القدس الشرقية: مغازي وتوصيات"، فقد رصد التقرير الفوارق الجسيمة في الحياة الاقتصادية والرفاه والتشغيل والتعليم للعرب المقدسيين، وكانت هناك قبل الخطة الخمسية بسنوات خطة أخرى يذكرها التقرير، حيث صادقت الحكومة الصهيونية في حزيران 2014 للمرة الأولى على مخطط يهدف إلى ما وصفته بـ"زيادة الأمن الشخصي والتطوير الاقتصادي الاجتماعي في شرقي القدس للأعوام 2014 – 2018"، وهو القرار الذي حمل رقم 1775 .

في إطار هذا المخطط خصصت الحكومة مبلغ 200 مليون شيكل للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب 90 مليون أخرى لإسناد منظومة فرض القانون والأعمال الشرطية.

تم فحص مدى تطبيق القرار خلال النصف الأول من العام 2017 من قبل مراقب الدولة الذي عثر على مواطن خلل سواء في المخطط نفسه أو طرق تطبيقه، في أعقاب ذلك طولب مدير عام وزارة المالية والمسؤول عن الميزانيات، إلى جانب مدير عام وزارة شؤون القدس، بتقديم

مقترح لخطة خمسية أمام الحكومة يهدف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في شرقي القدس. كما طولبوا بأن تشمل خطتهم تطوير البنى التحتية للمواصلات، وتطوير مناطق تجارية وتوظيفية، وبرامج لتشجيع التشغيل وتحسين جودة التعليم، إلى جانب العمل بعزم وإصرار على تطبيق المخطط.

في 28 أيار 2017 اتخذت الحكومة قرارها الاستكمالي رقم 2684 القاضي بالشروع في تنفيذ عمليات تنسيقية بين الوزارات بهدف بلورة خطة خمسية لتقليص الفروقات وضمان التطوير الاقتصادي لشرقي القدس، وهذا القرار كمكمل للقرار رقم 1775 حدد بأن الهدف كان "تحسين جودة الحياة والبيئة لسكان الأحياء العربية في القدس، وتعزيز قدرة سكان شرقي المدينة على الاندماج في المجتمع والاقتصاد الإسرائيليين، وبذا يتم تعزيز حصانة العاصمة اقتصاديا واجتماعيا بشكل كامل"، ولكن دعونا نتأمل بالفعل حقيقة هذا الإدعاء وما الذي نص عليه فعلا قرار الحكومة الصهيونية المذكور:

جاءت ديباجة هذا القرار على النحو التالي " استمرارا لقرار الحكومة رقم 4049 في يوم 9 آب/ أغسطس 2005. والقرار رقم 4651 في يوم 20 ايار/ مايو 2012 (لاحقا الخطة لتعزيز وتطوير القدس)، وعلى ضوء الأهمية القومية والتاريخية والدينية لحوض البلدة القديمة في القدس، والأهمية القيمية والقومية، الكامنة في مواقعها، وعلى ضوء رغبة الحكومة بتشجيع التطوير الاقتصادي في القدس، وبضمن ذلك حوض البلدة القديمة، بموجب قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل"، وهو ما يعكس جوهريا أن هذا القانون يأتي في سياق تهويد المدينة ولم يكن واضعهوه كثيري الانشغال بحال المقدسيين وسبل عيشهم، إلا ما يخص "الأمن الصهيوني" لذلك ليس غريبا أن يتضمن القرار نفسه، بندا يخص "إنشاء مصعد تحت الأرض، للربط ما بين حارة اليهود، وباحة الحائط الغربي (حائط البراق)"، وأيضا " إعادة تأهيل وتطوير حارة اليهود، الذي بموجبه ستشارك هي أيضا في تمويل المشروع، من أموال تجندها الشرطة، بقيمة 20 مليون شيكل"، و " اقامة قطار هوائي (تلفريك) سياحة الى منطقة القدس القديمة" و " مرحلة التعليم ما فوق الابتدائي، من خلال زيادة أعداد الغرف التعليمية، التي يتعلم فيها الطلاب المنهاج التعليمي الإسرائيلي، بالتأكيد على موضوعي الانجليزية والرياضيات، المناسبة والخاضعة لرقابة وزارة التعليم، وتكون بـ 20 غرفة تعليمية سنويا".

