قراءة في مضمون الخطاب ومبادرة النقاط الخمس*

17 تشرين الأول 2018 - 12:03 - الأربعاء 17 تشرين الأول 2018, 12:03:47

الأستاذ زياد النخالة
الأستاذ زياد النخالة

وكالة القدس للأنباء - متابعة

مدخل:

جاء الخطاب الذي ألقاه الأمين العام المنتخب لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الأخ "زياد النَخَالة" ليتوج عملية تنظيمية داخلية، نَفَخَت الروح في الحركة عبر استنهاض المفاهيم الديمقراطية وتأصيلها، من أجل بناء المؤسسات والهيئات التنظيمية ضمن ضوابط النظام الداخلي للحركة، التي كان أحد أهم أهداف تلك العملية "الهيئة الانتخابية" التي أنجزت أعمالها خلال فترة زمنية امتدت أشهراً، بسبب تعقيدات الوضع: جغرافياً وأمنياً، وانتهت بانتخاب الهيئة القيادية الأولى ومسؤولها الأول: الأمين العام.

وفي اعتقادي أن تلك الخطوات التي مهدت للمؤتمرات الداخلية في مناطق تواجد الحركة، التي أوصلت مندوبي كل ساحة أو قطاع لعضوية المؤتمر، عانت من بعض الثغرات- هي ظواهر ملازمة لمثل تلك الخطوات- خاصة، مع حركة سياسية وكفاحية مناضلة، استهدفها العدو الصهيوني والإمبريالي على مدار ثلاثة عقود، منذ إعلان تأسيسها. ولهذا، فإن واحدة من أبرز المهمات الراهنة على صعيد الوضع الداخلي، إعادة فتح قنوات الحوار مع عدد من الأخوة الذين أفنوا حياتهم في المسيرة الجهادية للحركة، من أجل إعادة ترتيب الوضع التنظيمي بما يُعزز دورها الفكري والسياسي والتنظيمي والعسكري في صفوف شعبها وداخل الحياة السياسية لحركة التحرر الفلسطينية.

 مبادرة النقاط الخمس

 إن وقفة تحليلية ونقدية لمبادرة النقاط الخمس، يجب أن تنطلق من البيئة السياسية التي عبَّرت عن مضمونها فقرات الخطاب التي شكلت فيها تلك النقاط، نبضات الحياة. لهذا فإن الإضاءة على مجمل الخطاب، مروراً على مبادرة النقاط العشر التي أعلنها الأمين العام السابق للحركة، الدكتور رمضان عبد الله شَلَّح، الذي نتمنى له الشفاء والعافية، في ذكرى انطلاقة الحركة واغتيال مؤسسها الدكتور الشهيد "فتحي الشقاقي" في 26-10-2016، ستقودنا لمعرفة الأهداف التي تسعى حركة الجهاد مع القوى والهيئات والشخصيات الوطنية، لتحقيقها.

شكلت مبادرة النقاط العشر، خارطة طريق للخروج من حالة الانهيار التي هيمنت على الساحة السياسية الفلسطينية، وقد أعادت من حيث شموليتها، فتح الملفات لإعادة قراءة ما كانت قد طرحته عدة قوى سياسية للخروج من تلك الحالة قبل عدة أشهر. وفي تقديري، فإن تلك المُبادرة قد شخصت وحددت أسباب حالة الإنهيار من خلال عدة بنود هي:

البند الأول: إلغاء اتفاق أوسلو من الجانب الفلسطيني، وأن يوقف العمل به في كل المجالات. وهذا ما أكد عليه نائب الأمين العام الأخ زياد نخالة في حوار مع موقع فلسطين اليوم 6/11/2016 أجرته معه حول المبادرة إذ يقول: "اتفاق أوسلو لعنة كبيرة في تاريخ الشعب الفلسطيني، فهو قسّم الشعب وضيّع الأرض والحقوق".

