قصف غزة بمنظور القانون الدولي الإنساني

03 أيار 2018 - 12:59 - الخميس 03 أيار 2018, 12:59:25

قصف غزة
قصف غزة

 الدكتور فوزي اوصديق - رئيس المنتدى الإسلامي للقانون الدولي الإنساني

ثمة عدة فروع من القانون الدولي التي تنطبق على النـزاع الدائر في غزة حالياً وهي:

 القانون الإنساني الدولي، المعروف أيضاً باسم قوانين النـزاع المسلح، ويتضمن القواعد التي تحمي المدنيين وغيرهم من الأشخاص غير القادرين على القتال، والقواعد التي تنظم وسائل وأساليب الحرب، والقواعد التي تفرض التزامات على الدولة المحتلة للأرض. إن القانون الإنساني الدولي ملزم لجميع أطراف النـزاع المسلح. ٧ القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويتضمن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وينطبق في أوقات السلم وأثناء النـزاع المسلح، وهو ملزم للدول وقواتها المسلحة وغيرها من الوكالات التابعة لها. وينص على حق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الإنصاف، بما في ذلك تحقيق العدالة والحقيقة وجبر الضرر. ٧ القانون الجنائي الدولي، يحدد المسؤولية الجنائية الفردية عن انتهاكات معينة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، من قبيل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية.

و على ضوئها يمكن تعداد مجموعة من انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي على أيدي الكيان الصهيوني في غزة:

أولاً: القانون الإنساني الدولي

إن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها لعام 1977 تمثل الصكوك الرئيسية للقانون الإنساني الدولي. ويُذكر أن إسرائيل دولة طرف في اتفاقيات جنيف لعام 1949، ولكنها ليست طرفاً في البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 المتعلق بحماية ضحايا النـزاعات المسلحة الدولية (البروتوكول الإضافي الأول)، ولا في البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949، المتعلق بحماية ضحايا النـزاعات المسلحة غير الدولية (البروتوكول الإضافي الثاني). ومع ذلك، فإن إسرائيل ملزمة بالقواعد المنصوص عليها في البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني، اللذين يعتبران جزءاً من القانون الدولي العرفي، ولذا فهي ملزمة لجميع أطراف النـزاع المسلح.

فالأحكام الأساسية للبروتوكول الإضافي الأول، التي تشمل القواعد الواردة أدناه، تعتبر جزءاً من القانون الإنساني الدولي العرفي، وهي بالتالي ملزمة لجميع أطراف النـزاع سواء كان دولياً أو غير دولي، و سيتم التعرّض لهذه الجزئية في محورين .

 

1)النـزاع المسلح الدولي أو غير الدولي

إن احتلال قطاع غزة هو نتيجة لنـزاع مسلح دولي، ويحكمه القانون الإنساني الدولي المنطبق على الاحتلال المحارب، بالإضافة إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان .

بيد أنه إذا نشأت حالة يصل معها القتال داخل الأراضي المحتلة إلى المدى والحِدة الضروريين، فإن القانون الإنساني الدولي الذي ينظم السلوك الإنساني في الحرب ينطبق إلى جانب قانون حقوق الإنسان ذي الصلة الذي يكون مكمّلاً له . وعندما يندلع القتال أثناء احتلال طويل الأمد بين القوة المحتلة (دولة) وبين المقاومة الشعبية، فإنه يوصف عموماً بأنه نزاع مسلح غير دولي، ويكون مثل هذا القتال محكوماً بالقواعد التي تنظم شن الأعمال الحربية

 

2)قانون الاحتلال:

إن إسرائيل  لها التزامات محددة بموجب القانون الإنساني الدولي كقوّة احتلال . ويتعين عليها التقيد بأحكام القانون الإنساني الدولي المنطبق على الاحتلال المحارب، والتي تشمل على سبيل الذكر و ليس الحصر :

| أحكام محددة من اتفاقية لاهاي (الرابعة) الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية واللائحة المرفقة بها والخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية الموقعة في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1907 (لائحة لاهاي)؛

| اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، التي وُقعت في 12 أغسطس/آب 1949 (اتفاقية جنيف الرابعة)؛

| القواعد العرفية للقانون الإنساني الدولي المنطبق على الاحتلال المحارب، ومنها القاعدة التي تحمي الأشخاص الخاضعين لسيطرة أحد أطراف النـزاع، والمفصَّلة في المادة (75) من البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1977، المتعلق بحماية ضحايا النـزاعات المسلحة الدولية (البروتوكول الإضافي الأول).

