العلاقات الإفريقية الصهيونية - نموذج نيجيريا

22 تشرين الأول 2018 - 09:49 - الإثنين 22 تشرين الأول 2018, 09:49:10

وكالة القدس للأنباء - متابعة

دراسة بقلم / الطاهر المعز

دعم الكيان الصهيوني نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، والإستعمار البرتغالي في أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، ودعم الحركات الإنفصالية المُسلّحة في عدد من مقاطعات الكونغو (كَسّاي) ونيجيريا (بيافرا) وجنوب السودان وغيرها، وسبق أن قطعت الدول الإفريقية علاقاتها مع الكيان الصهيوني بعد عُدوان 1967، ثم إثر حرب "التّحْرِيك" سنة 1973، ولكن بعد تطبيع علاقات النظام المصري (1979) وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية مع الكيان الصهيوني، لم يتطلب التغلغل الصهيوني جهودًا كبيرة، ونشطت الدبلوماسية الصهيونية ضمن استراتيجية تضمن قسمًا كبيرًا من أصوات الدول الإفريقية في الأمم المتحدة ومنظماتها، لمعارضة لوائح إدانة الممارسات الصهيونية (وليس الكيان برُمّتِهِ) في مؤتمرات حقوق الإنسان أو اليونسكو أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، وخفض التعاطف مع نضال الشعب الفلسطيني، ويعول الكيان الصهيوني على أصوات آسيا وإفريقيا لاحتلال مقعد غير دائم في مجلس الأمن...

يُرَكِّزُ الكيان الصهيوني في دعايته على "النجاح في مكافحة الإرهاب" (أي نضال الشعب الفلسطيني، الذي لم يَعُد مُسَلّحًا، منذ أصبحت الأجهزة الأمنية الفلسطينية تتكفّل باعتقال المقاومين، بالقلم وباللسان)، لتدريب قوى القمع في العالم، في أوروبا كما في أمريكا الجنوبية وإفريقيا والصين والفلبين وغيرها، وارتفعت قيمة وحجم الإتفاقيات الصهيونية الإفريقية في المجال العسكري والأمني والإستخباراتي، وتورد البيانات الرسمية أرقامًا صغيرة لمبيعات الأسلحة الصهيونية لإفريقيا بنحو 71 مليون دولار سنة 2009 و 223 مليون دولار سنة 2013  و 318 مليون دولار سنة 2014، لكن بعض الدراسات تعتبر إن قيمة المبيعات تفوق هذه الأرقام بكثير، وإن 60% من إيرادات الصناعات العسكرية الصهيونية مَصْدَرُها قارّة إفريقيا، سواء من المبيعات الرسمية للدول، أو من مبيعات السلاح للمجموعات الإرهابية والإنفصالية في عدد كبير من دول إفريقيا، وقُدِّرت قيمة هذه المبيعات بنحو 7,5 مليارات دولارا سنة 2015 وبقرابة 6,5 مليارات دولارا سنة 2016...