لايوجد كلمة واحدة عن حي فلسطيني، أو دعم الأحياء الفلسطينية وتطويرها، والقانون بنصوصه يهدف إلى دعم عملية الأسرلة والتهويد، ولكن الباحثين الصهاينة في هذا التقرير يزيفون الوقائع تجاه خطط الحكومة الفعلية.

ولكن لنتوقف قليلا عند الجذر الذي قام عليه هذا القرار الحكومي، وأعني القرار رقم 4651 في يوم 20 ايار/ مايو 2012 (لاحقا الخطة لتعزيز وتطوير القدس)، وهي ثيقة توجيهية اعتبرت ذات أهمية تاريخية إلى حد ما، وزعم واضعوها أنها تهدف، إلى "إرساء النظام والعدالة " في المدينة التي مازالت تحكم وفق عقلية 1959، وهي خطة تتسم بأقل قول بالعنصرية الفجة التي تتعامل مع المدينة كمدينة يهودية، وليست عربية، ناهيك عن أنها محتلة أصلا، لذلك غرقت هذه الخطة بتعميمات نمطية قادت إلى افتراضات خاطئة وجهت حكم وتفكير تلك النخبة الصهيونية التي وضعتها، لتصل استنادا إلى هذه النظرة الفوقية والافتراضات الخاطئة إلى اقتراحات حلول لايمكن اعتبارها أكثر من تجميلية، تجميل وجه الاحتلال بالذات، والعجز عن تقديم أي حل جذري مستقبلي ربما لأن واضعيها يدكون تماما أن الحل الجذري مرتبط بتخلي"إسرائيل "عن عنجهيتها" وعن "احتلالها للمدينة". وهي خطة وضعها 39 خبيرا صهيونيا مع لجنة توجيهية ضمت 31 شخصا بينهم جميعا عربي واحد.

إن تغييب تمثيل المواطنين العرب في شرقي القدس في الجهاز المسؤول عن التخطيط لحياتهم، وعدم إعارة المخططين أي اهتمام للاستماع لأفكار الأجهزة البديلة التي حصلت على آراء مختلفة من بلدية القدس يعكس حقيقة النظرة الصهيونية لسكان القدس الفلسطينيين، فهم "مقيمون" ليس لهم حقوق، ناهيك عن حقوق تتعلق "بالسيادة" في مدينتهم والمشاركة في التخطيط لمستقبلها والسماح لهم بإدارة حياتهم، لأن المحتل يعتقد أنه أدرى بمصالح السكان المحليين الذين "لايعرفون مصلحتهم"، وطبعا ضمن منطق المستعمر بالمصلحة تكمن في "الأسرلة" والخضوع لمنهاج التطوير الاحتلالي التي تهدف إلى تدمير سبل ومبنى العيش الأصلي وتغيير توجه المدينة، وصولا إلى الإخضاع الكامل.

فيما بعد، بالعودة إلى التقرير، صدر القرار بتطبيق الخطة ما بين الأعوام 2018 و 2023، وبعد ذلك جاء قرار الحكومة رقم 3790 الصادر بتاريخ 13 أيار 2018 لكي يصادق على الخطة الخمسية، التي شملت هذه المرة عدة أمور جديدة من ضمنها تخطيط وتسجيل الأراضي ، ويقول التقرير: "صحيح أن هذه الخطة قد هدفت إلى تعزيز مسألة اندماج سكان شرقي المدينة في المجتمع وفي الاقتصاد الإسرائيليين، إلا أن لها إسقاطات سياسية ودبلوماسية، على غرار ترسيخ السيادة الإسرائيلية وتعزيز "أسرلة" المدينة" وبخصوص هذا "التخطيط والتسجيل": كشفت منظمة عير عميم في تقرير صدر عام 2014 أن سياسة التخطيط "الإسرائيلية" في القدس الشرقية منذ العام 1967، نبعت إلى حد كبير، من التطلع نحو فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة، وكتحصيل حاصل أيضا، من السعي إلى المحافظة على أغلبية يهودية راسخة في المدينة.