إن المادة ( 42) من لائحة لاهاي تعرِّف الاحتلال على النحو الآتي:

تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها”. وفي مثل هذه الحالات، يتعين على قوة الاحتلال “اتخاذ جميع التدابير الممكنة لاستعادة النظام العام والأمن وضمانهما قدر الإمكان، مع احترام القوانين السارية في البلاد إلا في حالات الضرورة المطلقة”. (لائحة لاهاي، المادة 43)

وتفرض اتفاقية جنيف الرابعة التزامات على قوة الاحتلال “اسرائيل “فيما يتعلق بسكان الأراضي المحتلة الذين يحق لهم الحصول على حماية خاصة ومعاملة إنسانيةومن بين أمور أخرى، تحظر القواعد على قوة الاحتلال قتل الأشخاص المحميين عن قصد أو إساءة معاملتهم أو ترحيلهم. وتعتبر قوة الاحتلال مسؤولة عن رفاه السكان الخاضعين لسيطرتها. وهذا يعني أنها يجب أن تكفل حفظ القانون والنظام وتوفير الضرورات الأساسية لهم.

إن الفكرة الأساسية للقواعد الدولية التي تنظم الاحتلال المحارب تكمن في أن الاحتلال مؤقت لفترة محدودة. ويتمثل أحد الأهداف الأساسية للقواعد في تمكين سكان الأراضي المحتلة من أن يعيشوا حياة “طبيعية” بقدر الإمكان.

وكقوة احتلال، يقتضي القانون الدولي من “اسرائيل “ أن تكفل حماية حقوق السكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومعاملتهم معاملة إنسانية في جميع الأوقات و يمكن تعداد أهم الالتزامات على النحو التالي:

 

أ. تدابير السيطرة أو الأمن

يجب أن تكون تدابير السيطرة أو الأمن “ضرورية كنتيجة للحرب” (المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة). بيد أن اللوائح المتعلقة بالاحتلال تقوم على فكرة عدم تقييد الحرية الشخصية للمدنيين… وإن الأمر الأساسي يتمثل في أن التدابير المقيدة والتي تُعتمد يجب ألا تؤثر على الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين …”وينبغي احترام هذه الحقوق حتى عندما تكون التدابير المقيدة مبررة”. (تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة).

 

  ب. تدمير المنازل والممتلكات

يُحظر على إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، تدمير ممتلكات الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ما لم يكن ذلك ضرورياً من الناحية العسكرية. وتنص المادة (53 )من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه:”يُحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً مثل هذا التدمير”.

لقد أسفرت عمليات القصف الجوي والمدفعي والهجوم البري عن دمار هائل للممتلكات المدنية في قطاع غزةوفي بعض الحالات، تم تدمير مبان مدنية ومنازل بصورة متعمدة. ومن المبكر تقدير النطاق الكامل للأضرار،وتنص المادة ( 47 ) من اتفاقية جنيف الرابعة على أن: “تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير وبطريقة غير مشروعة وتعسفية” يعتبر انتهاكاً خطيراً، وبالتالي جريمة حرب”.

 

ج.  الغذاء والمواد الطبية والإغاثة

من واجب إسرائيل، بصفتها دولة احتلال، أن تكفل حق سكان غزة في الحصول على ما يكفي من الغذاء والمؤن الأساسية والأدوية والرعاية الطبية.

وتنص المادة ( 55 ) من اتفاقية جنيف الرابعة على أن “من واجب دولة الاحتلال أن تعمل على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمواد الطبية وغيرها إذا كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية.”

