عن وظيفة المجازر الصهيونية

17 أيار 2018 - 11:32 - الخميس 17 أيار 2018, 11:32:39

اصابة احد المتظاهرين من مسيرة العودة
اصابة احد المتظاهرين من مسيرة العودة

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

في دراسته عن سقوط مدينة صفد يوم 11 أيار/مايو 194، وتهجير أهلها المقدر عددهم بحوالى 9 آلاف فلسطيني، أي ما يقارب 84% من عدد سكان المدينة، يعتبر المؤرخ الفلسطيني مصطفى العباسي أن المجازر التي ارتكبتها القوات المسلحة الصهيونية في قرى صفد ساهمت في سقوط المدينة العربية. فأصبحت مدينة صفد، بعد النكبة، مدينة يهودية خالصة. من العوامل الأخرى لسقوط المدينة، ذكر الباحث وفرة السلاح لدى الصهاينة المدربين جيداً للقتال والأعداد الكبيرة للقوات الصهيونية التي تدخلت في المعركة والدعم البريطاني العسكري، وهو ما لم تأخذه بعين الاعتبارالكتب الصهيونية التي ادعت أن سقوط صفد التي كانت تسكنها أكثرية عربية يدلّ على بسالة القوات الصهيونية وتؤكد على انتصار داوود الضعيف على جالوت القوي. يضاف إلى كل هذه العوامل الخلافات بين القوات العربية المشاركة في المعركة ضد المحتل وانعدام الثقة فيما بينها من ناحية وبالجماهير الفلسطينية في صفد وقراها من ناحية أخرى. 

منذ بداية المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، لازمت المجازر الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني عملية الغزو والتطهير العرقي والديني؛ ذلك أن للمجازر وظيفة أساسية في هذه العملية، وهي بث الذعر والخوف بين الفلسطينيين وحثهم على الرحيل عن أرضهم، ما يفسّر العدد الكبير للمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بعد صدور قرار التقسيم في تشرين الثاني / نوفمبر 1947. لم تكن مجزرة دير ياسين في 11 نيسان / أبريل 1948 الأولى ولا الأخيرة، ولكن موقع البلدة القريب من مدينة القدس من جهة، ومن قرية القسطل حيث كان الشهيد القائد عبد القادر الحسيني يدير المعركة ضد الغزاة من جهة أخرى، جعلها صورة مصغّرة للهمجية الصهيونية، ونموذجاً لوظيفة المجازر في حرب الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني.

سقطت مدينة صفد في الجليل الأعلى  يوم 11 أيار / مايو 1948م، بعد ارتكاب مجازر في ثلاث من القرى المحيطة بالمدينة، كان أولها في قرية الخصاص في 18/12/1947، والثانية في قرية سعسع يوم 14/2/1948 والثالثة في قرية الحسينية يوم 12/3/1948. تقع قرية الخصاص في الجزء الشمالي من سهل الحولة ويقطنها ما يقارب 500 نسمة. شنت قوات الهاغانا هجوماً بالقنابل، ونسفت منازل عدة وقتلت 12 شخصاً من أهلها، منهم 4 أطفال. فاجتمعت القيادة الصهيونية (رئيس الوكالة اليهودية دافيد بن- غوريون وموشيه دايان) لتقويم الهجوم، وخلصت إلى أنه "مهما يكن استعمال القوة كريهاً فهو، وإن اشتط به، مثمر في المدى الطويل." (وليد الخالدي، "كي لا ننسى"). رغم المجزرة، لم ينزح أهلها إلا في يوم 25 أيار / مايو 1948، خلال العملية العسكرية الصهيونية "يفتاح".

تقع قرية سعسع على بعد 12 كلم شمالي غربي مدينة صفد، ووصل عدد سكانها إلى 457 نسمة. اقترفت عصابات الهاغانا مجزرتين بحق أهلها، الأولى يوم 14 شباط / فبراير 1948 والثانية يوم 30 تشرين الأول / أكتوبر 1948، أي بعد سقوط مدينة صفد. تذرعت القوات الصهيونية بأن القرية تضم "قاعدة لمقاتلين عرب من أبناء القرية ومن الغرباء"، فأغارت على القرية ليلاً ودمّرت من 30 إلى 40 منزلا وقتلت 11 قروياً، بينهم 5 أطفال، وجرحت ما بين 60 إلى 80 قروياً.

