مستوطنات "غلاف غزة" والهدف الاستراتيجي

18 حزيران 2018 - 11:06 - الإثنين 18 حزيران 2018, 11:06:40

مستوطنات غلاف غزة
مستوطنات غلاف غزة

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

في مقابلة معه، اعتبر الشيخ خالد البطش، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي ومنسق "الهيئة الوطنية لمسيرة العودة الكبرى وفك الحصار"، أن مواصلة مسيرة العودة التي انطلقت يوم 30 آذار / مارس بمناسبة "يوم الأرض"، قد تضع مستوطنات غلاف غزة بعد فترة من الزمن في الوضع نفسه الذي كانت عليه المستوطنات في قطاع غزة قبل انسحاب العدو في صيف 2005.

لم تنعم مستوطنات قطاع غزة قبل هذا التاريخ بهدوء، لا سيما بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول / سبتمبر 2000؛ فكانت هدفاً للمئات من الهجمات الفدائية، أصبح خلالها المستوطن يشعر بالقلق وانعدام الأمن، رغم امتلاكه للأسلحة المتطورة. بعد أن كان منتشراً على ما يقارب 80% من قطاع غزة، من بحرها غرباً إلى سهولها شرقاً، ومن شمالها إلى جنوبها، بدأ يتقوقع تدريجياً في مغتصاباته الرئيسية المحصنة مع تصاعد الهجمات الجهادية عليه، إلى أن قرّر شارون تفكيكها والانسحاب من معظم أراضي القطاع، باعتبار أنه لم يعد قادراً على حمايتها، إلا أنه قرّر محاصرة القطاع عسكرياً والسيطرة عليه عن بعد، بالاستعانة بالأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، كما هو الحال في الضفة الغربية.

رغم كون مستوطنات قطاع غزة تختلف عن تلك التي زرعها الاحتلال في "غلاف غزة"، من ناحية القانون الدولي، الذي يعتبر قطاع غزة جزءاً من الأراضي المحتلة (عام 1967) وعدم شرعية المستوطنات المقامة على أرضه، كما هو حال المستوطنات في الضفة الغربية، بما فيها الجزء الشرقي من مدينة القدس، فإن تشبيه وضع مستوطنات "غلاف غزة" بتلك التي فُكّكت عام 2005 يشير إلى النظرة الاستراتيجية بعيدة المدى في النضال الوطني الفلسطيني، وإلى أهمية امتلاك تلك النظرة لمواصلة النضال وتوسيعه ليضم شرائح المجتمع الفلسطيني كافة.

تجثو مستوطنات غلاف غزة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وما بعده، غير أنها أصبحت، بسبب محاذاتها للقطاع، حيث تتواجد المقاومة التي طردت الاحتلال، تعيش حالة رعب وهلع وعدم استقرار وأمن، منذ أن شنّ جيش العدو حربه الدموية على القطاع عام 2008. منذ تلك الفترة، ومستوطنات غلاف غزة واقعة تحت نيران المقاومة. ورغم تبني الحكومة الصهيونية العديد من مشاريع وخطط للدفاع عنها وتمكين المستوطنين من العيش فيها كباقي المستوطنين في الداخل المحتل عام 1948، لم تفلح جهودها في تأمين الاستقرار المعيشي والنفسي. وإقامة مستوطنة جديدة في هذه المنطقة، كما يخطط العدو، لن يغّير الكثير، حيث ستكون أيضاً ضمن استهداف المقاومة. خلال الحروب الهمجية التي شنّها جيشه، وفي الفترات التي فصلت بين حرب وأخرى، بقيت المستوطنات هدفاً لبعث رسائل المقاومة. إضافة إلى النزوح الجماعي عنها في أيام حرب 2014، عاش المستوطنون في الملاجئ لأيام أو ساعات، وتلقوا القذائف على منازلهم وممتلكاتهم، وأصيبوا بالهلع عشرات من المرات، لا سيما بعد أن اكتشفوا أن المقاومة تحفر الأنفاق الهجومية تحت بيوتهم، فغدوا حينها يسمعون أصواتاً غريبة ليلاً، كما اشتكوا لقيادتهم.

لقد حصّنت قوات العدو وجود مستوطنات غلاف غزة بإقامة خط من الأسلاك الشائكة داخل أراضي القطاع، وجرفت الأراضي الزراعية لمنع أهل القطاع من التواجد في المنطقة "الحدودية"، وكانت تقتل كل مزارع يجول في المنطقة العازلة، كما شرعت بعد 2014 في بناء جدار داخل الأرض وفوق الأرض، على طول حدود غزة، وأنشأت مواقع عسكرية لرصد المقاومة. رغم هذه التحصينات، لم يشعر مستوطن غلاف غزة بالأمن، خاصة بعد اندلاع مسيرة العودة الكبرى في 30 آذار / مارس.