وحول استخدام الأداة التخطيطية كوسيلة من أجل المحافظة على ميزان ديمغرافي مرغوب فيه نقلت عن مسؤول ملف القدس الشرقية في الحكومة في حينها ياكير سيغف في مقابلة صحافية "لن نسمح لسكان القدس الشرقية ببناء الحد الذي يحتاجون إليه من البيوت... لا أعتقد أن المهمة الأكثر أهمية هي حل ضائقة السكان (العرب) في القدس الشرقية... فنحن في المحصلة سننظر أيضا إلى الوضع الديمغرافي، لكي نتأكد بأننا لن نستيقظ بعد عشرين سنة لنرى أمامنا مدينة عربية".

نص القرار أعلاه، والذي وقفت ورائه وزيرة العدل الصهيونية على تسوية وتسجيل الأراضي في "الطابو" خلال خمس سنوات، وسيشرف على هذه الخطة قسم الأراضي في وزارة القضاء، وقد وصف خليل تفكجي الخبير الفلسطيني هذه الخطة بأنها جزء من سياسة تسريب الأراضي الفلسطينية إلى يد اليهود، وستضع دولة الاحتلال يدها على أملاك الغائبين سواء من هم في الخارج أو الضفة الغربية.

من المعروف أن عمليات التسجيل القانوني بدأت تاريخيا في العهد الأردني وتوقفت بعد حرب حزيران، وكانت عملية التسوية القانونية للملكيات في منتصفها وفي بعض الأحيان وصلت إلى نهايتها غير أن الحرب والاحتلال عطل كل شيء، وجمد الكيان كل الإجراءات السابقة. واستخدم العدو عدم تعاون الأردن حينها كوسيلة لمنع عمليات التسجيل، بقرار من القاضي شمغار في حينه، وكان هذا الموقف من المحكمة العليا لسنوات عديدة، فيما عدا استثناءات معينة مثل قرارها في عام 2002.

ورغم أن القرار سمح بتقديم الملاك لوثائق أردنية إلا أنه لم يلزم "مسجل الأراضي" الصهيوني بقبولها، وبهذا الإجراء تضع دولة الاحتلال يدها على القرار النهائي بشأن "من يملك الأرض" وستتحكم في إجراءات التخطيط وتقسيم المناطق ، وستستغل هذا في محاربة البناء والتطوير

العقاري الفلسطيني ليس فقط تحت شعار البناء غير المرخص كما كان سابقا، بل سيمتد التبرير هذه المرة إلى جوهر الملكيات.

بالإضافة إلى ذلك، يمنح هذا الترتيب الأدوات الأساسية للدولة لتحديد أراضي معينة كأراضي دولة. عندما لا يكون هناك إثبات ملكية أو عندما يتعلق الأمر بتعريف "أملاك الغائبين"، حيث وضعت الدولة المحتلة نفسها كوريث للفلسطينيين الذين طردتهم أصلا من ديارهم.

القانون الجديد سيساعد سماسرة الأراضي في عملهم المشبوه وسهولة سيطرة "مطوري العقارات" الذي يخدمون أساسا أهداف التهويد في البلدة القديمة.

خلفية اقتصادية، اجتماعية، سياسية:

يبلغ عدد سكان القدس العرب 320 ألف نسمة (أي نحو 37 في المائة تقريبا من مجمل سكان المدينة). ويعيش 98 في المائة منهم في أحياء شرقي المدينة، وبحسب معطيات مؤسسة التأمين الوطني الصهيونية، فإن نسبة انتشار الفقر (أي نسبة السكان الذين تقل مداخيلهم عن ما هو محدد وفق خط الفقر) في محافظة القدس، وفي مدينة القدس على وجه الخصوص هو الأعلى في البلاد. وفي العام 2016 بلغ مستوى فقر سكان القدس العرب 72.9 في المائة، وذلك مقابل 29.8 في المائة في أوساط سكان المدينة اليهود.