البند الثاني: أن تعلن منظمة التحرير سحب الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني "إسرائيل"؛ لأن هذا الاعتراف هو أم الكبائر والمصائب والكوارث في التاريخ الفلسطيني، حيث تنازل صاحب الحق عن وطنه التاريخي فلسطين، لعدوه الذي بنى حقه على الأكاذيب والأساطير والخرافات، ويحتفل في العام القادم بذكرى مائة عام على وعد بلفور وخمسين سنة على احتلال القدس، وعادت المنظمة بأقل من خفي حنين.

البند الثالث: أن يعاد بناء منظمة التحرير الفلسطينية، لتصبح هي الإطار الوطني الجامع الذي يضم ويمثل كل قوى وأبناء الشعب الفلسطيني؛ فمنظمة التحرير التي مشت في جنازة (شمعون) بيريز لا تمثل في ذلك قطاعاً واسعاً من حركة فتح، فضلاً عن أن تمثل الجهاد وحماس وبقية القوى والفصائل وغيرهم.

البند الرابع: إعلان أن المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ما زالت مرحلة تحرر وطني من الاحتلال، وأن الأولوية هي لمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة بما فيها المقاومة المسلحة، وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للمقاومة بل وللثورة الفلسطينية وتعزيز وتطوير انتفاضة القدس لتصبح انتفاضة شاملة وقادرة على هزيمة الاحتلال ودحره عن أرضنا بلا قيد أو شرط.

البند الخامس: إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، وصياغة برنامج وطني جديد وموحد، وإعداد استراتيجية جديدة شاملة على قاعدة التحلل من اتفاق أوسلو، بما ينهي وجود سلطتين وكيانين في غزة ورام الله، وينهي حالة الصدام القائمة بين برنامجين، أحدهما متمسك بالمقاومة ورافض للاحتلال؛ والآخر يجرّم المقاومة ويلاحقها بالشراكة مع الاحتلال والتنسيق الأمني. باختصار، لقد شكلت تلك البنود قلب المبادرة العُشرية.

 في تحليل خطاب الأمين العام الذي تم بثه في موقع "ملكة" يوم الجمعة 5/10/2018 تبرز أهمية المكان والزمان. إذ يُشكل الموقع أهم نقاط التجمع الشعبي للتحرك في مسيرات العودة الأسبوعية نحو الوطن المحتل منذ عام 1948. أما التوقيت، فقد جاء في ختام العملية الانتخابية للحركة، وبعد يوم على الاستعراض العسكري الذي قامت به "سرايا القدس" الذراع العسكري المقاتل للحركة والتي ظهر خلاله جيل جديد من الصواريخ – بعض الإعلاميين والسياسيين الذين يعبرون عن موقف سياسي هابط لعتبات اتفاق أوسلو الكارثي غمزوا من هذا السلاح وشككوا في دوره الكفاحي -. كما أن إعلان الخطاب توافق مع الذكرى الثالثة لهبة شباب القدس في مقاومتهم للغزاة المحتلين، بدءاً من عملية الطعن التي نفذها الفدائي الشاب، عضو الحركة، الشهيد "مهند الحلبي" وافتتح بها مرحلة جديدة من موجات المواجهة العنيفة في الانتفاضة "السلاح الأبيض والناري والدهس" مع المحتلين.

