الجنسية الفلسطينية وإلغاء الأونروا

15 تشرين الأول 2018 - 09:55 - الإثنين 15 تشرين الأول 2018, 09:55:15

الأونروا
الأونروا

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

صعّد الكيان الصهيوني حملته ضد قضية اللاجئين الفلسطينيين بعد اتفاقيات أوسلو، وبحث طرقاً عدّة لتقليص عددهم. وتشكّلت لجان دولية تسيطر عليها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لدراسة السبل لإنهاء موضوع اللجوء وحق العودة. من بين المقترحات المقدمة منذ تلك الفترة، كان إنهاء دور الأونروا وتقليص عدد اللاجئين، واعتبار أن اللاجئ هو فقد من شرّد من وطنه في عام 1948، وليست الأجيال التي تعاقبت في المنفى. عادت هذه الأفكار إلى الواجهة بعد قرار الرئيس الأميركي وقف تمويل الأونروا قبل أشهر عدة، لإنهاء مسألة اللاجئين وحق عودتهم إلى ديارهم.

لم تتوقف المؤامرات ضد الشعب الفلسطيني منذ بداية المشروع الصهيوني، ومسألة تقليص أعداد اللاجئين للوقوف أمام مطالبتهم بالعودة إلى ديارهم سبقتها محاولات خفض أعداد من ينتمي إلى هذا الشعب، من قبل الاحتلال البريطاني لتطبيق وعد بلفور المشؤوم، حيث برّر الصهانية غزو فلسطين بأنها أرض "بلا شعب".

المثال الأبرز على هذه المحاولات هو مرسوم الجنسية الفلسطينية الذي صدر باسم ملك بريطانيا في 16 أيلول / سبتمبر 1925، والذي هدف إلى " تمكين اليهود المهاجرين إلى فلسطين من الحصول على الجنسية الفلسطينية التي تخولهم حق الإقامة في فلسطين والتمتع بحقوق المواطنه كافة فيها". (معتز قفيشة).

ركز الباحثون على الجوانب القانونية لهذا المرسوم، وذلك بسبب التعقيدات التي رافقته إثر الغزو الصهيوني وتجنيس المستوطنين، وما لحقه بعد النكبة من اختفاء فلسطين عن الخارطة السياسية، إلا أن محاولات الاحتلال البريطاني تقليص عدد الفلسطينيين، لا سيما بين أهل المهجر والمسافرين للعمل أو الدراسة، لم تنل اهتماما كافياً في هذه الدراسات، التي لم تذكر أيضاً كيف تصدى الفلسطينيون لكل هذه الإجراءات الاستعمارية؛ وقد كانت النخبة السياسية والاجتماعية، إلى جانب الصحافة في تلك الفترة، واعية لخطورة الإجراءات البريطانية. هنا تكمن أهمية دراسة الباحثة البريطانية لورن بنكو في كتابها "اختراع المواطنة الفلسطينية من 1917 إلى 1948"،  حيث تدلّ كلمة "اختراع" على عملية إعادة صياغة مواطنة فلسطينية ضمن حدود اتفاقية سايكس - بيكو التي جزأت المنطقة، بعد أن كان المواطنون العرب في الدولة العثمانية (بما فيهم أهل فلسطين) يعتبرون أنفسم مواطنين عثمانيين أو عرباً، تربطهم علاقات اللغة والتاريخ والجغرافيا والحضارة، وبعد أن كانوا يتنقلون من إقليم إلى إقليم دون إبراز جواز سفر أو وثائق مشابهة.  

تعاملت القوى الاستعمارية التي ورثت الدولة العثمانية (بريطانيا وفرنسا) بطريقة استعلائية مع شعوبها، وحاولت تحقيق مفاهيمها وتطبيق أيديولوجيتها على المنطقة، بتجزئة دويلات وضمها وتشكيلها، لضمان مصالحها، وفتح الطريق أمام أكبر عملية غزو بشري في التاريخ الحديث. ومن أجل نجاح المشروع الصهيوني الإحلالي في فلسطين، تلاعب الاحتلال البريطاني بالقوانين الدولية وفسّر الاتفاقيات المبرمة بالطريقة التي تضمن مصالح المستوطنين اليهود، ومن ثم مصالحه.

من خلال دراستها للأرشيف البريطاني، تشير الباحثة مثلاً إلى بند 125 من معاهدة سيفر لعام 1920 الذي نص على أنه يسمح فقط للأفراد الذين ينتمون إلى أقلية عرقية في إحدى الدول المشكلة حديثاً، اختيار جنسية دولة أخرى تقطن فيها الأكثرية العرقية التي ينتمون إليها. اقترح وزير المستعمرات ونستن تشرشل تطبيق هذا البند على فلسطين، لمنع العرب القاطنين في سوريا والعراق من الحصول على الجنسية الفلسطينية، لأنهم ينتمون إلى الأكثرية العرقية في هاتين الدولتين، ولكن يسمح بالمقابل للعرب في أرمينيا بالحصول على الجنسية الفلسطينية، إلا أن هذا قد لا يشكّل، بالنسبة للبريطانيين "فرقاً شاسعاً في الميزان الديمغرافي"، الذي كانوا يحاولون إرساءه في فلسطين.