وتنص المادة ( 56 )  على أن “من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها وبمعاونة السلطات الوطنية والمحلية، على صيانة المنشآت والخدمات الطبية والمستشفيات وكذلك الصحة العامة والشروط الصحية في الأراضي المحتلة … وأن يُسمح لجميع أفراد الخدمات الطبية بكل فئاتهم بأداء مهامهم.”

وتتصل المادة( 59 ) بشكل خاص بالأوضاع الراهنة في غزة، فهي تقضي بأنه “إذا كان كل سكان الأراضي المحتلة أو قسم منهم تنقصهم المؤن الكافية، فإنه يجب على دولة الاحتلال أن تسمح بعمليات الإغاثة لمصلحة هؤلاء السكان وأن توفر لها التسهيلات بكل ما تسمح به الوسائل المتاحة لها.”

بيد أن إسرائيل لم تكتفِ بعدم توفير المؤن الكافية للسكان في قطاع غزة فحسب، وإنما منعت أو أعاقت بشكل متعمد وصول الإغاثة الطارئة والمساعدات الإنسانية والطبية إلى السكان وقصفت إسرائيل قوافل المئونة و تقوم بقتل الموظفين التابعين للطواقم الإنسانية و الطبية. كما منعت قواتها  و عرقلت أفراد الخدمات الطبية من محاولة أداء واجباتهم للإغاثة.

 

د. العقاب الجماعي

إن الحصار الطويل الذي ظل مفروضاً على غزة قبل اندلاع القتال الحالي يصل إلى حد العقاب الجماعي للسكان جميعاً. وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة العقاب الجماعي تحديداً، حيث تنص المادة ( 33 )  من الاتفاقية على أنه

لا يجوز معاقبة أي شخص محمي على مخالفة لم يقترفها شخصياً. وتُحظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير الترويع أو الإرهاب كذلك.”

وكما ورد في التعليق الخاص للجنة الدولية للصليب الأحمر، “فإن هذه الفقرة تحظر العقوبات الجماعية … وفرض أي نوع من العقوبات على أشخاص أو مجموعات من الأشخاص بأسرها، في انتهاك للمبادئ الأساسية للإنسانية، بسبب أفعال لم يقترفها أولئك الأشخاص”.

3) القواعد التي تنظم الأعمال الحربية:  سنحاول في هذه الفقرة تبديد بعض المصطلحات التي قد يقع عليها لبس أو قراءة مغرضة و كيدية لها ،مع العلم أن الاتفاقيات الدولية قد أعطت تعريفاً جامعاً مانعاً لها والذي قد يُعدُّ أحد المحاور الأساسية التي تخرقه إسرائيل، بعيداً عن كل التزام دولي أو أخلاقي بإعطاء تصنيفات مطاطة و عائمة .

 

1.3.1 المدنيون و المقاتلون

يعرِّف القانون الإنساني الدولي المدنيين بأنهم أولئك الذين ليسوا مقاتلين. بيد أن القانون الإنساني الدولي يقدم تعريفاً للمقاتل فيما يتعلق بالنـزاع المسلح الدولي فقط. وليست هناك قواعد تحدد صفة المقاتل أو أسير الحرب فيما يتعلق بالنـزاعات المسلحة غير الدولية.

وفي سياق النـزاع الحالي في غزة، فإن منظمة العفو الدولية تستخدم مصطلح “المدنيين” لوصف الأشخاص الذين لا يلعبون دوراً مباشراً في الأعمال الحربيةووفقاً للبروتوكول الإضافي الأول، فإنه “إذا ثار شك حول ما إذا كان شخص ما مدنياً أم غير مدني، فإن ذلك الشخص يعتبر مدنياً”. المادة (50).