نظم الكيان الصهيوني في مدينة القُدْس المُحتلّة، في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2016 مؤتمرًا زراعيًّا خاصًّا بدول إفريقيا الغربية يدوم ثلاثة أيام، تحت عنوان “تقوية الإنتاجية الزراعية المستدامة بالمناطق الجافة وشبه الجافة”، وشارك فيه ممثلون عن ثمانية وثلاثين دولة إفريقية، ومن بينهم سبعة وزراء خارجية (توغو والرأس الأخضر وسيراليون وغامبيا وغينيا وليبيريا ونيجيريا) وممثلون عن حكومات بنين وبوركينافاسو وساحل العاج وغانا وغينيا بيساو والسنغال، وغيرها، وفي الرابع من شهر حزيران/يونيو 2017 (في الذكرى الخمسين لعدوان حزيران 1967) كان رئيس حكومة العدو "نتن ياهو" ضيف الشرف في منروفيا (عاصمة ليبيريا) في المؤتمر الرئاسي الحادي والخمسين لمنظمة التعاون الإقتصادي بغرب إفريقيا (إيكواس)، وفي حزيران/يونيو 2014، قام وزير الخارجية الصهيوني آنذاك "أفيغدور ليبرمان" بزيارة رواندا والحبشة وكينيا بشرق إفريقيا، وكذلك غانا وساحل العاج بغرب إفريقيا، لجس النبض بشأن حصول دولة الإحتلال على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي، وكانت تلك الزيارة إيذانًا بانتقال دولة العدو من شرق إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي إلى غربها، حيث طورت العلاقات في شرق إفريقيا منذ عقود طويلة مع أوغندا وكينيا والحبشة وإريتريا، وهي منطقة استراتيجية، تقع قبالة الخليج العربي وقريبًا من إيران، ثم تطورت العلاقات بشكل سريع مع رواندا في كافة المجدالات، وزار نتن ياهو (صيف سنة 2016) أوغندا وكينيا والحبشة ورواندا، مع التّركيز في كافة هذه الزيارات على العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية والعسكرية في نفس الوقت...

شكل هذا التطور اختراقًا هامًّا للكيان الصهيوني، بشكل متكامل مع تطور العلاقات الإقتصادية مع الصين، ومع أمريكا التي ركّزت على البرنامج العسكري "أفريكوم"، وعلى العلاقات مع الدول النفطية "الكبيرة" مثل نيجيريا، التي يعيش حوالي مليون من مواطنيها في الولايات المتحدة (سنة 2016)، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 18,2 مليار دولار سنة 2013، وأعلن قائد "أفريكوم" قبل أكثر من عشر سنوات (سنة 2007): "إن مهمة الجيش الأمريكي في إفريقيا تتمثل في ضمان السٌيطرة الكاملة على المناطق النفطية في نيجيريا وفي خليج غينيا، إذ يُتوقع إن تستورد الولايات المتحدة نحو 25% من إجمالي وارداتها النفطية من هذه المنطقة، سنة 2025..."، ولكن في الأثناء، تطورت تقنيات استخراج النفط الصخري، ولم تستورد أمريكا نفطًا نيجيريًّا منذ 2016، لأن النفط النيجيري نفط "خفيف"، له نفس مواصفات النفط الصّخْرِي، وعملت أمريكا، ولا تزال تعمل على تفتيت الدول الكبيرة والغنية بالموارد مثل نيجيريا، كما فعلت بالسودان وبالكونغو ووسط إفريقيا، وأعلنت صحيفة "واشنطن بوست" سنة 2014 وجود مستشارين ومدربين عسكريين وجنود وقواعد عسكرية في ما لا يقل عن 12 بلدًا إفريقيا (من ضمنها نيجيريا) وأعلن الرئيس الحالي "محمد بُخاري" إنه يريد "تحسين العلاقات مع أمريكا في مجالات الأمن، وزيادة دورات التّدريب العسكري، ومحاربة إرهابِيِّي توكو حرام، كما تُحارب داعش في سوريا والعراق" (افتتاحية صحيفة "نيويورك تايمز" بتوقيعه يوم السبت 14 نيسان/ابريل 2018)، وأثارت هذه الإفتتاحية بقلم الرئيس النيجيري (وهو جنرال متقاعد) استياءً كبيرًا لدى مواطني نيجيريا... 

