النفوذ الأمريكي ضد الأونروا: الفلسطينيون كلاجئين وحقهم بالعودة

13 أيلول 2018 - 10:59 - الخميس 13 أيلول 2018, 10:59:37

حق العودة
حق العودة

وكالة القدس للأنباء – ترجمة

العنوان الأصلي: US leverage of UNRWA: Palestinians as refugees and their right to return

الكاتب: Parastou Hassouri

المصدر: مدى مصر (الإنجليزي)

التاريخ: 12 أيلول / سبتمبر 2018

 

منذ إنشائها قبل ما يقرب من 70 عاماً، بقرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302، حصلت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) على نصيبها من الانتقاد، وناضلت للحفاظ على عملياتها، في وقت تخوض فيه منافسة مع المصالح المتعارضة للدول المانحة (وخاصة إحدى أكبر مموليها، الولايات المتحدة)، وإسرائيل، والدول العربية الأخرى في المنطقة (بما في ذلك تلك التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين) والفلسطينيين أنفسهم. وكما ذكر الرئيس الحالي للمنظمة بيير كراهينبول، فإن الأونروا تعمل "في واحدة من أكثر البيئات استقطاباً وشحناً عاطفيا على كوكب الأرض"، ولذلك فإنه من الطبيعي أن يحدث انتقاد. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الانتقاد، جاء إعلان الولايات المتحدة مؤخراً عن قيامها بقطع كامل لتمويلها للأونروا بمثابة صدمة، انطلاقاً من أنه في كانون أول / ديسمبر من عام 2017، تفاوض الطرفان على اتفاقية تمويل كامل.

لم تخف إدارة ترامب نفورها من الوكالة. في كانون الثاني / يناير من هذا العام، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها ستحجر مبلغ 65 مليون دولار أمريكي من حزمة مساعدات بقيمة 125 مليون دولار مخصصة للأونروا، وكان قد  سبق الإعلان سلسلة من تغريدات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تقول إن الولايات المتحدة لم تتلق "أي تقدير أو احترام" من الفلسطينيين، مقابل معونتهم.

لقد قيل إن التخفيضات في ميزانية الأونروا تهدف بشكل استراتيجي إلى إعادة القيادة الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات. وجاءت التخفيضات بعد قرار الإدارة المثير للجدل والمدان دوليًا بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، في كانون أول / ديسمبر من العام الماضي. ومن الجدير بالذكر أيضا أن ترامب كلف صهره جاريد كوشنر، وهو متعهد عقاري ليس لديه خبرة سابقة ذات صلة، بالتفاوض بشأن محادثات السلام بين إسرائيل وفلسطين. تلقت مجلة "السياسة الخارجية" رسائل بريد إلكتروني داخلي أرسلها كوشنر، كشفت عن عداء تجاه الأونروا والرغبة في تفكيك المنظمة، وإخراج قضية اللاجئين الفلسطينيين من على طاولة المفاوضات.

في الواقع ، كان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، واحدا من أكثر الأمور المستعصية في المفاوضات، وأحد القضايا التي تم تأجيلها خلال اتفاقات أوسلو، كان من المفترض أن يتم التفاوض بشأنه في وقت لاحق. ومن المثير للاهتمام أن وضع القدس قد تم وضعه في التوقيت نفسه. في واقع الأمر، تحاول إدارة ترامب استبعاد قضيتين عن الطاولة، وحلّهما لصالح إسرائيل، قبل أن تجديد المفاوضات.

لا عجب في أن وجهات نظر كوشنر وموقف إدارة ترامب تعكس إلى حد كبير آراء الحكومة الإسرائيلية، التي طالما رغبت في اختفاء الأونروا. إن انتقادات إسرائيل للأونروا تتمحور حول اعتقادها أنها تعزز المشاعر المعادية لإسرائيل (لا سيما من خلال مناهجها التعليمية)، وأنها تكرس وضع اللاجئين الفلسطينيين. ينبع هذا القلق الثاني، والأهم من وجهة النظر الإسرائيلية، من أن العدد الحالي للاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا (حوالي 5 ملايين) هو تحريف للحقيقة، لأنه يشمل أحفاد اللاجئين الأصليين عام 1948 (750.000 أو نحو ذلك من الفلسطينيين المهجرين في أعقاب إنشاء إسرائيل)، وأنه يجب على الفلسطينيين ألا ينالوا وضع لاجئين عبر الأجيال، وأنهم هم الوحيدون الذين يفعلون ذلك. وتنفي إسرائيل وجود مثل هذه الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين، لأنها سعت باستمرار إلى تقليص مسألة حق العودة الذي يطالب به اللاجئون الفلسطينيون.