وقد أظهرت أفعال القوات الإسرائيلية في غزة أن هذه القوات تعتبر الأشخاص والمؤسسات المرتبطة بحماس أهدافاً مشروعة. إن النتائج المترتبة على تطبيق مثل هذا التعريف الفضفاض، الذي يقوض مبدأ التمييز (أنظر الفصل ب )، تبدو جلية في تزايد أعداد المدنيين الذين قُتلوا وجُرحوا في غزة. كما أن القادة السياسيين الضالعين في الاستراتيجية والتخطيط العسكريين ربما يفقدون حصانتهم من التعرض للهجوم في فترة المشاركة في الأعمال العدائية. بيد أن أعضاء حماس أو أنصارها الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية هم مدنيون ويجب ألا يكونوا هدفاً للهجمات الإسرائيلية .

 

.حظر الهجمات المباشرة ضد المدنيين والأهداف المدنية _ مبدأ التمييز

تتضمن المادة(48)من البروتوكول الإضافي الأول “القاعدة الأساسية” المتعلقة بحماية المدنيين _ وهي مبدأ التمييز. ويعتبر هذا المبدأ حجر الزاوية بالنسبة للقانون الإنساني الدولي.

تعمل أطراف النـزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأهداف المدنية”.

ووفقاً لنظام روما الأساسي، فإن شن هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين بهذه الصفة أو ضد المدنيين الأفراد الذين لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية يعتبر جريمة حرب.

وبموجب المادة (51) الفقرة ( 3)  من البروتوكول الإضافي الأول، فإن الأشخاص المدنيين يتمتعون بالحماية “ما لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية وعلى مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذا الدور.”

وتنص المادة (52) الفقرة ( 1 )  من البروتوكول الإضافي الأول على أن “الأهداف المدنية هي جميع الأهداف التي ليست أهدافاً عسكرية”. أما المادة (52) الفقرة ( 2 )  فإنها تحدد الأهداف العسكرية على أنها ” تلك الأهداف التي تساهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، سواء كان ذلك بطبيعتها أم بموقعها أم بغايتها أم باستخدامها، والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة”.

ولا يجوز تفسير الميزات العسكرية بصورة فضفاضة بحيث تجعل القاعدة غير فعالة. إذ أن تبرير هذه الهجمات الهادفة إلى إلحاق الضرر بالرفاه الاقتصادي لدولة ما ،أو تحطيم الروح المعنوية للسكان المدنيين من أجل إضعاف قدرتهم على القتال يعتبر تشويهاً للمعنى القانوني للميزة الحربية، ويقوض للمبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي، ويشكل تهديداً خطيراً لحياة المدنيين. إن الأهداف التي لا تلبي هذه المعايير تعتبر أهدافاً مدنية. وفي الحالات التي لا يكون استخدام الهدف لأغراض عسكرية واضحاً، فإنه “ينبغي الافتراض بأنه غير مستخدم لأغراض عسكرية”. المادة (52) الفقرة ( 3 )

بيد أنه ليس ثمة دول تعترف باستهداف المدنيين بصورة متعمدة، كما أن حصانة المدنيين تتقوض بسبب تفسير القوى المهاجمة لتعريفات الأهداف العسكرية والأهداف المدنية.

وعليه في الممارسة العملية، يُستهدف المدنيون في معظم النـزاعات ، وفي النـزاع الدائر في غزة نجد أن الأغلبية الساحقة هم من ضحايا الأعمال العدائية. وعليه أنكر المسؤولون الإسرائيليون أن يكونوا قد استهدفوا المدنيين عمداً، أو لم يشنوا هجمات ضد المدنيين والأهداف المدنية، بما فيها البنية التحتية الأساسية، تفسيراً غير مقنع