وخلافاً لهذه المعاهدة، وخلال النقاش حول تجنيس العرب في المهجر (الدول الأميريكة اللاتينية)، الذين فقدوا جنسيتهم العثمانية بعد الحرب، رفض البريطانيون أن يتم التجنيس على أساس علاقة الدم لأكثر من جيل واحد، ما يعني أن الجنسية الفلسطينية لا تعطى إلا للجيل الأول في المهجر. وخلافاً لفرنسا التي احتلت سوريا ولبنان، رفضت الإدارة البريطانية، مباشرة بعد سقوط الدولة العثمانية، توسيع الحماية القنصلية للعرب المولودين في فلسطين والمتواجدين في المهجر، ويريدون العودة إلى بلدهم. صمّت بعض القنصليات البريطانية آذانها أمام نداءاتهم للحصول على أوراق تسمح لهم بالعودة إلى فلسطين، في حين كانت فرنسا تؤمّن هذه الأوراق للعودة إلى "سوريا الانتدابية". من ناحية أخرى، تشير الباحثة بنكو إلى اختلاف العبارات بين معاهدة لوزان المبرمة عام 1924 بين الدول الأوروبية والدولة التركية الحديثة والتي أنهت دولة الخلافة العثمانية، وبين مرسوم الجنسية الفلسطينية، حيث ورد في البند 34 من معاهدة لوزان عبارة "من أصل native of" في حين حدّد المرسوم في البند 2 "المولود في فلسطين born in Palestine" لاستبعاد أهل المهجر من الجنسية الفلسطينية. يناقض هذا البند قانون الجنسية البريطاني والقانون العثماني لعام 1869 الذي كان قد نظّم الجنسية العثمانية.

من جهة أخرى، حدّدت الإدارة البريطانية مهلة سنتين فقط لمن يريد الحصول على الجنسية الفلسطينية من أهل المهجر للتوجه إلى فلسطين والمطالبة بها، إلا أن عدداً من القناصل البريطانيين في هذه الدول لم يأذنوا لبعض الفلسطينيين بالعودة، بذرائع عدّة، منها "أن المدعو ساري إسماعيل يسكن في بوليفيا منذ سبع سنوات وبالتالي، انقطعت علاقته مع البلاد"، كما جاء في تبرير رفض القنصلية البريطانية لطلبه بالسفر إلى فلسطين للحصول على الجنسية. أما بالنسبة لمهلة السنتين التي حددتها إدارة الاحتلال في المرسوم الصادر عام 1925، فكان من المفروض أن تنتهي في العام 1927، ولكن بسبب توقيع معاهدة لوزان عام 1924، تم تسيير المهلة من عام 1924 إلى عام 1926، كي لا يتمكن أهل المهجر من تسجيل أنفسهم كفلسطينيين خلال أقل من سنة واحدة. بهذه الطريقة، أصبحت بعض العائلات الفلسطينية في المهجر تحمل الجنسية التركية التي حلّت مكان الجنسية العثمانية، والتي فُرضت على كل من لم يلتحق بأي من الجنسيات العربية الأخرى.

واجهت النخبة السياسية سعي الاحتلال البريطاني لتكريس وعد بلفور في الواقع، عن طريق مرسوم الجنسية. فقاطعت الانتخابات البلدية لعام 1922 التي نظمها الاحتلال لشرعنة ما قد يصدر عنه لاحقاً، لأن المراسيم الخاصة بها لم تعترف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، بل فقط بحقوقه المدنية، خلافاً لحقوق المستوطنين اليهود. وكانت الصحافة الصادرة في فلسطين قد قارنت بين وضع أهل المهجر الذين لم يتمكنوا من العودة كفلسطينيين إلى بلادهم وأراضيهم، وبين المستوطنين اليهود المهاجرين الذين يحصلون على الجنسية الفلسطينية بعد سنتين من إقامتهم، خلافاً للقوانين الدولية التي قد حدّدت المدة بخمس سنوات، كما نشرت الصحافة عدد من الرسائل التي بعثها أهل المهجر المطالبين بحقهم بالعودة، وذلك قبل النكبة والاستيلاء على فلسطين.

تطرح مسألة الجنسية والمواطنة ما بعد سقوط الدولة العثمانية العديد من الأمور الحساسة والحيوية الناتجة عن التجزئة والتبعية والاحتلال في دول المنطقة، ويطرح مرسوم الجنسية الفلسطينية الصادر عن بريطانيا مسألة العلاقة بين الجنسية والمواطنة، حيث أعطى هذا المرسوم الجنسية الفلسطينية إلى المستوطنين اليهود، في حين تبلورت المواطنة الفلسطينية خارج حدود هذا المرسوم الاستعماري، من خلال النضال ضد الاستعمار وهجرة الصهاينة، ومن خلال العلاقات المبنية على التاريخ المشترك.

الاستهداف الحالي للهوية الفلسطينية، من خلال مشروع تقليص أعداد اللاجئين أو توطينهم في دول عربية وغربية، أو من خلال تهويد التعليم في القدس أو "أسرلة" المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل، والاستهداف المباشر للشعب الفلسطيني، من خلال المجازر المتكررة التي يرتكبها العدو الصهيوني، لن تزيد الشعب الفلسطيني إلا قوة وإرادة للتصدي لها، ذلك لأنه هو الثابت والمتجذر في الأرض والتاريخ، في حين يفتقد العدو للهوية الجامعة وللجذور التاريخية وللعمق الجغرافي.

 

انشر عبر
المزيد