هكذا تعامل "إسرائيل" الأسيرات الفلسطينيات

13 أيلول 2018 - 10:50 - الخميس 13 أيلول 2018, 10:50:01

الأسيرات الفلسطينيات
الأسيرات الفلسطينيات

وكالة القدس للأنباء - متابعة

روت الناشطة الفلسطينية سلام أبو شرار تفاصيل حياة البؤس التي يحياها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال "الإسرائيلي" في مقال لها على موقع «ميدل إيست آي»، وإليكم ترجمة كاملة للمقال:

تبدأ رحلة المعاناة عندما يعلن ضابط السجن بسرعة أن إحدى النساء المسجونات ستذهب في «نزهة». ومنذ تلك اللحظة فصاعدًا يبدأن جميعًا شعورًا بالقلق. هذه «النزهة» ليست رحلة سياحية أو نزهة ممتعة، ولكن رحلة من الألم والتوتر الشديدين. ويبقى تأثيرها لأسابيع، وأحيانًا سنوات. هذا ما يعنيه السفر في سيارة نقل السجون "الإسرائيلية" المعروفة باسم "البوسطة".

تحتجز معظم السجينات الفلسطينيات في سجن هشارون، بالقرب من يافا (بالداخل الفلسطيني المحتل 48)، أو في سجن دامون، عند سفح غابات الكرمل في حيفا. وبناءً على مكان إقامتهن، يتم تقديم النساء للمحاكمة في محاكم عوفر أو سالم العسكرية، أو محاكم مدينة القدس.

وعلى الرغم من أن أراضي فلسطين التاريخية، من أقصى نقطة في الشمال إلى الطرف الجنوبي، يمكن عبورها في ست ساعات، إلا أنه يمكن أن تمتد رحلات "البوسطة" ثلاثة أيام أو أكثر. قد تُرسل السجينة التي تقضي أقل من عام في السجن في هذه الرحلة عدة مرات، في حين أن اللاتي يقضين فترات عقوبة أطول قد يضطررن إلى تحملها أكثر من 12 مرة.

 

إذلال غير مسبوق

كلما أثير موضوع المحكمة تسأل السجينات الله أن يخفف التعب الذي لا بد أن تختبره الضحية التالية أثناء رحلة "البوسطة". فهن يتضرعن لتجنيب السجينات من تفتيش التعري قبل الصعود إلى الحافلة.

بيد أن الكرب الناجم عن تجربة "البوسطة" أكبر بكثير من الضائقة الناجمة عن التهم، والمحاكمة، والحكم النهائي. فحالما يتم إبلاغ السجينة بموعدها القادم للمحكمة، تتوقع على الفور مصاعب الرحلة. وبمجرد تسليم الحكم النهائي، وعند عودتها إلى السجن، تجد نفسها تفكر بطريقة لا إرادية: «هذه هي رحلتي الأخيرة». إن الوحشية المفزعة لهذه «النزهة» تشبه تجربة الجحيم.

تتم رحلات البوسطة على يد وحدة "إسرائيلية" تسمى «نحشون»، والتي يعرف أعضاؤها بقوتهم البدنية وغرورهم ورغبتهم الواضحة في إذلال السجناء الذين هم في رعايتهم. يجب على المرأة أن

تحتمل الجلوس على مقعد معدني ضيق وبارد لمدة 12 ساعة أو أكثر في كل مرة؛ مما يؤدي إلى آلام الظهر المزمنة للكثيرين.

أما بالنسبة للسجينات من دامون، تبدأ الرحلة عادة في حوالي الساعة الثامنة من صباح اليوم السابق للمحكمة؛ حيث يتم توجيه النساء إلى غرف الانتظار ليتم تفتيشهن، إما عن طريق إجراء تفتيش روتيني، أو تفتيش كامل للجسم، اعتمادًا على مزاج الضابط. أما تفتيش التعري فهو الإساءة القصوى، وهو انتهاك لحرمة أي إنسان.

