لماذا يطبّعون علاقاتهم مع العدو؟

06 تشرين الثاني 2018 - 10:44 - الثلاثاء 06 تشرين الثاني 2018, 10:44:04

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

امتدّت ظاهرة تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني ومستوطنيه في الفترة الأخيرة لتشمل دولاً وأفراداً ومؤسسات تعمل في مجالات عديدة، أمنية ومالية وتجارية وعلمية وغيرها. وغدت أخبار الهرولة نحو التطبيع تحتل صفحات الصحف اليومية، ما يطرح أسئلة عدة، حول أنواع التطبيع وأسبابه.

تقيم بعض الدول العربية علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني، مع تبادل للسفراء، كمصر والأردن، بعد إنهاء حالة العداء مع الكيان المحتل بتوقيع اتفاقيات "سلام" (كامب ديفيد - 1979 ووادي عربة - 1994). وأقامت دول عربية أخرى علاقات رسمية مع تبادل للسفراء دون اتفاقات، مثل موريتانيا، وأخرى دون تبادل للسفراء منذ مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو، كقطر وتونس والمغرب، واستعاضت عن السفارات بفتح مكاتب تجارية رسمية للعدو؛ غير أن هذه العلاقات الرسمية لم تستقر، بسبب الضغوط الشعبية خلال انتفاضة الأقصى (تونس، قطر) والحروب على قطاع غزة (موريتانيا التي قطعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني عام 2010). كما أقامت أنظمة عربية علاقات غير رسمية مع كيان العدو، تجسّدت بزيارات ولقاءات وصفقات تجارية أو أسلحة، وتعاون أمني، وتسهيل هجرة اليهود إلى الكيان، وذلك منذ ستينيات القرن الماضي. رغم إقامة هذه العلاقات، لم يتحول المشهد التطبيعي في العالم العربي والإسلامي إلى حالة ملفتة، إذ بقي محصوراً ومحاصراً ضمن قنوات معروفة أو سرّية، دون نفي أهميته وخطورته وتأثيره على الصراع العربي - الصهيوني.

أما اليوم، فبات المشهد التطبيعي يضم دولاً وأفراداً ومؤسسات وجمعيات وشركات يتزاحمون لإقامة علاقات شراكة أو صداقة، تنافسية أو مهنية، مع الكيان الصهيوني ومؤسساته ومستوطنيه، وكأنه أصبح كياناً مختلفاً، توقّف عن القتل والسرقة والتحريف والكذب، وأعاد ما سرقه إلى أصحابه. لماذا يلهث كل هؤلاء للتقرّب من عدو ما زال يقتل ويسرق ويدنّس المقدسات ويعتدي على كل من لا يطيعه ويخدمه؟

تشير التحليلات السياسية إلى مفصلين مهمين شكلا انعطافة في مسار التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، وهما، أولاً اتفاقيات أوسلو ومؤتمر مدريد الذي سبقها في بدايات التسعينيات، وثانياً الحروب الفاشلة التي شنها العدو ضد المقاومة في لبنان وفلسطين (غزة) في النصف الثاني من الألفية الثانية، حيث توضحت صورة انتماء المقاومة إلى محور معارض للهيمنة الأميركية على المنطقة تقوده الجمهورية الإسلامية في إيران، مقابل محور سمّي بـ"المعتدل"، يضم دولاً وقوى سياسية واقتصادية عربية تدعم أو ترضخ للنفوذ والمشاريع الأميركية في المنطقة. لقد فتحت اتفاقيات أوسلو ومؤتمر مدريد باب التطبيع المجتمعي مع الاحتلال كونها كسرت نوعاً من المناعة العربية أمام أي علاقة واعتراف بالكيان الصهيوني، في حين عزّزت سياسة المحاور العربية (مع أو ضد النفوذ الأميركي)، بدعم الكيان الصهيوني المباشر والجلي، إلى استبدال العداء للكيان الصهيوني بالعداء لإيران من قبل دول محور "الاعتدال"، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والفتن لتسهيل مهمته. يراد من وراء ذلك محو وصف الكيان الصهيوني بأنه العدو التاريخي للأمة العربية والإسلامية، وتقديمه كشريك في محاربة "النفوذ الإيراني" في المنطقة، أو كما قال رون ديمر سفير الكيان المحتل لدى الولايات المتحدة، "شريكاً محتملاً في مواجهة إيران والإسلام السني الراديكالي".

شكّلت هذه الأجواء السياسية المشحونة أرضاً خصبة لكل المطبعيّن، وعلى المستويات المؤسساتية والفرية كافة؛ إلا أن الأسباب الحقيقية لوقوعهم في جرم التطبيع تعود جذورها إلى أبعد من الأزمات العربية الحالية والعداء المفتعل لإيران. تشير الدراسات حول الموضوع إلى الدور الذي لعبته المنظمات غير الحكومية والحكومات الغربية، الأوروبية والأميركية، والمؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، لإعادة صياغة الوعي العربي بالنسبة للصراع العربي الصهيوني والمسائل المتعلقة به، كالتنمية والتجزئة والحريات وحقوق الشعوب، ودور الأحزاب والقوى المقاومة، ومفاهيم الجهاد والتضحية والمقاومة والوحدة، وذلك بعد مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو، وخاصة بعد أحداث 11 ايلول 2001، للقضاء على أي تفاعل شعبي عربي مع تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الصهيوني وانتفاضة الأقصى ومنع التطلّع إلى مستقبل متحرّر من الهيمنة الأجنبية.