بالتدقيق، وجدنا أن هذه الإحصائيات التي يستخدمها هذا التقرير تستند إلى إحصائيات معهد القدس للدراسات، التي صدرت في كتيب خاص في العام الماضي، ولكن دراسات أخرى موثقة أثبتت أن الاحصائيات الصهيونية تتجاهل عشرات الآلاف من الفلسطينيين. وبالأساس تكمن الفجوة الإحصائية في استثناء سكان مخيم شعفاط وكفر عقب الذين تشير التقديرات إلى أنهم يصلون إلى 140 ألفا أو أكثر.

إن عمق الفقر (أي المسافة الفاصلة بين مدخول المنزل وبين خط الفقر) لدى العرب في القدس قد بلغ في العام 2016: 38.3 في المائة، وبلغت نسبة الأطفال الذين يعيشون ظروف فقر في أوساط هؤلاء السكان [العرب] في القدس 78.2 في المائة . والفارق ما بين منسوب فقر العائلات العربية واليهودية بلغ 2.5 ضعفا لمصلحة اليهود.

وسجل انخفاض كبير في نسبة مشاركة العرب في قوة العمل: فبحسب معطيات الهيئة المركزية للإحصاء، بلغت نسبة مشاركة العرب في سوق العمل في العام 2016 : 41.6 في المائة فقط. ويعمل غالبية هؤلاء في مهن لا تتطلب تعليما (كورشات تصليح السيارات، ورش المعامل، البناء)، ويتلقون في الغالب أجورا منخفضة من دون إبلاغ السلطات الضريبية أو التأمين الوطني. وكنتيجة لحالة الفقر والحالة التشغيلية، فإن تعلق سكان شرقي القدس بمؤسسة التأمين الوطني [التي تؤمّن ضمان الدخل وبدل البطالة للعائلات المعوزة- المترجم] كبير جدا.

مرة أخرى تعود اللهجة الاستعلائية الاستعمارية التي تقرر ما تريده على الناس الواقعين تحت الإحتلال، إذ ينقل التقرير أن التقدير السائد لدى الباحثين والمختصين يفيد بأن وعي السكان العرب في شرقي القدس قد بلغ حدا يدفعهم إلى الاعتقاد بأنه آن الأوان لوضع حد لانعدام وضوح مصائرهم، وهم يميلون اليوم إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي. وتستند هذه التقديرات على أمور عديدة من ضمنها ارتفاع مزعوم في منسوب التقدم بطلبات التجنس بالجنسية "الإسرائيلية" متجاهلين أمرين اثنين، أن الضغوط الصهيونية لدفع المقدسيين إلى الرحيل تتصاعد ويزداد خناقها على أعناقهم وبالتالي في البحث عن الخلاص المتأسس على

البقاء والصمود في مدينتهم، وبالتالي قد لايجد المقدسيون وسيلة أصلا للتغلب على قوانين الإبعاد والطرد المنهجية التي يشنها الاحتلال ضدهم سوى التقدم لنيل الجنسية، ولكن هذا ليس كل شيء، إذ يعترف التقرير جوهريا بمنطق المقايضة وابتزاز المقدسيين فتحسين شروط الحياة مرتبط بتعزيز وقبول وجود الشرطة الصهيونية بشكل مكثف في الأحياء العربية بحجة مكافحة الجريمة والفوضى، ونحن نعلم أن الغرض الأصلي "أمني" لاحباط المقاومة، وحصارها في القدس، كما أنه وكما جاء في القرار الحكومي أعلاه لايتم دعم التعليم ومؤسساته إلا في حالة تبني المنهاج "الإسرائيلي" مع ما يعنيه من مخاطر كارثية على هوية المقدسيين وارتباطهم بقضيتهم، وإدماجهم في السياق الصهيوني.

الأمر الأكثر خطورة، ما يقوله التقرير من أنه لإنجاح هذه الخطط، لابد من إيجاد وخلق عناصر ونخب مصطنعة تقبل التعامل مع المحتل وتشكل جسر "أسرلة" عبر ارتباط مصالحها الاقتصادية والوطيفية بالاحتلال من جهة وعبر بحثها أيضا عن وسائل لتظهيرها اقتصاديتا واجتماعيا.