تميز كلام الأمين العام بالتقاطه للقضايا الساخنة والتعامل معها بموقف نقدي وثوري لا يعرف أنصاف المواقف ولا "حَمَّال الأوجه": "إنَّ الحصارَ المفروضَ ظلمًا وعدوانًا يجبُ أن ينتهيَ، وفي هذا السياقِ لا بدَّ إلا أن نتحدثَ عن ملفِ المصالحةِ الذي له عَلاقةٌ مباشرةٌ بالحصارِ... هذا الحصارُ الذي يشاركُ بهِ إخوتُنا في السلطةِ، تحتَ دعاوى غيرِ عادلةٍ. لقد آنَ للسلطةِ الفلسطينيةِ أن تدركَ أنَّ المشروعَ الوطنيَّ الفلسطينيَّ يتآكلُ لصالحِ المشروعِ الصهيونيِّ... لذلك نقولُ للأخ أبو مازن: لا يمكنُ أن تُخاطبَ العدوَّ التاريخيَّ لشعبِنا وأمتِنا بالسلامِ، ومبادراتِ السلامِ، وتقديمِ التنازلاتِ... وتخاطبَنا بلغةِ الحربِ، ولغةِ العقوبات. وهناك متسعٌ لنا ولكَ في هذا المكانِ على قاعدةِ وحدةِ الشعبِ الفلسطينيِّ، ووحدةِ قواهُ السياسيةِ لمواجهةِ محاولاتِ تصفيةِ القضيةِ الفلسطينيةِ، والتي ابتدأَتْ باعتبارِ القدسِ عاصمةً لإسرائيلَ، فلا تجعلِ المكابرةَ تقتلُ قلبَكَ، وتقتلُ عقلَكَ، فنحن نرى أنَّ الوقتَ قد حانَ لأن نجلسَ ونبنيَ جسورَ الثقةِ، ونتجاوزَ الحزبيةَ القاتلةَ، ونبدأَ مع شعبِنا العظيمِ مسيرةَ الحريةِ من جديدٍ". إنتهى الاقتباس

وأتوقف هنا للعودة لتلك المقابلة مع موقع فلسطين اليوم قبل عامين تقريباً، والتي أجاب فيها الأخ أبو طارق على سؤال عن موقف رئيس السلطة من المبادرة العُشرية، قائلاً: "لم يكن عندنا أمل واحد بالمئة بتفاعل أبو مازن معها... لكن الأمين العام توجه له بالخطاب كي يتحمل مسؤوليته، ولأن مستقبل ومصير فلسطين لا يقرره فصيل أو تنظيم بمفرده". ونسأل الآن: هل زادت نسبة الآمال والتمنيات لتفاعل أبو مازن مع المبادرة الجديدة بنقاطها الخمس؟؟.

كما سأتوقف سريعاً عند استهداف الأمين العام للمركز الإمبريالي العالمي، دولة التوحش والنهب والعدوان: الولايات المتحدة الأمريكية، بموقف ثوري واضح. يقول الأخ أبو طارق: "إنَّ أميركا لن تكونَ حليفةً لشعوبِنا وأمتِنا، ولن نحتميَ بها من أنفسِنا، ونعطيَها بدواعٍ كاذبةٍ كلَّ ما نملكُ".

 كما أن الخطاب خصص فقرة خاصة، بمضمون واضح ومباشر لايقبل التأويل، لمن يتآمر ويُسمسر على قضية الشعب الفلسطيني، والأمة العربية التي يُفرط بثرواتها بالقول: "لْيعلمَ أولئكَ الذينَ يعتقدونَ أنَّ بامتلاكِهم المالَ يستطيعونَ أن يَهَبُوا فلسطينَ والقدسَ، كما يَهَبُونَ أموالَهم ونفطَهم للغزاةِ والقتلةِ. ولن يستطيعَ أحدٌ مهما علا شأنُهُ أن يقدمَ القدسَ ويقدمَ فلسطينَ قربانًا لبقاءِ عرشِهِ وملكِهِ. فإنَّ هذا يتناقضُ مع التاريخِ، ويفتتُ الجغرافيا، ويمزقُ العقيدةَ. فمن يجرؤُ أن يكونَ حصانَ طروادةَ هذا العصرِ في مواجهةِ أمةٍ بتاريخِها وعقيدتِها؟!" والذينَ يَهَبُونَ التاريخَ كما يَهَبُونَ أخلاقَهم، نقولُ لكلِّ أولئكَ أنتم تخطئونَ، ففلسطينُ ليستَ حمولةً زائدةً ضمنَ سلطاتِكم، إنها درةُ التاريخِ ودرةُ الجغرافيا ودرةُ الإسلامِ، فلتتوقفْ مساوماتُكم ومؤامراتُكم. فإن لم تستطيعوا أن تُناصرونا فاتركونا وشأْنَنا، ولا تتآمروا علينا من أجلِ عروشِكُمُ الزائلةِ". انتهى الاقتباس.

