هل يؤشر قانون القومية اليهودي على تراجع الديمقراطيات على المستوى الغربي؟

23 تموز 2018 - 02:23 - الإثنين 23 تموز 2018, 14:23:32

وكالة القدس للأنباء - ترجمة

العنوان الأصلي: Israel Picks Identity Over Democracy. More Nations May Follow.

الكاتب: Max Fisher

المصدر: نيويورك تايمز

التاريخ: 22 تموز / يوليو 2018

 [ملاحظة: يحمّل كاتب المقال الفلسطينيين أنفسهم مسؤولية إقرار الحكومة الصهيونية قانون القومية العنصري الذي أصدره الكنيست مؤخراً، ويحاول بذلك تعميم فكرة أن تراجع الديمقراطيات في الدول الغربية سببها المسلمون بسبب الإرهاب والهجرة.. ومع ذلك فإنه من المفيد الاطلاع على المقال لأنه يسجل لحظة تحوّل في الديمقراطيات الغربية، ويؤكد أن الكيان الصهيوني هو رأس حربة الدول الغربية في منطقتنا، رغم أن المقال فشل في فهم أسباب تراجع الديمقراطية الغربية عموماً].

في خضم لحظة من النشوة الوطنية، خرج رئيس وزراء إسرائيل ومؤسسها ديفيد بين غوريون، من تقاعده في تموز / يوليو 1967 لتحذير الإسرائيليين من أنهم زرعوا بذور تدميرهم الذاتي.

كانت إسرائيل قد حققت للتو انتصاراً عسكرياً مذهلاً على جيرانها، وتحمّس الإسرائيليون للإحساس بالتجربة العظيمة بأن نشوء دولة يهودية قد ينجح فعلاً.

لكن بن غوريون أصر على أن تتخلى إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها. وقال إنه إذا لم يحدث ذلك، فإن الاحتلال سيشوه الدولة الفتية التي تأسست لحماية، ليس الشعب اليهودي وحده، وإنما مُثُلِه الديمقراطية والتعددية أيضاً.

اليوم، وبعد عام واحد على مرور نصف قرن، أعلنت إسرائيل رسمياً عن حقها في تقرير المصير الوطني، الذي كان من المفترض أن يتضمن كل شيء داخل حدودها، على أنه "فريد بالنسبة للشعب اليهودي".

بالنسبة للبعض، يعتبر القانون الجديد ثمرة طبيعية لانتصار إسرائيل عام 1967 على الجيران المعارضين لوجودها، ولحماية الشعب اليهودي داخل الحدود والقوانين التي تجعلهم في المرتبة الأولى.

لكن بالنسبة لآخرين، هي خطوة على طريق ما تنبأ به بن غوريون: من الاحتلال إلى صراع لا نهاية له من شأنه أن يفسد الديمقراطية من الداخل، ما يهدد الشخصية القومية التي يعتقد أنها تأتي من المثل والديمغرافيات.

قبل كل شيء، قد يكون القانون خيارًا بين رؤيتين تتفاقمان حول إسرائيل. لقد أصدر الديبلوماسيون الأمريكيون منذ فترة طويلة نسخة من تحذير بن غوريون: إذا لم تقم إسرائيل بإحلال السلام مع الفلسطينيين، كما قالوا، فسيتعين عليها الاختيار بين هويتها المزدوجة كدولة يهودية أو دولة ديمقراطية.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن الإسرائيليين قد توصلوا إلى اتفاق: أعداد متزايدة منهم ترى أن بلادهم تواجه خياراً بين أن تكون دولة يهودية أو ديمقراطية أولاً. وبالنسبة لكثيرين في اليمين السياسي، فإن الخيار هو للهوية أولاً.

رغم أن ظروف إسرائيل قد تكون فريدة من نوعها، إلا أن إحساسها بمواجهة قرار وشيك حول هويتها الوطنية ليس كذلك. هناك ردة فعل متعاظمة ضد فكرة أن الدول يجب أن تنحاز للديمقراطية على حساب أي شيء آخر. وتصرّ تلك الحركة، مدفوعة بمفاهيم انعدام الأمن المادي والديمغرافي، على أن الهوية تأتي أولاً.