بحسب التقرير يسعى الكيان لترسيخ "حاكميته في القدس" عبر استغلال معاناة المقدسيين وخنقهم، من خلال تعزيز أطراف في الجمهور المحلي المقدسي ممن يؤيدون هذا التوجه المتمثل في الاندماج في المجتمع "الإسرائيلي"، على غرار مدراء المؤسسات التعليمية، ولجان أولياء الأمور، والمدراء المجتمعيين، ولجان التجار، وهو أمر للأسف يجد طريقه للتحقق ولو ببطئ وهو أمر خطير يحتاج مزيدا من البحث.

ويرى التقرير احتمالية " أن هذه التقديرات فيما يرتبط بالواقع الاقتصادي والاجتماعي لسكان شرقي القدس العرب، إلى جانب الخلفية السياسية، يٌنظر إليها من جانب أصحاب القرار في إسرائيل باعتبارها فرصة ذهبية ينبغي استغلالها من أجل فرض الوقائع على الأرض ومن أجل تطبيق الموقف الرسمي المعلن، الذي يفيد بأن القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة دولة إسرائيل الأبدية".

تعزيز المكانة السياسية

يعترف التقرير بأن القرار المتعلق بالقدس يعد بشكل أساسي "رافعة لتعزيز المكانة السياسية لإسرائيل بخصوص القدس الموحدة كعاصمتها الأبدية"، حيث إن تخصيص الموارد الفريد من نوعه هذا (بما يصل حسب المخطط إلى 2 مليار شيكل) قد جرى وفقا للبند رقم 4 (ب) من قانون الأساس: المذكور تحت اسم "قانون القدس عاصمة إسرائيل" الذي يحدد بأن "تفضيلا خاصا سيقدم للقدس في نشاطات مؤسسات الدولة، بهدف تطويرها في مجالات الاقتصاد والمواضيع الأخرى".

والخطة طبعا كما باقي برامج الحكومة المتعلقة بالقدس تجري تحت قيادة وزير شؤون القدس زئيف إلكين الذي يعمل "بموجب فرضية تدعي أنه كلما تضاءلت الفروقات الفاصلة ما بين شرقي المدينة وغربها، فإن ما سيخسره سكان شرقي القدس من الاشتباك الأمني سيكون أعلى، وبذا فإن فرص حصول مثل هذا الاشتباك ستقل".

يعترف التقرير ويحذر من أن مخطط الحكومة يستثني ثمانية أحياء في منطقة كفر عقب ومخيم شعفاط القابع شمالي مدينة القدس، وهما منطقتان يبلغ عدد سكانهما اليوم نحو 140 ألف نسمة (نحو أربعين في المائة من مجمل السكان)، حيث تم طردهم خارج الجدار عام 2004 وهناك خطط لإخراجهما من زمام بلدية القدس، رغم أن هذه الأحياء قد ظلت بشكل رسمي جزءا من

القدس، ولا يزال سكانها يحملون بطاقات هوية مقدسية، مع العلم أنه يجري استثناءهم من الإحصائيات كما بينا أعلاه.

ويلاحظ التقرير أن فصل هذه الأحياء سيترك آثارا سلبية ليس فقط عليها بل "في دوام، بل ولربما مفاقمة، الواقع الديموغرافي الاجتماعي والأمني الخطير، الذي يؤثر بالضرورة على ما يحدث في شرقي المدينة، والذي يؤثر بشكل غير مباشر على المدينة بأسرها".

حسب التقرير فإن العمود الفقري لهذا المخطط يتمثل في "زيادة التعليم في أوساط سكان القدس الشرقية من خلال تحسين الجهاز التربوي فيها"، وقد بينا كيف ينوي الاحتلال تنفيذ هذا بـ"الأسرلة" وفرض المنهج الصهيوني كطريق وحيد للارتقاء التعليمي، وبالتالي لاتخفى الخطط الخبيثة وراء هذه الخطة التي تزعم أنها تهدف دمج السكان في منظومة العمل المنظم.

