معركة الاحتلال "الإسرائيلي" مع حركة المقاطعة

24 أيلول 2018 - 03:36 - الإثنين 24 أيلول 2018, 15:36:08

يعود تاريخ المقاطعة الحديث في المدن والقرى الفلسطينية إلى عشرينيات القرن المنصرم، حيث قامت الحركات الوطنية والثورية إبان الاحتلال البريطاني بحث الفلسطينيين على مقاطعة البضائع الصهيونية، التي ما لبثت أن تغلغلت في أسواقهم.

وكانت أول محاولة للحركة الوطنية الفلسطينية لاستخدام المقاطعة سلاحاً ضد القوة المستعمرة عام 1922، عندما قاطع الفلسطينيون انتخابات المجلس التشريعي، التي نظمها الاحتلال البريطاني بغية تمكين الصهاينة من المؤسسات العامة.

ومع نهوض العمل السياسي، وزيادة الوعي الشعبي، والتطور الحزبي في فلسطين، الذي شهد ذروته عام 1936، فقد أُعلن العصيان المدني، ودخل الفلسطينيون في حملة مقاطعة لكل أوجه الحياة التي سيطرت عليها سلطات الاحتلال البريطاني، حتى تدخلت الحكومات والوجهاء العرب، في حينه بطلبٍ من المندوب السامي البريطاني، لتقنع القيادات الفلسطينية بإيقاف الإضراب.

 

مقاطعة ثم خضوع

واستمرت الحكومات العربية بفرض المقاطعة على دولة الاحتلال حتى ثمانينيات القرن الماضي، حيث قام الرئيس المصري أنور السادات بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، التي آذنت بتخلي مصر عن القضية الفلسطينية، فتم إلغاء بنود المقاطعة من القانون المصري العام 1980. وتباعاً، بدأت الدول العربية إلغاء مقاطعة الكيان الصهيوني، بعد تطبيع منظمة التحرير الفلسطينية للعلاقات مع دولة العدو، إثر توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.

وأدت حالة التطبيع الناشئة إلى هدم أُسس المقاطعة في (الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67) والدول العربية في تسعينيات القرن المنصرم، وبدأ الكيان الصهيوني جهودا لتبييض صورته في العالم، وبين الشعوب العربية، من خلال البرامج والأنشطة التطبيعية التي زادت واتسعت، بدعمٍ رسمي (من سلطة رام الله) أحياناً.

وباشتعال شرارة انتفاضة الأقصى عام 2000 بدأت تنشط حركات المقاطعة من جديد، وهذه المرة في الدول الأوروبية وأميركا الشمالية.

وكانت بداية حملات المقاطعة المنظمة في الجامعات البريطانية التي أصدرت بياناً تدعو فيه إلى مقاطعة الاحتلال أكاديمياً عام 2003. تبع ذلك إعلان بيان المقاطعة الأكاديمية والثقافية عام 2004، ومن ثم أطلقت المؤسسات الأهلية الفلسطينية عام 2005 نداء المقاطعة، بما سُميت "حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها"، والمختصرة بـ(BDS)، التي كانت بإلهامٍ من حركة المقاطعة الجنوب أفريقية.

بهذا التسلسل التاريخي للمقاطعة الفلسطينية والعربية للعدو الصهيوني ينطلق الباحث معاذ مصلح نحو مناقشة وتحليل ونقد واستشراف هذا الأمر في كتابه "السياسات الصهيونية لمحاربة حركة المقاطعة وطرق تفكيكها".

وفي مقدمة الكتاب يتطرق الباحث إلى حركات المقاطعة في التاريخ، فيذكر أن مصطلح المقاطعة متسع الأفق، وقد يشمل الكثير من الحملات الاجتماعية والسياسية، بما يشمل الإضرابات المختلفة؛ فالمقاطعة لغوياً هي "الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصادياً أو اجتماعياً وفق نظام جماعي مرسوم".