كما تجادل إسرائيل بأنه إذا كان على أي وكالة تابعة للأمم المتحدة أن تتولى المسؤولية عن الفلسطينيين، فهي مفوضة الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNCHR). وكان العديد من اللاجئين الفلسطينيين قد تم تسجيلهم في الأساس في (سجلات) الأونروا بدلاً من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في محاولة لعدم تطبيع وضعهم كلاجئ، الأمر الذي يهدد حقهم في العودة. وتجادل (إسرائيل)، في الوقت نفسه، بأن جميع الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا ليسوا لاجئين، ومع ذلك تصر على أنهم يجب أن يدرجوا تحت ولاية مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الأمر الذي يعتبر، بطبيعة الحال، متناقضاً.

إن حجج إسرائيل فيما يتعلق بوضع اللاجئ الفلسطيني، ونفيها لحق الفلسطينيين في العودة بموجب القانون، تمت مقاومته من خلال سلطة قانونية كبيرة وممارسة حكومية. أولاً، إن ادعاء إسرائيل بأن الفلسطينيين فريدون في توريث وضع اللاجئين عبر الأجيال هو خطأ واضح. فالفلسطينيون ليسوا فريدين في تجربة ما يُطلق عليه "وضع اللاجئ الممتد". فقد عاش العديد من اللاجئين الآخرين في جميع أنحاء العالم، مثل الأفغان والصوماليين والسودانيين والأنغوليين والبورميين والبورونديين، في حالات لجوء طال أمدها وامتدت على مدى أجيال. إذا كان هناك شيء قد جعل حالة اللاجئين الفلسطينيين فريدة إلى حد ما، فهو غياب دولة مستعدة و / أو قادرة على الاعتراف بهم. على سبيل المثال، قد يختار لاجئ أفغاني مقيم حاليًا في باكستان عدم العودة إلى أفغانستان بسبب العنف المستمر هناك. قد يكون هو غير راغب في العودة إلى أفغانستان، ولكن لا يوجد عائق قانوني أمام عودته (وفي الواقع ، فإنّ بعض اللاجئين الأفغان يعودون إلى وطنهم). في المقابل، فإن اللاجىء الفلسطيني الذي يرغب بالعودة إلى وطنه، لا يملك القدرة على فعل ذلك.

إسرائيل، لغاية الآن ، ليست مستعدة لقبول عودة الفلسطينيين الذين طردوا من منازلهم. في الواقع، فحتى لو رغب الفلسطينيون بالعودة - ليس إلى بلداتهم وقراهم داخل حدود إسرائيل الحالية، بل إلى القرى في الضفة الغربية - فإنهم ما زالوا غير قادرين على فعل ذلك، لأن إسرائيل تواصل ممارسة السيادة على حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة.

في ضوء هذا، فإن ادعاء إسرائيل بأن اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يدرجوا في مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين هو أمر مثير للسخرية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه من بين "الحلول الدائمة" الثلاثة التي تدعو إليها المفوضية، فإن "العودة الطوعية" هي الحل المفضل، خاصةً منذ نهاية الحرب الباردة. وبالفعل، من بين "الحلول الدائمة" الثلاثة (والخياران الآخران هما إعادة التوطين في بلدان أخرى والاندماج المحلي)، فإن الإعادة إلى الوطن أو العودة هو الوحيد اللذي يعتبر التزامًا مطلقًاً على الدول، بما أنه لا توجد دولة ملزمة قانونًا بامتصاص أو إعادة توطين اللاجئين (في الواقع، من بين الحلول الدائمة الثلاثة، تشكّل إعادة التوطين أصغر نسبة بين اللاجئين على المستوى العالمي).

يعود حق الفلسطينيين في العودة إلى العديد من فروع القانون الدولي، بما في ذلك قانون تعاقب الدول، والقانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي للاجئين، وقانون حقوق الإنسان، وقرارات الأمم المتحدة، وخاصة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي ينص على أن اللاجئين الراغبين يجب السماح لهم بالعودة إلى منازلهم (وأولئك الذين لا يرغبون في ذلك أو الذين فقدوا ممتلكاتهم، فإنه يجب تعويضهم).