يرى كلا من الوزير إلكين مسؤول ملف القدس (ليكودي)، ووزير التربية والتعليم نفتالي بينت (زعيم البيت اليهودي)، في هذا الأمر هدفا أساسيا، فالهدف المستقبلي يتمثل في أن يتم تعليم المنهاج "الإسرائيلي" في جميع مدارس القدس الشرقية. وقد جرى إدخال المناهج لبعض المدارس الثانوية، ويتم القيام بإجراءات من أجل إقناع السكان بمزايا المنهاج، إلى جانب قبول الخريجين في مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلي والاندماج في سوق العمل .

تحتوي الخطة على الكثير من التفاصيل لكن المحتوى السياسي ينضح منها، إذ يعتقد الخبراء الاحتلاليون أن المقدسيين سيقبلون مقابل بعض الفتات الاقتصادي، بالاندماج والقبول بالواقع الأبدي للاحتلال

المغازي، الاستنتاجات، والتوصيات:

يزعم مؤلفو التقرير أنه "يمكن النظر إلى المخطط المذكور باعتباره واجبا أساسيا، قانونيا، وإنسانيا تجاه السكان العرب، بعد يوبيل من سنوات الإهمال".

ويزعمون أن تطبيق هذا المخطط سيكون خطوة هامة وصحيحة، وأن من المرتقب أن يحسن من جودة الحياة في شرقي القدس ومستواها بشكل عام، وتحديدا في المجالات الضرورية المتمثلة في التعليم والتشغيل على وجه الخصوص. وبمعنى ما، بالإمكان النظر إلى القرار باعتباره جزءا من رؤيا أكثر شمولية لدى الحكومة، ترى في العامل الاقتصادي أداة فعالة من أجل الدفع قدما باتجاه تحقيق أهداف اجتماعية تخدم كلا من الدولة والقطاعات الضعيفة في أوساط سكان "إسرائيل" والنتيجة أنه دفعهم قدما باتجاه اندماجهم في "الاقتصاد الإسرائيلي"، من شأنه أن يسهم في تعزيز الدولة كما يقول التقرير.

ومع ذلك، يشير التقرير إلى معضلتين بارزتين أو فارقتين حسب النص بين الخطتين الخمسيتين، فبخلاف قضية المواطنة المختلفة [بين سكان القدس وفلسطينيي 48] وهي قضية هامة بحد ذاتها، هنالك فارق آخر يرتبط بكون الخطة الخمسية المخططة لـ [العرب من ] مواطني إسرائيل قد تمت بلورتها وتشغيلها بشكل كبير بالشراكة مع ممثلي الجمهور العربي، على المستوى الوطني (قيادة القائمة المشتركة)، أو على المستوى المحلي (رؤساء السلطات المحلية العربية). هذه الشراكة تعكس فهما متبادلا بخصوص المصلحة المشتركة الكامنة في الدفع قدما بالخطة، رغم العقبات الكثيرة التي تعترض الموضوع؛ الفارق الثاني هو أن المخطط المخصص للجمهور العربي في إسرائيل لديه "أب" مسؤول، بظهر سياسي وتنظيمي قوي. نتحدث هنا عن السلطة الرسمية للتطوير الاقتصادي لقطاع الأقليات في وزارة المساواة

الاجتماعية، والتي كان يديرها حتى وقت قريب أيمن سيف، وهي هيئة تعمل بالتعاون الكامل مع وزارة المالية من خلال قسم الميزانيات. مغزى هذا الأمر هي أن الخطة الجديدة ستتطلب أيضا إدارة تركيز حكومية قوية، تضمن العلاقة الضرورية بين وزارات الحكومة فيما بينها، وبين هذه الوزارات وبلدية القدس، وخلق عنوان يمتلك قوة سياسية وتنظيمية، وسيتطلب الأمر معالجة تطبيق المخطط على المستوى الدمجي، إلى جانب النشاطات التي سيطالب كل من المؤسسات الحكومية ذات العلاقة القيام بها.

