مسيرات العودة وتشكيل الوعي

14 أيلول 2018 - 10:38 - الجمعة 14 أيلول 2018, 10:38:48

مسيرات العودة
مسيرات العودة

وكالة القدس للأنباء - متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

 

يشكل الواقع أحد مكوّنات الوعي الجمعي، وفي هذا الواقع، تأتي الممارسة والشعارات المرفوعة والإعلام بشتى أشكاله، والبرامج والبيانات الحزبية والخطب والندوات والمحاضرات. وقد تشكّل الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي بالقضية الفلسطينية من خلال ممارسات العدو الغاصب، المجازر والحروب والقتل وانتهاك المقدسات وتدمير المجتمعات ومحاولة تفتيتها، من جهة، ومن خلال مقاومة هذا العدو، بالطرق الممكنة كافة، وفي الساحات والميادين، والانتصار والتقدم في المعارك أو الانكسار والتراجع، من جهة أخرى. تؤثر هذه العوامل كافة على صياغة الوعي الجمعي، فإما أن يكون وعياً ثورياً يتحدى الأعداء وأعوانه كافة بكل ثقة وثبات، وإما أن يفرّط بثوابت الأمة تدريجياً حتى يتم استبداله بوعي أخر يتماهي مع سيطرة العدو . وفي سياق الصراع بين النهجين، نهج المقاومة والثبات، ونهج التفريط والتراجع، مثّلت اتفاقيات أوسلو "اللحظة الكارثية التي "يتنازل فيها من يملك لمن لا يستحق"، وهي "أخطر من وعد بلفور" (د. رمضان عبد الله شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي: "الإسلام والغرب، جدل الصراع في التاريخ والواقع" محاضرة 6/2000)، والتي بلورت وعياً جمعياً مبتوراً، تاريخياً وجغرافياً وسياسياً وثقافياً.

يتجلّى الوعي الجمعي المنبثق عن اتفاقيات أوسلو وإقامة سلطة الحكم الذاتي على أجزاء مبعثرة من فلسطين المحتلة بشعارات وممارسات وخطابات شطبت 78% من أرض فلسطين لصالح الاحتلال، وركّزت على جرائم الاحتلال وعنصريته، دون التطرق إلى السبل المجدية لمواجهته. الوعي الجمعي الذي تشكّل بعد اتفاقيات أوسلو لدى شرائح مجتمعية وقوى سياسية يجزّئ الوطن وشعبه، ويستبعد وحدة المصير. لقد فصل هذا الوعي بين الخان الأحمر والعراقيب، على سبيل المثال، رغم تشابه الحالتين، لا سيما وأن المهددين بالطرد اليوم هم في الأصل من أهل النقب، لأنه اعتبر أن قرية الخان الأحمر تقع في منطقة السلطة الفلسطينية في حين تقع قرية العراقيب في دولة كيان العدو، بغض النظر عن الموقع الاستراتيجي للخان الأحمر، من ناحية استكمال الفصل بين الأراضي الفلسطينية التابعة للسلطة، الشمالية والجنوبية، ومنع إقامة "الدولة الفلسطينية" . ولكن من الناحية الاستراتيجية ايضاً، تقف قرية العراقيب الصامدة في وجه الاحتلال سداً ضد استكمال سيطرة العدو على النقب، وهي المنطقة التي تربط قطاع غزة بمنطقة الخليل وتعيد رسم جغرافيا فلسطين كما كانت قبل الغزو الصهيوني. إلا أن شطب الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 من الوعي الجمعي أدخل هذا التمييز بين القريتين المهددتين بالزوال.

في المقابل، ومنذ انطلاقتها في يوم 30 آذار (مارس) الماضي، حاولت مسيرات العودة الكبرى في قطاع غزة بلورة وعي آخر، يعيد التمسك بالقضية الفلسطينية بكل تجلياتها. تبنّت مسيرات العودة عناوين تؤكد على عروبة فلسطين والقدس، وعلى إرادة العودة إلى الوطن المحتل، رغم مرور 70 عاماً على تشريد الشعب الفلسطيني، وعلى دعم المقاومة والمقاومين. حملت كل مسيرة من المسيرات الـ23 الماضية عنواناً خاصاً بإحدى المسائل، للفت أنظار العرب والمسلمين والعالم إلى هذه القضايا التي تشكّل عناوين قضية فلسطين: اللجوء الذي طال، القدس المستباحة والتدنيس اليومي للمسجد الأقصى، الضفة الغربية التي تعاني من الزحف الاستيطاني من جهة وقمع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة من جهة أخرى، حصار قطاع غزة القاتل، مقاومة المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948، ورفض أشكال التسويات كافة مع الكيان المحتل، تحت أي سقف كان، أميركي أم أوروبي أم دولي، ورفض تطبيع العلاقات مع العدو. شكّلت هذه العناوين، إضافة إلى الالتفاتة الخاصة إلى الشهداء والجرحى والمعتقلين، والمسعفين والصحافيين، المشاركين في هذه المسيرات، محاولة لتذكير العالم بأن الشعب الفلسطيني حيّ، وأنه يقاوم وما زال يطالب بحقه بالوطن والحرية والكرامة، رغم أنف المتآمرين عليه، دولياً وعربياً.