في هذا الزمن الصعب الذي تمر فيه قضيتنا الوطنية وعموم قضايا التحرر في وطننا العربي الكبير، فإن التذكير بحصان طراودة لا ينسجم مع اللحظة الراهنة التي تحول فيها الحصان إلى أكثر دونية وانحطاطاً وحيونة. فالعمالة والاستتباع لحماة العروش والكيانات، بلغت فيها الوقاحة – وليست الجرأة – حدوداً لم تكن مُتوقعة.

بعد تمهيد وتهيئة لعقل وضمير كل مواطن ومواطنة فلسطينية ولعموم القوى السياسية والمجتمعية من خلال خطاب اشتمل على مخاطبة الوجدان من خلال استحضار تاريخ المقاومة "التي تملكُ القدرةَ والإمكاناتِ لتجعلَ أيضًا غلافَ غزةَ والمستوطناتِ المحيطةَ مكانا لا يصلحُ للحياةِ... لأن المقاومة سوفَ تتقدمُ في الوقتِ المناسبِ لتلجمَ هذا الاستهتارَ بدماءِ شعبِنا... وعلينا أن ندركَ أنَّ ثمنَ الحريةِ كبيرٌ، ويجبُ أن نقدمَ هذا الثمنَ دونَ تردد".

وانطلاقاً من هذه الروح الكفاحية، تقدّم الأمين العام بمبادرة الحركة المكونة من خمسة بنود، لتكون قنطرة العبور نحو المصالحة الوطنية.

أولاً: اعتبارُ المصالحةِ أولويةً وطنيةً في صراعِنا مع العدوِّ، وهي مفتاحٌ لتجاوزِ الخلافاتِ والصراعاتِ داخلَ المجتمعِ الفلسطينيِّ.

ثانياً: استردادُ المصالحةِ الوطنيةِ لصالحِ الكلِّ الفلسطينيِّ، فجميعُ الشعبِ الفلسطينيِّ ضحيةٌ لهذا الخلافِ.

ثالثاً: ندعو فورًا إلى لقاءِ اللجنةِ التحضيريةِ التي التقَتْ في بيروتَ بتاريخِ 10 كانون الثاني 2017، ومثلَتِ الكلَّ الفلسطينيَّ، إلى لقاءٍ في القاهرةِ، والشروعِ في معالجةِ كلِّ الخلافاتِ والتبايناتِ بينَنا، وأن نبنيَ على القراراتِ التي اتخذَتْها في حينِهِ.

رابعاً: التأكيدُ من قبلِ قوى المقاومةِ أنَّ التهدئةَ لن تُلزمَنا بعدمِ الدفاعِ عن شعبِناـ ولن نذهبَ بها إلى اتفاقياتٍ سياسيةٍ معَ العدِّو، وإنَّنا فقط نبحثُ معَ الإخوةِ في مصرَ سبلَ انهاء الحصارِ عن شعبِنا. وهي خَيارٌ من موقعِ المسؤوليةِ الوطنيةِ، وليسَ من موقعِ الضعفِ الميدانيِّ، فتلك مسؤوليةٌ يجبُ أن نعملَ جميعُنا ومن دونِ استثناءٍ على إنهاءِ هذا الحصارِ الظالمِ، وهذه العقوباتِ غيرِ المبررةِ التي أتَتْ في سياقِ ليِّ الأذرعِ ومكاسرةِ الإخوةِ.