بخلاف ما تقدم، وبسبب عدم تحقيق الأهداف المرسومة في الخطة الخمسية السابقة، يطرح التقرير السؤال التالي: ما هي فرص هذه الخطة الخمسية في التغلب على المصاعب والنجاح؟ يجيب التقرير أنه رغم حجم الميزانية الهائل فإنه حتى لو تم تطبيق هذه الخطة بشكل كامل، فإن الفروقات القائمة على الأرض ستظل قائمة وكبيرة، خصوصا في المناطق التي لم يتم شملها في الخطة من القدس الشرقية. وعلاوة على ذلك، فإن الخطة تصب اهتمامها فحسب على تقليص جزئي في الفروقات القائمة، إن في مجال التعليم وإن في مجال التوظيف، وستمر سنوات طويلة إلى أن تتضاءل هذه الفروقات إلى نسبة معقولة، ويبدو أن باقي البنود التي ينبغي التقدم فيها أيضا لا تزال بعيدة جدا. الانتقادات التي وجهت للخطة السابقة من قبل مراقب الدولة لا تزال قائمة وسارية المفعول بخصوص هذه المركبات [في الخطة الخمسية الجديدة]. مغزى كل ما سبق واضح: حتى لو كانت النية صادقة ومباركة، فإن هذه الخطة ستكون، بسبب الظروف الميدانية والحاجات الكبرى، مجرد بداية سيرورة إيجابية، لكنها سيرورة طويلة ومليئة بالمصاعب، ومن المشكوك فيه أن توفر هذه الخطة حلا منظوماتيا شاملا للمشاكل الأساسية التي يعاني منها شرقي القدس.

ويحذر التقرير من مقاومة فلسطينية لخطة ترتكز على (الأسرلة) رغم تشكل ما يشبه بتحفظ (الطابور الخامس) فلسطينيا والذي قد يساهم في إحباط هذه المقاومة من خلال ما يبدو "سلاما اقتصاديا" على غرار مدراء المؤسسات التربوية (خصوصا المحليين منهم، على العكس من المواطنين العرب الإسرائيليين المتحدرين من بلدات الشمال [المقصود هنا أن المدراء والمعلمين الأمعيين من خارج القدس ينظر إليهم المجتمع المقدس "كغرباء"، وبالتالي فإن تأثيرهم يكاد يكون منعدما وترغب السلطة بالاعتماد على المحليين، بحكم صلتهم العائلية والمجتمعية بالقدس وبالتالي الرهان أن تأثيرهم يكون أكبر في خدمة الخطة، طبعا يرتكز هذا التحليل هنا إلى السيطرة التامة للشاباك الصهيوني على مجال التربية والتعليم وكون أي معين في هذا المجال يكون خاضعا أصلا لفحص أمني معمق، وبالتالي نشأت طبقة من الممكن القول أنها "مرضي" عنها أمنيا] ، ولجان أولياء الأمور، والمسؤولين المجتمعيين ولجان التجار. صحيح أن هؤلاء يؤيدون اندماجا معينا في النسيج المديني الكامل [للقدس] وفي المجتمع "الإسرائيلي" على حد زعم التقرير ، إلا أنهم يمثلون، في أفضل الحالات وبطبيعة الحال، المجتمع المدني الضعيف في شرقي المدينة [ والأصح إنهم لايمثلون المجتمع الفلسطيني المتمسك بفلسطينيته والرافض للأسرلة ولضم القدس]، وصحيح أن هنالك استعداد كبير حسب التقرير أيضا في أوساط هذه الجهات للقيام بما هو أكثر من إقامة علاقة مع جهات حكومية إسرائيلية، إلا أن الأمر سيتم بهدف يتركز على تحسين ظروف الحياة الصعبة للسكان. "الأمر لا يشهد بالمطلق على استعدادهم للتخلي عن هويتهم الفلسطينية وعن التزامهم بالقضية الوطنية وتجاه مؤسسات السلطة الفلسطينية، حتى لو كانوا يوجهون انتقادات إليها".

