شهيد الأرض يعقوب أبو القيعان .. الجريمة "الإسرائيلية" باعتراف مرتكبيها

12 حزيران 2018 - 10:41 - الثلاثاء 12 حزيران 2018, 10:41:19

إعدام الشهيد أبو القيعان
إعدام الشهيد أبو القيعان

قبل عام ونصف العام، هدمت شرطة الاحتلال "الإسرائيلي" قرية أم الحيران في النقب جنوب فلسطين المحتلة. وخلال هدمها للبيوت وتشريد أصحابها الـ500، قتلت الشهيد يعقوب أبو القيعان، واتهمته بأنّه «نفّذ عملية دهس إرهابية»، وقتل فيها شرطياً. أمّا الآن.. فما «كُشف» يعرّي زيف ادّعاءات الشرطة المتسلسلة وكذبها.

في الليلة الـ 18 من كانون الثاني من العام المنصرم، اقتحمت شرطة الاحتلال قرية أم الحيران، برفقة جرّافاتها. كانت أوامر الهدم في يدِ عناصر الشرطة، الذين بدورهم سلموّها للسكان الفلسطينيين، آمرينهم بالخروج من منازلهم المتواضعة. وذلك تحضيراً لهدمها وإقامة مستوطنة «حيران» محلها. وهو ما حصل...

من بين سكان القرية «غير المعترف بها» "إسرائيليّاً"، والبالغ عددهم 500 فلسطيني، آثر يعقوب أبو القيعان أن يستقلّ سيارته، محملاً فيها كل ما استطاع من ذكرياته وأغراضه، ليخرج بعيداً، حتى لا يشاهد بيته الذي بناه بعرق جبينه يتهاوى أمامه، من دون أن يقوى على فعل شيء.

كان أبو القيعان يقود سيارته متثاقلاً، بسرعة عشرة كيلومترات في الساعة فقط. مع ذلك، أطلق عناصر الشرطة "الإسرائيلية"، النار عليه. تسببت الرصاصات التي اخترقت جسده بزيادة ثقل ساقه فوق دوّاسة الوقود، الأمر الذي زاد من سرعة السيارة وانحرافها، وهو ما نتج عنه دهس شرطي، ومن ثم مقتله.

ما سبق من الوقائع، ينفي تماماً ما أتى على لسان كبار مسؤولي الشرطة، وأولهم وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، والمفتش العام، روني ألشيخ. هؤلاء اتهموا زوراً الشهيد أبو القيعان، بأنه «مخرّب ينتمي إلى تنظيم داعش، ونفذّ عملية دهس أدت إلى مقتل أحد عناصر الشرطة». فضلاً عن أنّ اتهامهم الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من الأدلة، صدر فوراً بعد استشهاد، الأستاذ المدرسي، أبو القيعان.

 

ما الجديد؟

كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، اليوم (أمس)، نقلاً عن أحد محقّقي جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) الذين عملوا في قضية أبو القيعان، أنّ الأخير "لم ينفذّ عملية دهس، وأن الحادث لم يكن على خلفية قومية كما أنه ليس عملية (إرهابية)".

ماذا كان إذاً؟ بحسب الصحيفة نفسها، فإنّ استشهاد أبو القيعان، ومقتل الشرطي "الإسرائيلي" "ناجم عن إخفاق عملاني يتحمّله عناصر الشرطة الذين وجدوا في المكان".

في الواقع، كانت مجريات التحقيق التي تسرّبت بعضها منذ البداية، لوسائل الإعلام، تستبعد احتمال أن يكون ما حصل «عملية دهس على خلفية قومية». وهو ما أكدته أيضاً شهادة المحقّق نفسه، وإفادته التي قدمها في وحدة التحقيق مع الشرطة (ماحاش).

المحقق كان قد زار موقع جريمة الشرطة، وجمّع شهادات العناصر المتورّطين؛ وذلك في الساعات الأولى مباشرة في صبيحة 18 كانون الثاني من العام الماضي.