 

حظر اقتناء السبحة

بعد ذلك يتم تقييد يديها ورجليها قبل توجيهها إلى عربة الترحيلات. لا يسمح بالطعام أو الأشياء الشخصية على متنها، ولا حتى السبحة. بعض السجينات يلففنها حول أياديهن لإخفائها كأساور بغية إدخالها خلسة. كما منع العديد من المعتقلين من جلب القرآن، واضطروا إلى تركه مع أحد أعضاء "نحشون" حتى نهاية الرحلة.

تنطلق الرحلة عادة في حوالي الساعة 9:30 من سجن دامون، وتتوجه إلى محطة مركزية، حيث يتم جمع جميع السجناء من المنطقة الشمالية. خلال هذا الوقت قد يضطر السجناء إلى الانتظار أربع أو خمس ساعات أخرى داخل المحطة، حيث يجلسون مكبلين في أقفاص معدنية صغيرة فردية. ولا يتم تقديم أي تنازلات أو استثناءات للمرضى أو الجرحى.

وعند حوالي الساعة الخامسة مساءً تنطلق البوسطة إلى سجن هشارون، ثم عند حوالي الساعة الثالثة صباحًا إلى سجن في الرملة، حيث تتجمع عربات الترحيلات ويتم تبادل الركاب. وبحلول السابعة صباحًا تنطلق البوسطة ثانية، حيث يصل السجناء إلى السجن حوالي الساعة التاسعة صباحًا. ثم ينزلون في انتظار المثول أمام المحاكم، والتي يمكن أن تتم في أي وقت بين الساعة 9:30 صباحًا والخامسة مساءً؛ حيث يظلون مكبلين طوال الوقت. وإذا كن محظوظات يتم جلب النساء إلى السجن قبل منتصف الليل، ولكن في كثير من الأحيان يستغرق الأمر وقتًا أطول.

وبالإضافة إلى التعب البدني، تؤثر هذه الرحلة الشاقة على الصحة العقلية للمرأة، سواء من خلال الإذلال الذي ألحقه بها أفراد وحدة "نحشون"، ومن خلال الافتراءات العنصرية التي يلقيها المعتقلون "الإسرائيليون" اليهود أثناء الرحلة.

 

وطني الضائع

جرت إحدى جلسات الاستماع الخاصة بي في 15 يونيو (حزيران) 2016، خلال شهر رمضان المبارك. وكانت إحدى صديقاتي من السجناء قد أخفت بضعة تمرات في جيبها، وتشاركنها في الإفطار بسبب انتظار أن تغادر عربة البوسطة محكمة عوفر العسكرية.

وعندما يحين وقت الصلاة، كان الرجال – وهم يسافرون على نفس العربة ولكن في منطقة منفصلة – يقفون لرفع الأذان، فيتردد صداه عبر الأقفاص. «الله وحده يعلم إذا كان لديه أي شيء يفطر به»، تقول صديقتي. يعتصرني الألم عندما أتذكر هذا.

في اليوم الذي تم فيه إطلاق سراحي من السجن، تم تقييد يدي وقدمي أثناء صعودنا إلى عربة الترحيلات في رحلتي الأخيرة. الشيء الوحيد الذي خفف من آلام الرحلة كان معرفتي أنها الأخيرة. عندما غادرنا حيفا وتوجهنا نحو حاجز الجلمة شمال جنين، شاهدت لأول مرة الجزء الخارجي كله من السجن. كان منفّرًا ومثيرًا للاشمئزاز. فكرت في جميع السجينات اللاتي تركتهن خلفي، واللاتي تشاركت معهن أيامًا ولياليَ خلف السياج الشائك. ثمة عدد لا يحصى من حكايات الألم والكرب مقبورة داخل هذا الهيكل الأسمنتي.

مرت ساعة عندما خرجت من البوسطة في أرضي المنهوبة. لقد سرقت نظرات عابرة نحو بحر حيفا، مثل شخص ما يموت من العطش، على أمل أن تنقذه بضع قطرات من الماء. عصفت الدموع الساخنة بعيني – دموع الاضطهاد والحزن، من امرأة لأول مرة تنظر إلى وطنها الضائع، بينما هي تجلس مكبلة. كل هذا ليس سوى قطرة من العذاب الذي سببته رحلات البوسطة – مجرد قطرة في محيط من العذاب.

 
انشر عبر
المزيد