ويضيف أنه يمكننا أن نعرّف المقاطعة الفلسطينية بأنها "فعل الامتناع عن معاملة المستعمر اقتصادياً أو اجتماعياً أو أكاديمياً أو ثقافياً أو سياسياً، وفق نظامٍ جماعي متفق عليه فلسطينياً".

 

حملات وسياسات

ويشير إلى أنه في حال العودة إلى التاريخ، نجد حملات مقاطعة عدة، أشهرها: مقاطعة قبيلة قريش في مكة لبني هاشم، والمقاطعة الإيرلندية، ومقاطعة دولة البيض في جنوب أفريقيا، إلى جانب مقاطعة الهنود للاستعمار البريطاني.

أما عربياً، فإن الباحث يبين أن لبنان كانت من أولى الدول التي سنت قانوناً للمقاطعة عام 1955 (قانون مقاطعة إسرائيل). وتبعتها الدول العربية الأخرى بنصوصٍ قانونية مشابهة؛ فشهدت تلك السنوات تحول المقاطعة من سلاح محلي إلى سلاح إقليمي يسعى إلى التضييق على الكيان الصهيوني، ومعاقبة الشركات العالمية الداعمة له.

ويذكر المؤلف أن أطر حملة المقاطعة استمرت بالتبلور حتى تم تحديد إطار لها عام 1955، تضمن ثلاثة مستويات من المقاطعة: اختص المستوى الأول بمقاطعة التعامل مع الكيان الصهيوني بشكلٍ كامل؛ أفراد ومؤسسات.

أما المستوى الثاني فقد اختص بمقاطعة الشركات العالمية التي تستثمر في الكيان الصهيوني ووضعها في قائمة سوداء، وتضمنت -أيضاً- البواخر التي تحمل بضائع من وإلى الكيان، فلم يسمح لها بالمرور عبر قناة السويس، أو الرسو في الموانئ العربية.

وتولى المستوى الثالث مقاطعة الشركات التي تتعامل مع الشركات من المستوى الثاني، والتي وضُعت في القائمة السوداء.

ويتطرق المؤلف في المقدمة كذلك إلى الحديث عن هيكلية السياسات "الإسرائيلية" لمواجهة حركات المقاطعة، فيذكر أن الاحتلال يراقب كل صغيرة وكبيرة تصدر عن أي مؤسسة داعمة للمقاطعة أو للفلسطينيين، وأنه بموازاة هجوم "إسرائيل" المباشر على حركة المقاطعة وناشطيها، تقوم مجموعات الضغط الصهيونية في دول العالم بمجهودٍ كبير في حمل تلك الدول على مشاركة الكيان في حربه ضد المقاطعة، فانضمت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى لذلك الحلف، وانقسمت مهامها إلى ثلاثة أدوارٍ رئيسة؛ تقوم بعض الدول والمؤسسات بالتحريض على حركة المقاطعة الفلسطينية، وتصفها بالمعادية للسامية.

وفي الآونة الأخيرة، نشطت حملات المقاطعة المضادة التي تشجعها بعض الدول كأميركا، من خلال نصوص قانونية تقوم بدعمها والتصديق عليها. ويتجلى ثالث وأهم أدوارها في خدمة الحملة الصهيونية بإقرار قانون عقوبات لردع كل من تسول له نفسه دعم حركة المقاطعة، أو أي فرد أو مؤسسة ذات صلة بها. وتستخدم هذه الدول المال العام وسيلة عقاب بقطعها عن المؤسسات والجهات الداعمة للفلسطينيين.

 

استلهام ومواجهة

يستعرض الكتاب في الفصل الأول حركات المقاطعة الفلسطينية من حيث: سياقها وإستراتيجياتها وآفاقها، إذ يوضح أن بداية هذه الحركات تأسست عام 2005، في محاولة لخلق حراك نضالي جديد في سبيل الوصول للحقوق الفلسطينية. وقد تمكنت حركة المقاطعة من توجيه ضربات موجعة لصورة الكيان الصهيوني، إضافة إلى الضربات في المجال الاقتصادي والأكاديمي والثقافي، ومجال العلاقات العامة.