فقصف القوات الإسرائيلية لمباني لا تخدم أية أغراض عسكرية، من قبيل الوزارات الحكومية المدنية، والهجوم على المساجد والمدارس ووسائل الإعلام والمنازل. وتبررها”اسرائيل ” بأنها أهداف مدنية ظاهرياً استُخدمت لأغراض عسكرية فعلياً: أي لتخزين أو إنتاج الذخيرة والصواريخ والأسلحة الأخرى؛ أو كمراكز للقيادة والسيطرة؛ أو لإيواء مقاتلي حماس؛ أو أن القادة العسكريين لحماس كانوا موجودين فيها أو أن المباني كانت مستخدمة لإطلاق النار منها على القوات الإسرائيلية أو على البلدات الإسرائيلية. ولكن في العديد من الحالات، لم تُقدم أية أدلة تؤيد مثل تلك المزاعم، و عليه فإن أي تحقيق في الانتهاكات الخطيرة التي ارتُكبت في هذا النـزاع يجب أن يفحص الأسس التي استند إليها قرار القوات الإسرائيلية بأن مثل تلك المباني المدنية استُخدمت لأغراض عسكرية.

وقصفت إسرائيل البنى التحتية المدنية العامة على نطاق واسع، مما سبّب، إلى جانب الحصار المطوَّل على غزة، كارثة إنسانية مستمرة. وهو أمر يثير احتمالاً قوياً بأن إسرائيل ربما انتهكت الحظر المفروض على ضرب الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين.

المادة ( 54 ) الفقرة ( 2 )  من البروتوكول الإضافي الأول).وفي العديد من الحالات، لم تعطِ”اسرائيل ” أي تفسير لمهاجمة المباني المدنية.

وفي بعض الحالات كانت الطواقم الطبية تشكّل أهدافاً عسكرية، ( انظر المادة ( 12 ) وما تبعها من البروتوكول الأول ) و عليه فإن شن”اسرائيل ” هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين الذين لا يلعبون دوراً مباشراً في الأعمال العدائية، يعتبر جريمة حرب. كما أن شن هجمات متعمدة ضد أهداف مدنية يعتبر جريمة حرب أيضاً .

 

ج. حظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة

تحظر المادة ( 51 ) الفقرة ( 4 )  من البروتوكول الإضافي الأول الهجمات العشوائية، وهي تلك الهجمات “التي تصيب بطبيعتها الأهداف العسكرية والمدنيين أو الأهداف المدنية بلا تمييز.”

وقد يصل إطلاق المدفعية الإسرائيلية على المناطق المدنية المكتظة بالسكان في غزة إلى حد الهجمات العشوائية. فقبل القتال الدائر حالياً، وقعت حالات عديدة قُتل فيها مدنيون في غزة نتيجةً لعمليات القصف غير الدقيقة.

لقد ثبت أن الهجمات بالمدفعية والمورتر وقصف الدبابات والبوارج والطائرات ليست دقيقة في تحديد الأهداف الموجودة في وسط المناطق السكنية المكتظة بالسكان في غزة. إن إسرائيل تملك ترسانة ضخمة من الأسلحة المتقدمة ولديها التزام باختيار وسائل الهجوم التي تقلل الخطر على المدنيين إلى أدنى حد ممكن .

أما الهجمات غير المتناسبة، وهي نوع من الهجمات العشوائية، فهي “تلك التي يمكن أن يتوقع منها أن تسبب خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات في صفوفهم أو أضراراً بالأهداف المدنية أو مزيجاً من كل ذلك، ويمكن أن تكون مفرطة بالمقارنة مع الفوائد العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.” (المادة 51 (5 ب)من البروتوكول الإضافي الأول). وقصفت إسرائيل منازل المدنيين في غزة، مدعيةً بأنها كانت تستهدف القادة العسكريين لحماس. وأسفرت بعض الهجمات التي شُنت على منازل قادة حماس عن مقتل عشرات المدنيين، مع أنه كان ينبغي أن يكون واضحاً للقوات الإسرائيلية أن هدف الهجوم يُرجح ألا يكون موجوداً هناك، أو أن من المرجح أن يُقتل مدنيون في ذلك الهجوم.

إن شن هجمات غير متناسبة بشكل متعمد يعتبر جريمة حرب، كما أن شن هجمات غير متناسبة ينتج عنها خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات في صفوفهم أو أضرار في الأهداف المدنية، ويعتبر جريمة حرب كذلك، وبالإضافة إلى ذلك، فإن تدمير واغتصاب الممتلكات على نطاق واسع وبشكل غير مبرَّر بالضرورة العسكرية ويُنفذ بطريقة تعسفية وبلا هوادة، يعتبر جريمة حرب.