من بين الأفكار التي بثتها هذه المنظومة الدولية والتي تسربّت إلى عقول الشعوب العربية، فكرة التمييز بين قيادة وجيش الكيان الصهيوني من جهة ومجتمعه ومستوطنيه من جهة أخرى، حيث يبرّر عدد من المطبّعين تصرفاتهم بأنهم يتعاملون مع شركات أو أفراد أو جمعيات لم تقتل ولم تسرق، في حين أن الجميع يعرف أن كل فرد من المجتمع الصهيوني شارك في الحروب التي شنّها ضد الفلسطينيين والعرب، أو كما ورد في الوثيقة السياسية لحركة الجهاد الإسلامي، فـ"كل فرد في الكيان هو جندي في إجازة مؤقتة"، و"الحياة العسكرية في الكيان هي الأصل"، وأن معظم الشركات تعمل لصالح المشروع الصهيوني العنصري والتوسعي. يتباهى الصحافيون والفنانون والرياضيون المطبعّون بعلاقاتهم مع مستوطني الكيان، باعتبارهم أفراداً يعيشون في دولة اسمها "إسرائيل"، دون النظر إلى دور هذا الفرد المستوطن في المشروع الصهيوني. وبالتوازي مع هذا التمييز بين القيادة و"الشعب"، بثّت المنظومة الدولية عبر قنواتها فكرة الفصل بين السياسة من جهة والرياضة والثقافة والتجارة من جهة أخرى، في حين أنها وظّفت وتوظّف الرياضة والفن والتجارة في مشاريعها السياسية، كما بدا المشهد واضحاً في كل المظاهرات الثقافية التي تقيمها الدولة الفرنسية مثلاً وملحقاتها الثقافية في الدول العربية (ومنها معرض الكتاب الفرنكفوني في بيروت)، وكما ترّوج المؤسسات الدولية للمباريات الرياضية بالقول أنها "وسيلة للتعارف والسلام"، أي أن المشاركة بالمباريات الرياضية الدولية تقوم بدور سياسي مهم، وتمهّد للتطبيع مع الكيان المحتل، بالنسبة للشعوب العربية. لقد توضحت الصورة في الآونة الأخيرة في بعض الدول الخليجية، حيث رفرف العلم الصهيوني على أراض عربية، بحجة المباريات الرياضية.

منذ اتفاقيات أوسلو ومؤتمر مدريد، اعتبرت المنظومة الدولية وإعلامها أن رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه مرتبط بطبيعة الأنظمة العربية الحاكمة التي صنّفت بالقومية، وليس بوجدان الشعوب العربية، ونادت بإطلاق الحريات في هذه الدول العربية، ظناً منها أو متوّهمة أن حرية التعبير ستقود إلى التطبيع، وكأن الشعوب متعطشة للعلاقة مع المستوطنين الصهاينة. ولكنها كانت فعلاً تطالب بحرية العمل والتعبير لكل من يتماهى مع مشاريع الهيمنة الغربية على الوطن العربي، وكانت تخشى بالمقابل حرية العمل والتعبير للفئات الشعبية المتمسكة بعقيدتها وثقافتها ووطنيتها والرافضة للاعتراف بالكيان الصهيوني. تمت محاربة فكرة الوحدة العربية وكل من ينادي بها، والترويج لفكرة تجزئة المجزأ بمسمى حرية الأقليات، لتفقد القضية الفلسطينية مركزيتها في الوجدان العربي والإسلامي، ما قد يسهّل عملية التطبيع، حيث يصبح كيان الاحتلال كياناً "طبيعياً" ويصبح مستوطنوه "شعباً" كباقي شعوب المنطقة. على سبيل المثال، يعتبر المطبّع المصري مايكل نبيل سند الذي حاضر في الجامعات الصهيونية في العام 2012 أن "القومية العربية مجرد أسطورة" في حين أن "الصهيونية نمت في إسرائيل لحماية الشعب الإسرائيلي ممن حوله"، ويبرّر عدد من المطبّعين علاقاتهم مع المستوطنين الصهاينة ومؤسساتهم بنقدهم للأنظمة القومية التي فرضت، حسب ادعاءاتهم، العداء للكيان على شعوبها، التي تتمنى حسب أقوالهم التعايش مع الجميع، لأنها مسالمة.

لم تتمكن هذه الأفكار من التغلغل في المجتمعات العربية إلا بسبب الهيمنة الغربية وخاصة الأميركية، الاقتصادية والأمنية والثقافية، على المنطقة، لأنها غير أصيلة ولا تنبع من تاريخ الأمة العربية والإسلامية، وغير متجذرة في وجدان شعوبها. يمكن مواجهتها ومواجهة ظاهرة التطبيع الملاصق لها بالتمسك بمركزية القضية الفلسطينية ودعم ومساندة مقاومة العدو الصهيوني، وتوضيح دور الكيان الصهيوني، مستوطنيه وداعميه في المجازر المتتالية بحق شعوب الأمة، والسعي إلى وحدة شعوب الأمة ضد الهيمنة الغربية، وخاصة الأميركية.

انشر عبر
المزيد