ويبحث الفصل -بإسهاب- حملات المقاطعة في تاريخ النضال الفلسطيني ضد الحركة الصهيونية، مع وضعها في سياقاتها (الزمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية). وفي هذا السياق يتطرق الباحث إلى حركة (BDS)، إذ يبين أن تحالف من المؤسسات الأهلية الفلسطينية أطلقت نداء مقاطعة أوسع للاحتلال تحت إطار تحالف سمي "حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها".

ويوضح أن هذه الحركة كانت مستلهمة من حركة المقاطعة في جنوب أفريقيا منتصف القرن المنصرم. ويؤكد المؤلف أن الحركة حققت إنجازات غير مسبوقة، بدأت التأثير على الرأي العام العالمي بشكلٍ كبير، وأن مطالب الحركة تعكس مطالب الحركة التحررية الفلسطينية.

ويقول الكاتب أن حركة المقاطعة تركز -أساسا- على معركة الإعلام والعلاقات العامة، وعلى أساسه تصيغ حملات المقاطعة، وتشتد تلك الحملات، ويزيد نجاحها في فترات الحروب، موضحاً أن حركة المقاطعة ركزت جهودها على دول العالم، وابتعدت عن الحيز المحلي.

وقد يكون أحد تلك الأسباب هو صعوبة إنشاء حركة مقاطعة شاملة محلياً، لارتباط الاقتصاد الفلسطيني باقتصاد الاحتلال، فتصبح إمكانيات المقاطعة في فلسطين محدودة ومقيدة.

الفصل الثاني من الكتاب يخصصه الباحث للحديث عن سياسات الكيان الصهيوني في مواجهة حركة المقاطعة. وفي هذا الشأن، يذكر الكاتب أنه بسبب الزخم العالمي الذي حصل عليه هذا الحراك السلمي، تداعت المؤسسات الصهيونية في داخل (الكيان) وخارجه إلى بلورة إستراتيجيات لمواجهة حركة المقاطعة الناشئة.

وعلى هذا الأساس، عملت الحركة الصهيونية على فهم هذه الحركة، وتحديد كوامن قوتها وضعفها ضمن السياق السياسي الحالي، حيث تنوعت الإستراتيجيات الصهيونية بين حملات إعادة الاعتبار للكيان، وحملات هجوم مباشر على نشطاء المقاطعة واستغلال مجموعات الضغط الصهيونية لتجريم المشاركة في المقاطعة والدعوة إليها، فضلًا عن مجابهة حركة المقاطعة كهدف رئيسي.

 

تجريم وحشد

ولم تكتف مؤسسات الكيان بأداتها الدعائية لمجابهة تمدد حركة المقاطعة، بل بدأت شن هجمات مباشرة على حركة المقاطعة وناشطيها ومناصريها. وبناءً على توصيات عديدة، ومع حلول عام 2010، قامت الكنيست بدراسة قانون لمعاقبة المؤسسات والأفراد المنخرطين في مقاطعة الكيان؛ فتم طرح قانون "منع الضرر عن دولة إسرائيل من خلال المقاطعة".

ووفق الكتاب، فإن إسرائيل تنظر -حالياً- توسيع قوانين مناهضة للمقاطعة، بما يشمل إعطاء أفراد حق طلب تعويضات من جهة معينة عن أضرار نتيجة المقاطعة. وقد تشمل القوانين أيضاً تشريعات تمنع دخول مواطنين أجانب داعمين لحركة المقاطعة.

وتقوم سلطات الاحتلال بإرسال قوائم منع سفر لشركات الطيران لمنع مسافرين من الصعود إلى الطائرات. فمثلاً، في يوليو/تموز 2017 منعت شركة طيران لوفتهانزا الألمانية خمسة مسافرين من الصعود إلى الطائرة المتوجهة إلى فلسطين بسبب ورود أسمائهم ضمن قوائم المنع.