 أزالت مسيرة العودة الكبرى، منذ انطلاقتها، أول عائق باتجاه فلسطين المحتلة المتمثل بالأراضي المجروفة، التي حرم منها أبناء القطاع لسنوات عدة. نصبت المسيرة "خيم العودة" على بعد 700 متر من الأسلاك الشائكة، ثم نقلتها على بعد 400 متر منها. خلال المسيرات، قطع الشباب المشارك بعض الأسلاك الشائكة في أماكن عدة، ودخلوا إلى منطقة الغلاف، وأحرقوا معدات عسكرية وتجولوا في المكان، قبل أن يعودوا سالمين. قبلها بيوم، وخلال تشييع الشهيدة الممرضة رزان النجار، هاجم الشباب جيباً عسكرياً على الحدود الشرقية لمحافظة خان يونس وتمكنوا من خلع صفيحة قنابل الغاز منه. وما تتسببه الطائرات الورقية التي أبتدعها الشباب الثائر، من حرائق في الأحراش والحقول الزراعية التابعة للمستوطنات من شمالها إلى جنوبها، حيث تم إحراق أكثر من 350 دونماً إلى الآن بفعل هذه الطائرات، أدخلت المستوطنات في مواجهة شعبية واسعة مع الفلسطينيين، وهذا بالذات ما يخشاه العدو، كما ثبت في القدس خلال "هبّة البوابات الألكترونية" في تموز / يوليو 2017.

انطلاقاً من الوضع الحالي لمستوطنات "غلاف غزة"، يمكن طرح تساؤلات عدّة: لماذا لم تستطع "المقاومة السلمية" في الضفة الغربية إيذاء المستوطنين وجعل مستوطنات الضفة بؤر تتقوقع على ذاتها بدلاً من التوسّع، وتخشى التحركات الجماهيرية الفلسطينية ضدها؟ مع العلم أنه، بمنظور القانون الدولي، تعتبر هذه المستوطنات كافة غير شرعية. وإلى أي مدى لعب التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة والعدو دوراً في منع ترهيب المستوطنين، بكل ما يعنيه هذا التنسيق من الإبلاغ عن العمليات الفدائية وزج المقاومين في سجون السلطة، وترقب حالة الغليان ومنع أي احتكاك مع العدو. ومن ناحية أخرى، هل "المقاومة السلمية" المؤطرة من قبل السلطة في الضفة الغربية، والتي تعتبر نفسها بديلاً عن المقاومة بأشكالها كافة، وفي ظل ملاحقة المقاومين والمناضلين، تهدف إلى دحر الاحتلال ومستوطناته أم إلى لفت انتباه "المجتمع الدولي" إلى "تجاوزات" الصهاينة للقانون الدولي واتفاقيات أوسلو ومطالبته بتحمّل مسؤولياته؟ ذلك أن الهدف من التحرك "السلمي" هو الأساس، وليس الشكل، لأن الهدف يحدّد الوسيلة ضمن الخيارات المفتوحة. ما يميّز "المقاومة السلمية" في الضفة الغربية من "مسيرة العودة الكبرى ذات الطابع الشعبي والسلمي" يتجاوز عبارة "سلمي" لأنه يطرح أساساً الهدف الاستراتيجي للنضال الفلسطيني، أي تحرير فلسطين والعودة، وليس لفت انتباه المجتمع الدولي ومطالبته بالحماية أو بلجم الاعتداء على الشعب الفلسطيني فقط. لم تستطع "المقاومة السلمية" المؤطرة من قبل السلطة تطوير حركة شعبية مناهضة للاحتلال لأنها تفتقد إلى الزخم الذي يوفّره الإيمان بإمكانية التغلّب على العدو وعلى مشاريعه العدوانية، ذلك لأنها بنت فكرها وسياستها على عدم الثقة بالشعب والتعويل على "المجتمع الدولي"، وبقيت أسيرة لاتفاقيات تجاوزها الاحتلال في اليوم التالي من إبرامها، كما لم تطرح أهدافاً واضحة تجمع حولها الشعب الفلسطيني. أما "مسيرة العودة الكبرى" في قطاع غزة، فقد حدّدت الهدف الاستراتيجي، بالعودة إلى الوطن، فأعادت مفهوم الصراع إلى بداياته، والأهداف الأخرى بمنع مشروع ترامب في القدس وبكسر الحصار عن قطاع غزة، وهي الأهداف التي يجمع عليها الشعب الفلسطيني، أينما وجد. من هنا جاء شعار المسيرة التاسعة "من غزة إلى حيفا، دم واحد ومصير مشترك"، من أجل ربط المناطق الفلسطينية بعضها ببعض، بعد تجزئتها منذ السبعينيات من القرن الماضي في الفكر السياسي الفلسطيني الرسمي، وفتح أفق النضال الوطني الفلسطيني إلى أبعد مدى.

 

انشر عبر
المزيد