يزعم التقرير أن الخطة ستسبب صراعا داخليا في المجتمع الشرق مقدسي بين مؤيدي الهوية القومية الفلسطينية، والجهات القوية المحافظة الإسلامية التي تنتصب كخصوم على الأرض، إلى جانب سكان الأحياء القائمة خلف الجدار الأمني، الذين سيكافحون تيار الدمج الذي يصفه

التقرير بأنه "المجموعات التي تبدي استعدادها لنيل حقوقها كسكان"، مع الالتزام بالدمج الاقتصادي الإسرائيلي" أي الالتزام بشروط المحتل وخطته بقول أوضح وأصح .

ويرى التقرير إن "دمج سكان شرقي القدس في المجتمع والاقتصاد الإسرائيليين، وإمكانية تغيير مكانتهم (من سكّان إلى مواطنين حملة جنسية) تنطوي على آذار ديموغرافية وسياسية طويلة الأمد على دولة إسرائيل"، وبالتالي أمام ما يعنيه هذا من خطر على الخطة الأصلية لتهويد المدينة ينصح التقرير صناع القرار في الكيان بدراسة معمقة لهذا الأمر في ظل أن الخطة تتجاهل ظاهريا، مسألة مستقبل المدينة حتى حلول موعد التسوية السياسية، إلا أن التطبيق العملاني للخطة سيكون له تأثير على التسوية وهذا واضح طبعا لجهة أن هذا ينصب أيضا في إجراءات الأمر الواقع التي يفرضها المحتل وصولا لعتبة لاينكن التفاوض عليها.

تلخيصا، ولأن هذا القرار ينطوي كما يرى التقرير على أهمية قضائية وأخلاقية من جانب، إلا أنه يعترف أنه ذو إسقاطات سياسية ودبلوماسية جدية من جانب آخر، هنالك حاجة إلى اقتراح عدة توصيات منظوماتية:

أولا: على الحكومة أن تأخذ في الحسبان أن مخطط تقليص الفوارق، إن شمل إخراج الأحياء الشمالية من القدس الشرقية، سيُنظر إليه من قبل المجتمع الدولي والدول العربية معا كخطوة لتعزيز ضم شرقي القدس، ومن المتوقع أن تعارض هذه الدول الخطة بشراسة، بناء عليه، برزت الحاجة إلى التعامل مع هذه الخطة أيضا في السياق الدبلوماسي الذي يتمحور حول موضوع القدس في مفاوضات مستقبلية.

ثانيا: على الحكومة أن تعيد النظر في مسألة استبعاد الأحياء الشمالية الواقعة خلف الجدار الأمني من المخطط، فالأمر سيمس بفرص نجاح الخطة: إن التوتر القائم أصلا، الذي سيتعزز بين سكان المدينة المستفيدين من الخطة وبين أولئك من غير المشمولين فيها، سيردع المجموعة الأولى من التعاون مع السلطات في تطبيقها. هذا، بالطبع، إن تشكّلت أصلا ديناميكية إيجابية لتطبيق منظم للخطة

ثالثا: على الحكومة أن تستعد لمواجهة المصاعب القضائية والمقاومة المرتقبة حول موضوع تسجيل الأراضي، فالكثيرين من أصحاب العقارات غائبون ويقطنون منذ حرب الأيام الستة في الأردن، وهؤلاء يخشون أن تضع الحكومة يدها على أملاكهم لأغراض تطوير وبناء المباني العامة.

رابعا: ينبغي الاعتراف بأن المحاولات التي جرت في العالم في الماضي في فرض التغييرات في المناهج التعليمية للأقليات قد باءت بالفشل، بل وقد عمّقت النزاعات، هنالك حاجة إلى خطة تسويقية مفصلة لهذه المسألة الهامة، تشمل مكافآت كبيرة للسكان.

خامسا: مبدئيا، ستكون هنالك حاجة إلى جهود خاصة من أجل تجنيد جهات فلسطينية محلية تؤيد تطبيق الخطة بشكل نشط وعملاني، ودمجهم كرواد محليين في مكونات الخطة. سيكون من الصعب، إن لم يتم إحراز نجاح في هذا المضمار، تحقيق نجاح في الخطة بأسرها.

سادسا: لغرض زيادة فرص نجاح الخطة، من المهم التركيز أيضا على عملية عرضها

انشر عبر
المزيد