تناقض عالمي:

زودت العصور الحديثة البلدان بحقيقتين، من المفترض أنهما غير متضادتين، تبيّن أنهما متشاكستان. حق تقرير المصير الوطني وتصوّر الدول كتجمعات موحدة، كأمة واحدة لشعب واحد. حدّد حق الديمقراطية مشاركة متساوية للجميع، بما في ذلك تعريف شخصية الأمة.

تصور زعماء العالم المثاليون الذين صاغوا تلك الحقوق، قبل قرن من الزمن، بلدانًا متجانسة داخليًا، ومستقرة. لكن الواقع أثبت أنها أكثر فوضى. فالحدود لا تتماشى تماماً مع السكان. الناس ينتقلون، والهويات تتبدل أو تتطور. فماذا بعد؟

أدى احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية إلى زيادة التساؤلات حول كيفية إدماج غير اليهود بشكل ديمقراطي في هذه الأمة اليهودية المعلنة - وهي الهوية التي شعر القادة الإسرائيليون الأوائل، مستحضرين الهولوكوست، أنهم ملزمون بحمايتها - تماماً كما واجهت دول العالم تحدياتها الخاصة بشأن الموازنة بين الهوية والديمقراطية.

تحدت حركات الحقوق المدنية البلدان لتوسيع الهويات الوطنية التي ارتبطت لفترة طويلة من الزمن بالبيض. شهدت نهاية الاستعمار هجرات جماعية لغير الأوروبيين إلى أوروبا؛ داخل المستعمرات السابقة، اندلعت الصراعات على من ينتمون إليها ومن لم ينتم إليها.

وصل العالم الديمقراطي، خلال الستينيات، إلى توافق غير رسمي: إذا تعارضت متطلبات الديمقراطية والهوية الوطنية، فيجب أن تكون الأولى هي السائدة. لم يكن هذا يعني التخلي عن الهوية الوطنية، لكنه يعني تليين كيفية فهمها والحفاظ عليها.

فرنسا، على سبيل المثال، لا تزال تطلق على نفسها اسم أمة الفرنسيين؛ لكن هذا المصطلح قد أصبح أكثر ضبابية من أن يشمل الجميع داخل حدودها بشكل أفضل. إنه عمل لا يزال قيد التنفيذ ومثيرًا للجدل، لكن المسار واضح.

في ستينيات القرن الماضي، دخلت فرنسا في حرب أهلية جزئية حول ما إذا كان بإمكان الجزائريين الانضمام بالكامل إلى الديمقراطية العلمانية البيضاء. هذا الأسبوع، يناقش البلد الطريقة الأفضل للإشارة إلى لاعبي كرة القدم من أصل أفريقي من أجل احترام كلٍ من تراثهم ووضعهم الفرنسي.

الديمقراطية على حساب الهوية

لطالما اعتبرت مثل هذه التحولات ضرورية لبقاء الديمقراطية.

في دراسة بارزة عن تطور الديمقراطية في أوروبا الشرقية، وجد عالمة السياسة، شيريل ستروشين، أن البلدان التي عرّفت نفسها رسمياً بأغلبية عرقية - سلوفاكيا للسلوفاكيين، ورومانيا للرومانيين - قد نجحت، من الناحية العملية، في عدم التشدّد على تلك الهويات.

أرّخت د. ستروشن واحدة لأحد تجمعات أوكرانيا، حيث العرقيّة المجريّة شكلت مجالاً لأحزاب مجريّة سياسيّة، تقدّم خدمات مجريّة دينيّة، وتساوي في عملها بين المناطق بحسب التوقيت المجري (يتقدم توقيت المجريين ساعة كاملة على جيرانهم). قد تتسبب مناطق التزاحم الزمنية في حدوث بعض الاحتكاك، لكن الدكتورة ستروشين وجدت أنه في الأماكن التي يتحمل فيها الأوروبيون هذه التنازلات بشأن هوياتهم، التي كانت مقدّسة في يوم من الأيام، تنمو ديمقراطيات مستقرة.