أوردنا هذه الفقرة لإظهار التنسيق بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، لتقاسم النفوذ في إفريقيا، ونود إظهار التركيز على نيجيريا، أكبر بلد في إفريقيا من حيث عدد السكان (معظمهم مسلمون) وأكبر بلد مصدّر للنفط في إفريقيا، وكنا ذكرنا مشاركة وزير خارجيتها في مؤتمر صهيوني - إفريقي في القُدس في كانون الأول 2016، رغم التعاطف الذي تعبر عنه أغلبية الشعب في نيجيريا مع القضية الفلسطينية، خصوصًا في شمال البلاد، حيث حصل "محمد بوخاري" على أكبر عدد من الأصوات في الإنتخابات الرئاسية (سنة 2015)، لكن تراجع الدعم العربي للقضية الفلسطينية شَجّع بقية الأنظمة سواء في إفريقيا أو في آسيا على تنمية العلاقات مع الكيان الصّهيوني الذي يُخَطِّطُ باستمرار لغزو المناطق التي يمكنها شراء السلاح والسلع الأخرى، بالإضافة إلى التخطيط بعيد المدى، ليقبل العالم بالكيان الصهيوني كدولة "عادية" أو "طبيعية"، وليست دولة مُسْتوطِنِين جاؤوا من الخارج، للإستيلاء على وطن شعب آخر، ورَكّز "المركز الإسرائيلي للتعاون الدولي" على الفوائد التي يمكن للدول الإفريقية (وغير الإفريقية) أن تجنيها من علاقاتها مع الكيان الصهيوني في مجالات التكنولوجيا والتدريب والتّأهيل في مجالات الزراعة والأمن والتقنيات الحديثة (الإتصالات والحواسيب...)، وتطورت العلاقات مع نيجيريا منذ 2006 على مستوى وزارتَيْ خارجية الدولَتَيْن، حيث افتتح الإحتلال سفارة في العاصمة الإدارية "أبوجا"، وأصبحت نيجيريا أحد أهم أسواق السلاح الصهيوني، وبذلك طمست الحكومات النيجيرية (خصوصًا خلال فترة الرئيسين "جوناثان غودلاك" و"محمد بُخاري") التاريخ المظلم للصهاينة في نيجيريا، ودعمهم لانفصالِيِّي إقليم "بيافرا" الذين شنوا حربًا على الدولة الإتحادية دامت من تموز/يوليو 1967 إلى كانون الثاني/يناير 1970، بقيادة العقيد "أوجوكوو" وبدعم قوي من شركات النفط والكيان الصهيوني ونظام جنوب إفريقيا العنصري وفرنسا والإستعمار البرتغالي، بينما دعمت مصر (خلال حكم جمال عبد الناصر ) والجزائر وسوريا والإتحاد السوفييتي الدولة الإتحادية النِّيجِيرية، وأدّت تلك الحرب إلى سقوط اكثر من مليون قتيل، قبل أن يستسلم جنود "بيافرا" في كانون الثاني/يناير 1970 للجيش النيجيري، وأعلنوا تخلِّيهم عن حلمهم بالانفصال، لكن القضية لا تزال بالغة الحساسية، رغم مرور خمسة عقود على بداية الحرب الأهلية... 

بقيت علاقات الكيان الصهيوني متينة مع الإنفصاليين ومع أثرياء وأعيان إقليم "بيافرا"، ولن يتردّد في دعم (وربما إشعال نار) حرب انفصالية جديدة، حين تكون الظروف ملائمة، للسيطرة الكاملة على أكبر بلد افريقي...

من الأعيان الذين يرعاهم الكيان الصهيوني في إقليم "بيافرا" النيجيري، "نامدي كانو"، وهو مُضارب عقاري (سمسار) سابق في لندن، وأصبح زعيمًا لحركة "شعوب بيافرا الأصلية" التي تطالب بانشاء دولة مستقلة في جنوب شرق البلاد، وساعدها الكيان الصهيوني على إنشاء جهاز اتصالات ومحطة "راديو بيافرا" التي تحظرها السلطات المركزية والإقليمية، وتسببت هذه الحركة في تصعيد التّوتّر في الإقليم، مما أدّى إلى اعتقال زعيمها "نامدي كانو" في تشرين الأول/اكتوبر 2015، وأَطْلَق القضاء سراحة بكفالة في شهر نيسان/ابريل 2017، على أن يمثل مجدّدًا أمام المحكمة لمواجهة تُهَمة الخيانة وتعريض أمن البلاد للخطر، واختفى عن الأنظار منذ شهر أيلول/سبتمبر 2017، واتهم مُحامِيه الجيش النيجيري بإخفاء موكله او بقتله، وبعد سنة لم يمثل "كانو" أمام المحكمة مجددا، ما أثار تساؤلات عديدة حول حقيقة الأمر...