تقع قرية الحسينية على بعد 11 كلم شمال شرقي صفد، وصل عدد سكانها إلى 394 فلسطيني عام 1948. في يوم 13 آذار / مارس، أغارت "البلماخ" على القرية، وقتلت 12 فلسطينياً. وتم الهجوم الثاني بعد أيام قليلة، في 16-17 آذار / مارس، حيث سقط العشرات شهداء.  تعتبر قرية الحسينية الأولى من بين قرى صفد التي تم نسف كل منازلها. بداية أيار / مايو 1948، قررت قيادة "البلماخ" احتلال قريتي عين الزيتون وبيريا، ونسف كل المنازل كعبرة لأهل صفد. فتم فعلاً نسف كل المنازل بعد اعتقال العشرات من أهل القريتين وطرد الباقين، وقد بلغ عدد سكان عين الزيتون حوالي 950 نسمة وبيريا 300 نسمة. لم تكتف قوات البلماخ بعملية الطرد ونسف البيوت، فلاحقت من وقع في الأسر من أهل قرى صفد، واقترفت مجزرة بحقهم يوم 5 أيار / مايو بقتلهم وهم مقيّدون، وكان عددعم 70 أسيراً، من بينهم 37 شاباً من قرية عين الزيتون. 

الدروع البشرية

ابتدعت القوات الصهيونية مسألة "الدروع البشرية" لتبرير ارتكابها للمجازر، كما يحصل اليوم في مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة، حيث روّجت القيادة الصهيونية أن المقاومة زجّت العائلات إلى الصفوف الأمامية، وكما حصل خلال انتفاضة الأقصى وعملية "السور الواقي" في 2000-2002، كلما كانت تفشل في قتل المقاومين. في الحرب التي شنتها العصابات الصهيونية على القرى عام 1948، استخدمت هذا التبرير عندما اقترفت مجزرة في قرية ناصر الدين القريبة من مدينة طبرية، حيث سقط يوم 12 نيسان / أبريل عشر شهداء. كتب عاموس مكادي، أحد المسؤولين عن المجزرة، أن "أعضاء العصابة كانوا يختبئون وراء النساء. لم يعرف رجالي كيف يتصرفون، إذا كان عليهم إطلاق النار على النساء. لذلك أعطيت الأوامر بإطلاق النار على كل من يحاول الهرب، وإن كان يعني ذلك قتل النساء".

ولكن، في مدينة صفد، استخدمت الهاغانا العائلات اليهودية كدروع بشرية في حربها ضد الفلسطينيين، كما ذكر د. مصطفى العباسي، الذي نقل رفضها لمقترح بريطاني لإجلاء هذه العائلات مؤقتاً عن المدينة، قبل بدء معركة صفد. رغم موافقة المجلس اليهودي في المدينة في 16 نيسان / أبريل على إجلاء النساء والأطفال، إلى "تل ابيب" وحيفا وطبريا (التي احتلت)، اعتبرت الهاغانا أنه "إذا تم إجلاء النساء والأطفال، لم يبق أحد للدفاع عنه، وسيهرب اليهود"، أي أن العائلات اليهودية استّخدمت لإلزام الرجال على البقاء في المدينة ومواصلة القتال. بالمقابل، في معركة مخيم جنين (نيسان / أبريل 2002)، طلبت المقاومة من المدنيين كافة الخروج من المخيم عندما اشتدت قوة النيران وعملية جرف المنازل على سكانها.

بعد النكبة، فقدت المجازر وظيفتها، واستمرّ مفعولها الهمجي. أثبتت مجزرة كفر قاسم في 29 تشرين الأول / أكتوبر 1956، والتي ارتكبها الصهاينة لمواصلة التطهير العرقي والديني في الداخل المحتل عام 1948، لا سيما في منطقة المثلث، أن الشعب الفلسطيني فهم جيداً مقصد هذه المجازر المروّعة، وقرّر الثبات والبقاء في أرضه رغم وحشية الاحتلال. وحدهم الصهاينة وأعوانهم الغربيون لم يفهموا بعد ان القتل والمجازر والاعتقال والنهب لم تعد تؤثر على معنويات الشعب الفلسطيني، بل ترسخ الانتماء للمقاومة والتأكيد على مواصلة القتال.

انشر عبر
المزيد