لا تزال الإثنية القومية تغري الأوروبيين. لكن الديمقراطية ترسخت في الأماكن التي تبرد فيها النزعات القومية. كان هذا التحول العالمي بطيئًا إلى حد كبير، ولكنه كان أحاديًا بما فيه الكفاية، لدرجة أن ثمة استثناءات تبرز من بين الديمقراطيات.

وصف المؤرخ توني جورت في مقال مثير للجدل عام 2003 مهمة إسرائيل للحفاظ على الهوية اليهودية الراسخة بـ"المفارقة التاريخية". وكتب أن رؤية البلاد لنفسها كمجموعة ديموغرافية فريدة ولها مجموعة "متجذرة في زمان ومكان آخر" بـ"الصدفة العنيدة وسط العالم المتحوّل".

لكن ربما يكون السيد جوت قد بالغ في رؤيته، كما كان يفعل المؤرخون في كثير من الأحيان في تلك الأيام، بانحسار الفكرة القومية. ربما لم تكن إسرائيل مفارقة تاريخية على الإطلاق، بل هي مقدمة لأشياء آتية.

الخوف وردة الفعل

الأفكار القديمة للدولة يمكن أن يكون لها سحُبٌ قوية. إن الطريقة التي يفكر بها البشر حول هوية الجماعة - كامتداد لأنفسنا، خاصة في لحظات الأزمات - يمكن أن تجعلنا نرى السلامة في التوافق، والخطر في التنوع أو التسامح.

ولا شيء يثير تلك المشاعر مثل الإرهاب أو التغيير الديموغرافي.

لقد خبر الإسرائيليون اليهود الإرهاب والتغيير الديموغرافي، على حد سواء، في أوائل ومنتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين - قبل نحو عقد من الزمن، قبل أن تثير المخاوف المماثلة ردود فعل قومية في معظم أنحاء العالم الغربي.

موجة من أعمال العنف المروعة المعروفة باسم الانتفاضة الثانية، والتي قتلت فلسطينيين أكثر بكثير من الإسرائيليين، شملت هجمات إرهابية مروعة في جيوب إسرائيلية كانت آمنة في السابق.

في نفس الوقت، جعلت نسبة المواليد الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين اليهود الإسرائيليين يشعرون بالخطر الديموغرافي. في الحقيقة، فإن نسبة المواليد اليهودية عالية وسط تراجع معدلات المواليد المسلمين، لكن الخوف من أن يكون عدد المواليد لا يزال أقل مستمر.

لقد توصلت الأبحاث مراراً وتكراراً إلى أن الهجمات الإرهابية تزيد من الدعم، بين المجتمع المستهدف، للسياسات اليمينية. توصلت إحدى الدراسات إلى أنه حتى التهديد المتصور بحدوث هجوم أدى إلى تحول الناخبين الإسرائيليين إلى أحزاب يمينية. وبصراحة، وهذا يقوي مجموعة فرعية محددة من الأحزاب اليمينية - القوميين.

وجدت دراسة حول الإسرائيليين، أجراها دافنا كانيتي - نيسيم، عالمة نفس سياسي في جامعة ميريلاند، أن التعرض للإرهاب يغيّر أكثر بكثير من التفضيل الحزبي.

عندما يعتقد الناس أنهم قد يتعرضون للهجوم لمجرد هوياتهم، فإنهم يتمسكون بها بشكل أوثق. شعورهم بالمجتمع يضيق: يجب تحمّل أولئك الذين يشعرون مثلهم فحسب. هذا الشعور ينمي دعماً أكثر للسياسات التي تقيّد أو تفرض السيطرة على الأقليات، حسبما خلص إليه البحث، ويصبح المجتمع أقل دعماً للتعددية أو الديمقراطية.

في الوقت نفسه، عندما تعتقد مجموعة أغلبية ديمغرافية أنها قد تصبح أقلية، فإن أعضاء هذه المجموعة غالباً ما يصبحون أقل دعماً للديمقراطية، ويفضلون حاكمًا قويًا وضوابط اجتماعية صارمة، وفقًا لأبحاث علمية حول التراجع الديمقراطي.