خامساً: أن يلتزمَ الجميعُ بتطويرِ سبلِ المقاومةِ بكافةِ أشكالِها، وبحسبِ ما هو ممكنٌ، في الضفةِ والقدسِ، من أجلِ مواجهةِ ما يُسمونَه "صفقةَ القرن"، والتي هي الإخراجُ الحديثُ لتصفيةِ ما تبقى من القضيةِ الفلسطينيةِ وإنهاءِ حقوقِنا إلى الأبدِ.

من الواضح أن لغة المبادرة لم تخرج عن التعبير السياسي الجديد "المصالحة" كما جاء في البندين الأول والثاني، هذه الكلمة التي هيمنت على التحرك السياسي وأصبحت حجر الزاوية في كل نشاط للفصائل. لقد طغت كلمة المصالحة على تعبير ومفهوم ومضمون الوحدة الوطنية ودخل ذلك التوصيف الجديد، الذي يدل على صراع واقتتال قبلي عشائري ولا يرقى لمعالجة تُقَرب الرؤى بين البنى السياسية أو الاجتماعية بهدف قيام وحدة وطنية على أساس برنامج واضح تتفق عليه كافة التيارات والقوى.

إن معالجة الإنقسام الثنائي مع ما ترتب عليه من اصطفافات حادة، تتطلب في الأساس، الاتفاق على البرنامج والهدف لتحقيق وحدة الصف. فهل هذا ممكن وقابل للتحقيق في ظل النهج السياسي والأمني والاقتصادي الذي تلتزم فيه السلطة في رام الله المحتلة؟.

إن طريق المعالجة الفورية التي اقترحتها الحركة من خلال خطاب الأمين العام، كانت – كما جاء في البند الثالث - في الدعوة إلى لقاءِ اللجنةِ التحضيريةِ التي التقَتْ في بيروتَ بتاريخِ 10 كانون الثاني 2017، ومثلَتِ الكلَّ الفلسطينيَّ، إلى لقاءٍ في القاهرةِ، والشروعِ في معالجةِ كلِّ الخلافاتِ والتبايناتِ بينَنا، وأن نبنيَ على القراراتِ التي اتخذَتْها في حينِهِ. والسؤال المطروح لدى النُخب السياسية والثقافية والكوادر والقواعد في الفصائل والأحزاب: من الذي عَطَّل تنفيذ تلك القرارات ووقف في سبيل إنجازها؟ ومن ثم، لماذا بقيت الفصائل والقوى في موقع المتفرج ولم تتقدم خطوة واحدة للتنسيق فيما بينها، بعد مرور عدة أشهر حتى لا أقول أسابيع على التعطيل المقصود.

في البند الرابع، يوضح الأمين العام كيفية تعامل الحركة مع "التهدئة" التي يؤكد بأنها "لن تُلزمَنا بعدمِ الدفاعِ عن شعبِنا، ولن نذهبَ بها إلى اتفاقياتٍ سياسيةٍ معَ العدِّو". وفي هذا الصدد يبرز السؤال التالي: كيف يمكن لحركة تحرر وطني أن تعقد مع المحتل لأرضها، تهدئة؟ وهل في تجربة حركة الجهاد وباقي الفصائل المقاتلة في قطاع غزة على مدى سنوات الاشتباك مع جيش العدو ما يشير إلى التزام ذلك الجيش بأية تهدئة؟. إن معالجة معاناة شعبنا من الحصار الظالم تتم أولاً، من خلال رفع ظلم وعقاب "الأخوة وذوي القربى" عن القطاع الصامد.

بعد ذلك جاء البند الخامس ليؤكد على ضرورة الالتزام بالمقاومة بكل أشكالها، وهذا هو المعيار الحقيقي لدور القوى السياسية. وقد ترك لكل ساحة مواجهة تحديد أدوات ووسائل الاشتباك مع العدو، خاصة، الضفة والقدس. في الأولى ينتصب التنسيق الأمني الذي يصب في خدمة المحتل، عائقاً، من خلال مطاردة واعتقال المقاومين. أما في القدس، فشبابها وشاباتها، البعيدين عما يفرضه ذلك التنسيق من اجراءات الرصد والمطاردة والاعتقال، فلديهم/ ن حرية أكبر في الاشتباك والاختفاء.