واللافت أن جميع محققي «الشاباك» الذين وصلوا إلى موقع جريمة الشرطة، قد تلقّوا بلاغاً من أحد العناصر، أشار فيه الأخير إلى أنه "وفق الأدلة التي تم جمعها وتحليلها، فإن لا إشارة إلى عملية دهس على خلفية قومية". كما أكد مصدر أمني لـ«هآرتس» أن "عناصر الشاباك غادروا المكان، موضحين أنه لا يوجد أي مؤشر على هجوم (إرهابي)".

مع ذلك، سارع إردان وألشيخ إلى تزوير الواقع ووصف ما حصل بالعملية "التخريبية والإرهابية"، قبل أن يتراجعوا في وقت لاحق عن وصفهم للشهيد أبو القيعان بأنه «إرهابي»، واستبداله بـ"المواطن العربي الإسرائيلي".

 

التنافس بين الأجهزة الأمنية فضح الشرطة

من غير المنطق أن تكون ضمائر محققي «الشاباك» قد استفاقت فجأة على حق الشهيد أبو القيعان؛ فهم يعملون في أحد أقسى الأذرع الأمنية "الإسرائيلية"، ويمارسون شتى أنواع التعذيب الجسدية والنفسية بحق الأسرى الفلسطينيين. ولذلك فإن «الصحوة» المتأخرة تعود بالتأكيد إلى تنافس بين الجهاز والشرطة.

ففي الشهر الماضي، أعلن مكتب المدعي العام "الإسرائيلي"، شاي نيتسان، إغلاق القضية ضد عناصر الشرطة. وذلك من دون أن يحدد ما إذا كان ما حدث في أم الحيران هو «هجوم إرهابي» أو أي شيء آخر.

قرار نيتسان تناقض تماماً مع موقف كبار المسؤولين القانونيين الذين عملوا في الملف، ومن بينهم الرئيس السابق لـ«ماحاش»، أوري كرمل، ونائب المدعي العام، المحامي شلومو ليمبرغر؛ إذ أن ما توصل إليه هؤلاء نفى بوضوح إمكانية أن يكون الشهيد أبو القيعان قد نفّذ عملية دهس على "خلفية قومية".

إضافة إلى ذلك، فإن نتائج التحقيق أشارت إلى أن عناصر الشرطة أطلقوا النار على سيارة أبو القيعان، بينما كان الأخير يقود بعيداً عنهم، وليس كما ادّعوا هم. كما أن المصابيح الأمامية للسيارة كانت مضاءة وليست مطفأة كما قالت الشرطة.

وبحسب الاستجواب الذي أجراه ضابط «الشاباك» مع عناصر الشرطة وكذلك عائلة الشهيد، تبيّن أن لا وجود لأي «نوايا إرهابية، أو صلة بداعش» بما حصل في أم الحيران. وبالتالي، كانت هذه التوصيات والنتائج الأولية التي رُفعت إلى الشرطة، وقدمت منها نسخة للمفتش العام ووزير الأمن. لكن هؤلاء فضّلا استغلال ما حصل بوصفه «عملاً إرهابياً» من أجل تبرير جريمة عناصرهم.

 

الحقيقة المتأخرة... لن تعيد حق أبو القيعان

منذ عام 2000 وحتى اليوم، قتلت الشرطة "الإسرائيلية" 60 «مواطناً» فلسطينياً في أراضي الـ48. في جميع الجرائم، كانت عناصر الشرطة تتحمّل مسؤولية إطلاق النار على مواطنين من الدرجة الثانية (أو أقل).

استشهد هؤلاء، وأغلقت قضاياهم في المحاكم "الإسرائيلية"، التي وقفت دائماً في صف أجهزة الأمن، وإلى جانب القتلة. فالحكم فيها جاهز دائماً وهو عقاب الفلسطيني مهما كان "برئياً... ولو من وجهة نظر قانونها".

ولذلك، فإن التأكيد الذي حمله الكشف الجديد في ملابسات القضية، لن يعيد إلى الشهيد يعقوب أبو القيعان حقه من الذين سرقوا أرضه وهدموا بيته. هذا ما أكدّه... التاريخ.

بيروت حمود/صحيفة الأخبار اللبنانية

انشر عبر
المزيد