ومن المفارقات، أن الفلسطينيين كانوا في البداية متشككين بالأونروا، وخاصة في سنواتها الأولى. رأوا مساعدات الوكالة كوسيلة لاسترضائهم وتمنينهم كي ينسوا وطنهم. في ذلك الحين، رأى الأمريكيون فيها قوة استقرار، وقوة يمكن أن تقاوم قوى الشيوعية، وفي وقت لاحق، التطرف الديني.

على الرغم من أن الأونروا، شأنها شأن أية منظمة دولية كبيرة، تعاني من درجة من عدم الكفاءة، والبيروقراطية والهدر، إلا أن الخدمات التي تقدمها للمستفيدين تظل حاسمة. في مناطق عملياتها الخمس - الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وغزة والأردن ولبنان وسوريا - تقدم الأونروا الخدمات الأساسية من خلال 711 مدرسة، توفر التعليم لأكثر من نصف مليون طفل، وتتلقى مرافقها الصحية أكثر من 8 مليون معاينة سنوياً، وتوفر التمويل للمستفيدين لتعزيز الاعتماد على الذات والمساعدات في حالات الطوارئ. وتعتبر خدمات الأونروا في قطاع غزة حرجة بشكل خاص. إذ يعتمد مليون فلسطيني، أي ما يقرب من نصف سكان القطاع، على الأونروا في الحصول على المعونة الغذائية. في منطقة تعاني من البطالة المرتفعة، توظف الأونروا 13،000 فلسطيني. في الواقع، فإن الأونروا فريدة من نوعها بين وكالات الأمم المتحدة في توظيف عديد من المستفيدين منها، على الرغم من أنه يجب ملاحظة أن أعلى الرتب داخل الهيكل التنظيمي لا يزال يشغله موظفون دوليون.

إن الخدمات التي تقدمها الأونروا مهمة للغاية لدرجة أن البعض داخل إسرائيل عبروا عن انتقاداتهم لقرار الولايات المتحدة بقطع التمويل، خوفًا من أن الفراغ الذي تركته الأونروا يمكن أن تملأه حماس. ويشير آخرون إلى أنها ستؤدي إلى انهيار إنساني، وتضع ضغوطا على العلاقات مع بلدان في المنطقة تستضيف الفلسطينيين ممن سيتأثرون بالتخفيضات. من المهم أن نذكر هنا أن اثنتين من الدول التي تدير الأونروا عملياتها، وهما لبنان والأردن، يستضيفان أعداداً كبيرة من اللاجئين نتيجة الحروب في العراق وسوريا. بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد تستخدم التخفيضات للضغط على القيادة الفلسطينية، فقد جادل البعض بأن الاستياء الفلسطيني من المرجح أن يتم التعبير عنه ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والأونروا نفسها.

في الواقع، اندلعت احتجاجات في قطاع غزة، مباشرة بعد التخفيضات وتسريح بعض موظفي الأونروا، ما أسفر عن عشرات الجرحى. وقال أحد المحتجين: "يريد ترامب أن يجوّعنا". وأضاف آخر "إذا أرادوا إغلاق الأونروا ، دعوني أعود إلى أرضي".

من غير المرجح أن تنجح استراتيجية إدارة ترامب، المتمثلة في فرض مشقة إضافية على السكان الذين طالت معاناتهم، كتكتيك للتفاوض ووسائل لتجاوز القضايا الصعبة. فإلى جانب الخدمات الحيوية التي تقدمها الأونروا، يرى العديد من الفلسطينيين أنها "مستودع للذاكرة، وتضمّ آلاف الوثائق التي تشهد على المأساة الفلسطينية التاريخية ".

الحقيقة هي أن قرار الأمم المتحدة قد أوجد الأونروا، ولا تملك الولايات المتحدة أن تعمل من جانب واحد على تفكيكها، أو كوسيلة إكراه لإزالة نقاط التفاوض الرئيسية عن الطاولة. ورغم أنه من غير المرجح،  حتى في أفضل السيناريوهات، أن يعود جميع الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا أو يحصلون على تعويضات، إلا أنه لا يمكن ببساطة محو حقوقهم المكفولة بموجب القانون الدولي. وكما قال مدير الأونروا: "لا يمكن للمرء ببساطة أن يتمنى اختفاء خمسة ملايين شخص".

انشر عبر
المزيد