كذلك، وسعت "إسرائيل" نطاق معركتها في محاربة المقاطعة عبر حشد الصهاينة في أميركا والدول الأوروبية، من أجل التأثير على صانعي السياسات في تلك الدول للمشاركة في الحرب على المقاطعة.

ومن الأمثلة على ذلك قيام مجلس النواب الأميركي بإقرار القانون العام رقم (31-155) في مايو/أيار 2017، والذي يجرم المقاطعة الرسمية العربية للكيان الصهيوني، علماً بأن القوانين الأميركية المناهضة لحركة المقاطعة ليست جديدة، فقد قامت واشنطن بسن قانونين في سنتي 1976 و1977 لتجريم المقاطعة، وما زال القانونان نافذين، وتستخدمهما المنظمات الصهيونية في محاربة حركة المقاطعة اليوم.

الفصل الثالث من الكتاب يقارن فيه الباحث بين حركة المقاطعة الفلسطينية وحركة المقاطعة الجنوب أفريقية. ورغم أن المؤلف لا يعتقد بأنه من الفائدة مقارنة طبيعة النضال الجنوب أفريقي بالفلسطيني، لأسباب لها علاقة بالبنية والحالة والظروف المتناقضة بين الحالتين، فإنه يرى جواز مقارنة الوسائل بعد فهم السياقات المتفاعلة معها.

وفي الفصل ذاته، يقوم الباحث بمحاولة وضع حراك المقاطعة ضمن سياق النضال الفلسطيني، ومحاولة استشراف نقاط ضعفها وقوتها، من خلال مقارنتها مع استنتاجات عملية ونظرية عن مدى نجاعة حركة المقاطعة الجنوب أفريقية، وفهم حركة المقاطعة ضمن سياق النضال الفلسطيني والوضع السياسي والإستراتيجي المتغيّر في المنطقة والعالم، مستنبطا ذلك من نظريات في العلوم السياسية والحركات الاجتماعية.

 

السبيل إلى التطوير والتأثير

وفي الخاتمة، يقوم المؤلف بذكر العديد من الآليات والمقترحات الكفيلة بتطوير فعل حركة المقاطعة وتجذير تواجدها محلياً وخارجياً، مع تركيزه على نقد هذه الحركة بغية خروجها من حيز المحدودية في الانتشار والإنجاز إلى مساحة التمدد والتأثير.

وعلى هذا الأساس، يبين الكاتب أنه رغم ما حققته الحركة من إنجازات غير مسبوقة بدأت بالتأثير على الرأي العام العالمي بشكلٍ كبير، فإنه يجب عليها الانتباه من المغالاة في تقدير الانتصارات، أو صنع انتصارات وهمية.

ويشير إلى أنه يتوجب على حركة المقاطعة مراجعة خطابها بشجاعة، واستغلال فرصة تاريخية، لن تتكرر، لتأصيل وتجذير خطاب وسردية النضال الفلسطيني. "فنحن نعيش حالياً في سياق سياسي وإقليمي يتسم بالفوضى، إذ يتم خلق خطابات وسرديات جديدة في المنطقة. وكما يبدو إلى الآن، فإن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، بعيدون عن اتخاذ دور قيادي في صياغة تلك الخطابات الجديدة، بل يكتفي المعظم بتبني خطابات وسرديات تصدّرها لنا الدول الغربية".

وينهي المؤلف خاتمة كتابه بالقول: حان الوقت للحركة التحررية الفلسطينية للانعتاق من دائرة ردة الفعل السلبية، والدخول في طريق جديدة يتم التخطيط لها بشجاعةٍ وبتمعن، وليس من الضير العودة إلى نقطة الصفر إذا تطلب الأمر.

(عرض: محمود الفطافطة /الجزيرة)

انشر عبر
المزيد