غيّر الإسرائيليون اليهود الكيفية التي يرون بها هوية بلدهم. وفق الاستطلاعات، هم أعربوا في وقت من الأيام عن تفاؤلهم بأنه يمكن أن يكون المرء يهوديًا وديمقراطيًا. لكن في العقد الماضي، وفقاً لاستطلاعات معهد الديمقراطية الإسرائيلية، أصبح أولئك أقلية. تقول مجموعات فرعية كبيرة إن البلاد يجب أن تكون إما يهودية أولاً أو ديمقراطية أولاً.

أولئك الذين يقولون إن إسرائيل يجب أن تكون يهودية في المقام الأول ينتمون بشكل ساحق إلى اليمين السياسي، الذي دفع بقانون تقرير المصير الوطني هذا الأسبوع. لكن حتى أولئك الذين يقولون بأن الديمقراطية يجب أن تسود، فإنهم يعربون عن دعمهم لبعض المحاذير. في عام 2014 ، قال معظم اليهود إن "القرارات الوطنية الحاسمة" - مثل تقرير المصير - يجب أن تترك للأغلبية اليهودية.

لقد تدهورت جودة الديمقراطية الإسرائيلية بشكل مطرد منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي، وفقاً لمؤشر مدروس يُعرف جيداً باسم V-Dem يتتبع البلدان عبر مجموعة من المقاييس. في منتصف تسعينيات القرن الماضي، صنف المركز إسرائيل إلى جانب كوريا الجنوبية الحالية وجامايكا. واليوم، ينظر إليها على أنها تتساوى مع الديمقراطيات الأفريقية، مثل ناميبيا والسنغال، وتحت تونس، وهي أعلى ديمقراطية مسجلة في الشرق الأوسط.

 

رد فعل عالمي

الإسرائيليون ليسوا وحدهم اليوم أقل شكاً مما كانوا عليه من إجماع دام لمدى نصف قرن على أن الديمقراطية يجب أن تسود على الهوية الوطنية.

في أوروبا، أدى تدفق المهاجرين واللاجئين، إلى جانب الهجمات الإرهابية، إلى تغيير المواقف العامة. لقد أصبح الأوروبيون أكثر قومية، وأكثر تطرفاً من الناحية السياسية، وأقل ترحيباً بالأجانب. وكما هو الحال في إسرائيل، استمرت المواقف المتشددة في النمو حتى مع تضاؤل ​​التهديدات، مع تراجع حدّة كل من الإرهاب والهجرة.

في الولايات المتحدة، يتلاقى الخوف من الهجرة والإرهاب، بين مجموعة فرعية من الناخبين البيض، مع دعم السياسات القاسية ضد الأقليات وزعيم قوي يستطيع فرض السيطرة.

وقد تبنت بعض البلدان، مثل المجر، علانية هوية وطنية قديمة الطراز، حيث كان القادة يدافعون عن الأصول العرقية للدولة، ويحذرون من الأجانب ويقللون من حقوقهم الأساسية.

إسرائيل ليست المجر التي لا تواجه مثيلاً للصراع الفلسطيني. لكنهم وصلوا إلى وجهة إيديولوجية مشابهة. لقد أصبح فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري، مقرّباً من قادة إسرائيل، حيث زارهم في القدس الأسبوع الماضي.

لقد توقف نمو الديمقراطية على مستوى العالم. على الرغم من أن أسباب هذا الأمر غير معروفة بشكل كامل، إلا أن هذا الاتجاه يتجلى، جزئياً، في تراجع ديمقراطيات كانت في يوم من الأيام صحية. تقول الحكمة التقليدية إن هذا يرجع إلى سوء الإدارة أو بسبب المصالح الذاتية للقادة. لكن ربما يكون هذا خطأ.

إذا أجبر الناس على الاختيار بين الديمقراطية أو الهوية أولاً، فقد لا يختارون الديمقراطية دومًا.

انشر عبر
المزيد