 مبادرات للتطبيق وليس للاستعراض

جاءت المبادرة بنقاطها الخمس، لتؤكد على حيوية سياسية للحركة افتقدناها على مدى زمني ليس بالقصير في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية. لكن أهمية أية مبادرات لا تأتي من خلال طرحها للجماهير والقوى، فقط، بل من خلال صحة وموضوعية وثورية ما تتضمنه، ومن التواجد والانتشار للحوامل التنظيمية والشعبية التي ستنهض بها وتناضل لتحقيقها. وعودة سريعة للمآلات التي انتهت إليها مبادرة النقاط العشر وما قدمته في هذا المجال مثيلاتها من القوى الأخرى، كمثال "الجبهة الشعبية في ندائها لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الصادر في 18/9/2018"، يدفعنا لاستخلاص التالي: إن القيمة الحقيقية لأية مبادرة تتوضح من خلال تجسيدها على أرض الواقع. وأعتقد أن المبادرة التي نحن بصدد تحليلها قد أشارت بوضوح إلى قوى سياسية مقاومة، يمكن أن تُشكل فيما بينها، ركائز العمل لترجمة هذه المبادرة في الميدان وبدايةً لاستقطاب القوى والشخصيات الوطنية الملتزمة بنهج المقاومة.

ولهذا، لم يكن كلام الأمين العام عن علاقات حركة الجهاد الإسلامي بالفصائل الوطنيةَ الفلسطينيةَ، إلاّ خدمة ودَافعاً لهذا التوجه الممكن والضروري. وقد أكد الأخ زياد نخالة على هذه العلاقات بالقول: "لقد عملْنا خلالَ الفترةِ الماضيةِ على تعزيزِ هذهِ العَلاقةِ معَ الجميعِ ودونَ استثناء"، لكنه أعطى للعلاقة مع حركةِ حماس "حيزًا بارزًا من هذا الاهتمامِ، إذ تقدمَتْ خطواتٍ كبيرةً إلى الأمامِ، وخاصةً فيما يتعلقُ بالعَلاقةِ الميدانيةِ بينَ سرايا القدسِ وكتائبِ القسامِ. وكذلكَ معَ رفاقِنا في الجبهةِ الشعبيةِ لتحريرِ فلسطينَ"... كما أشار إلى "حرص الحركة على تعزيزِ العَلاقةِ معَ الجبهةِ الشعبيةِ - القيادةِ العامةِ".

 خاتمة

 إن أهمية أي مبادرة تنبع من انتقالها من الحيز النظري والتعبوي إلى التنفيذ العملي، لأن "خطوة عملية واحدة أفضل من دستة برامج". لهذا فإن المطلوب فتح النقاش مع الكل الوطني الملتزم بمشروع المقاومة التحرري من أجل بناء الوحدة على أسس سليمة، وتحقيقها خلال فترة زمنية محددة من أجل الوصول للتنفيذ الميداني. لأن أي توافقات بين طرفي الانقسام على اقتسام كعكة السلطة "المستباحة أو المحاصرة" لا تعني القوى والجماهير التواقة لحرية وطنها وكرامة أبنائه. إن العجز والبقاء في موقع الانتظار أو الندب على الحالة الراهنة لن يُقدم لشعبنا سوى الإحباط ودفعه للبحث عن حلول فردية "الهجرة" لتأمين مخارج ذاتية لأزمة وجوده في القطاع المحاصر.

محمد العبد الله/كاتب فلسطيني

*الورقة التي قُدمت في ورشة العمل التي دعت لها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين/الساحة السورية يوم السبت 13/10/2018، حول مبادرة الأمين العام للحركة الأستاذ زياد النخالة.

 

انشر عبر
المزيد