نشرت مواقع التواصل المُسَمّى "اجتماعي" يوم الجمعة 19 تشرين الأول/اكتوبر 2018 أشرطة مُصورة (فيديو) يُظهر "نامدي كانو" وهو يصلي عند حائط المبكى في القدس، وكان يَزْعَمُ منذ بضعة سنوات "إن شعب إغبو - الذي يسكن في إقليم بيافرا- يعود تاريخه إلى قبيلة إسرائيلية مفقودة" وادّعى إن مهمته تتمثل في أنّ يقودهم "إلى أرض بيافرا الموعودة" (أي إلى فلسطين المحتلة)، وظهر في الشريط وعلى رأسه قلنسوة يهودية وعلى كتفيه رداء الصلاة اليهودي وبجانبه رايات الكيان الصهيوني، وأكّد مُحاميه (الذي سبق وأن اتهم الجيش باختطاف موكّله وبقتله) وكذلك شقيقه الأصغر وجوده بالفعل في فلسطين المحتلة... ومع ذلك يُمْعِن الرئيس النيجيري "محمد بُخاري" في تمتين العلاقات مع الكيان الصهيوني، ويُمْعن في مشاركة جيش بلاده (وهو الجنرال المُتقاعد) إلى جانب السعودية في العُدْوان على الشعب اليمَنِي، ولكنه يُهمل فقراء بلاده الذين تفوق نسبتهم 70% (تحت خط الفقر) من إجمالي سكان البلاد (حوالي 175 نسمة )، من بينهم حوالي 15 مليون نسمة يعانون من الجوع، ومن صعوبات كبيرة في الحُصُول على الغذاء اليومي، رغم تصنيف اقتصاد البلاد كأكبر اقتصاد إفريقي بناتج محلي إجمالي يزيد عن 510 مليارات دولارا (سنة 2015) وكأكبر مُصدّر إفريقي للنفط، وصنفت مجلة "فوربس" الملياردير النيجيري "أليكو دانغوتي" كأثرى رجل في إفريقيا منذ سنوات عديدة... 

عرف الفلسطينيون ومساندو الشعب الفلسطيني المناضلة والأسيرة المُحَرَّرَة "فاطمة برناوي" (وأختها المُقاومة إحسان وأخاها المقاتل محمد)، وحكم عليها الإحتلال بالسجن المُؤبّد سنة 1968، وقضت عشر سنوات قبل الإفراج عنها ضمن عملية فدائية، أدْرَج منفذوها (من منظمة فدائية غير التي تنتمي إليها) مطلب الإفراج عنها ضمن المطالب، وكان والد "فاطمة برناوي" من نيجيريا، وجاء للحج، وعَرّج على القُدس في ثلاثينيات القرن العشرين (وُلدت فاطمة سنة 1939) والتقى الحاج أمين الحُسَيْنِي وقاتل إلى جانبه وناضل في "ثورة 36" وبقي هناك وأصبح فلسطينيًّا واعتقله الإحتلال البريطاني...

بودّنا حِفظ هذه الصورة عن نيجيريا وعن شعب نيجيريا في ذاكرتنا، بدل الحكام الذين تفوح منهم رائحة النفط والعمالة...  

 (البيانات التاريخية من مجلة "جون أفريك" ومن موقع "بي بي سي" + وثائق شخصية، أما البيانات الحديثة فهي من وكالة فرنس برس "أ.ف.ب 20/10/18)

المصدر: https://kanaanonline.org/2018/10/22/

انشر عبر
المزيد