ساهمت مسيرات العودة المنطلقة من قطاع غزة في تشكيل وعي ثوري من خلال الممارسة، التي تفسح المجال لمعرفة ما هي قدرة الإنسان على المواجهة والمثابرة والتضحية، وما هي نقاط ضعف العدو، كما أتاحت الفرصة للإبداع في الميدان لإيذاء العدو لجعله يستغيث ويبحث عن حلول تنهي حالة "التوتر" في محيط قطاع غزة. كما أن مسيرات العودة ومخيماتها المنصوبة على الشريط الفاصل، وعلى بعد عشرات الأمتار من جيش الاحتلال، تساهم في تمتين العلاقات الداخلية بين فئات الشعب، الاجتماعية والمهنية والسياسية، الملتفة حول قضيتها، وتفسح المجال للحوار والنقاش والتبادل والتعارف، أي أنها تحصّن الجبهة الداخلية، التي كان العدو وأعوانه يحاولون تفتيتها.

إضافة إلى الممارسة، شكلّ شعار العودة الذي أطلقته "مسيرة العودة الكبرى" يوم انطلاقتها، وما زالت تحافظ عليه ("مسيرات العودة") وما تبعه من بيانات وخطابات وحوارت تؤكد عليها، أهمّ مكوِّن للوعي الثوري الذي يتحدّى الخطط التصفوية كافة، بدءاً من النقاط العشر وانتهاءً بخطة ترامب، ومروراً باتفاقيات أوسلو المشؤومة. فشعار العودة، عودة اللاجئين إلى قراهم وبيوتهم ومدنهم المحتلة عام 1948، هو شعار جامع، يعيد القضية إلى بداياتها، على الأقل في حدود الأرض الفلسطينية، ويذكّر بالمجازر المروّعة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، كي يتمكّن العدو وأعوانه من إقامة كيانه. فشعار العودة يتضمّن خطاباً مفاده أنه لا صلح ولا تسوية مع كيان ومستوطنين يقيمون على أرضنا وفي بيوتنا وينهبون خيراتنا ويدنسون مقدساتنا. وبعد سنوات طويلة من ترديد "حق العودة" كشعار تمسّكت به الأجيال المتعاقبة، دون أن تلمس فعلاً معناه الحقيقي وخطورته على وجود الكيان المحتل وعلى "الأمن الأميركي"، جاءت مسيرات العودة لتزوّد وعي هذه الأجيال بمعناه الفعلي وبضرورة السعي إليه، وذلك قبل الإعلان الأميركي عن خطة شطب "حق العودة" ووقف تمويل الأونروا.

ضمن هذه المسيرة، أُدخل شعار "كسر الحصار عن قطاع غزة" وارتبطت المسيرات فيه لتصبح "مسيرات العودة وكسر الحصار"، وهو شعار بل هدف يستحق كل الجهود بسبب الطبيعة الإجرامية للحصار على أكثر من مليوني فلسطيني، تسبّب باستشهاد المئات من المواطنين من جراء منع الدواء والعلاج عنهم وتعطيل الكهرباء، ومنعهم من العمل والسفر والدراسة. فحصار قطاع غزة من أفظع الجرائم التي يرتكبها العدو بحق الشعب الفلسطيني، بغطاء دولي وعربي وحتى فلسطيني، والضغط المستمر من قبل الشعب الفلسطيني بكل مكوّناته الجغرافية والسياسية لكسر هذا الحصار الظالم ضروري من الناحية الإنسانية والسياسية. ولكن كما وضّح القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، خالد البطش، الذي دعا إلى مواصلة مسيرات العودة:  "منذ 11 عاماً لم يجلس أحد معنا ليناقش كسر الحصار عن قطاع غزة الصامد، لكن عندما انطلق شعبنا في مسيرات العودة أصبح الجميع يتحدث معنا عن فك الحصار... إذا توقفت مسيرات العودة سيستمر الحصار..."، فضلاً عن دور هذه المسيرات في بلورة وعي مختلف عما بلورته اتفاقيات أوسلو لدى الأجيال الحالية والقادمة، وكونها تطرح الخطة البديلة للمشروع الأميركي الصهيوني المتمثل بشطب حق العودة وإنهاء دور الأونروا، كما ترد بشكل غير مباشر على التصريحات المشبعة بالعنصرية التي لا ترى في الخطة الأميركية الصهيونية إلا إمكانية "توطين اللاجئين".

انشر عبر
المزيد