 

د.  الاحتياطات في الهجوم

تطلب المادة ( 57) من البروتوكول الإضافي الأول من جميع الأطراف العمل بعناية على تجنب ضرب السكان المدنيين والمدنيين الأفراد والأهداف المدنية. وتنص المادة (57) الفقرة ( 2 ) على ما يلي:

| يجب على من يخطط لهجوم أو يتخذ قراراً بشأنه:

أولاً: أن يبذل ما في طاقته عملياً للتحقق من أن الأهداف المقرر مهاجمتها ليست أشخاصاً مدنيين أو أهدافاً مدنية وأنها غير مشمولة بحماية خاصة، ولكنها أهداف عسكرية في منطوق الفقرة الثانية من المادة 52، ومن أنه غير محظور مهاجمتها بمقتضى أحكام هذا البروتوكول.

ثانياً: أن يتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند اختيار وسائل وأساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين، أو إلحاق الإصابة بهم أو الإضرار بالأهداف المدنية، وذلك بصفة عرضية، وعلى أي الأحوال حصر ذلك في أضيق نطاق.

ثالثاً: أن يمتنع عن اتخاذ قرار بشن أي هجوم قد يتوقع منه، بصفة عرضية، أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم، أو الإضرار بالأهداف المدنية، أو أن يحدث مزيجاً من كل ما ذُكر، أو أن يحدث خطأ في هذه الخسائر والأضرار، مما يفرط في تجاوز ما يُنتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.

| يُلغى أو يُعلق أي هجوم إذا تبين أن الهدف ليس عسكرياً أو أنه مشمول بحماية خاصة أو أن الهجوم قد يتوقع منه أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم أو الإضرار بالأهداف المدنية، أو أن يُحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار، وذلك بصفة عرضية، تفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.

| يوجَّه إنذار مسبق وبوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تحل الظروف دون ذلك”.

وقد اختارت إسرائيل شن هجومها أحياناً في وقت كانت فيه شوارع غزة مزدحمة بالناس، و يعتبر هذا مؤشراًعلى أنها منذ البداية لم تتخذ الاحتياطات الضرورية.

أو قصف القوات الإسرائيلية مسجداً مما أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين إلى أقصى حد ممكن ،بدلاً من تقليصها إلى أدنى حد ممكن. والمساجد عادةً هي أهداف مدنية محمية، ولكن إسرائيل ادعت أنها استهدفت ذلك المسجد أو ذاك  لأنه كان يستخدم لتخزين الأسلحة، وحتى إذا كان ذلك صحيحاً، فإنه لا يعفي إسرائيل من التزامها القانوني باتخاذ الاحتياطات الضرورية من قبيل تحذير المدنيين في المسجد، أو اختيار الوقت الذي يكون فيه المدنيون غير موجودين على الأرجح.

وهاجمت إسرائيل مواقع تدعي أنها استُخدمت لإطلاق صواريخ عليها، مما أسفر عن مقتل العديد من المدنيين_بحسب – ما ذُكر. وحتى لو تحققت إسرائيل من أن الصواريخ انطلقت من موقع معين، فإنها يجب أن تتخذ الاحتياطات الضرورية قبل شن الهجوم. وهذا يشمل تحديد ما إذا كان الهدف قد بقي ذا سمة عسكرية أم لا (فمثلاً إذا أُطلق صاروخ من سطح منـزل مدني، ثم نُقلت منصات الصواريخ وغادر المقاتلون المكان، فإنه لا يعود يعتبر هدفاً عسكرياً)، والتحقق مما إذا كان المدنيون مازالوا بالقرب من الهدف، والتأكد من أنه إذا مضى الهجوم قدماً، فإنه لن يكون ذا سمة غير متناسبة. كما أن  تلك التحذيرات التي تطلقها إسرائيل غالباً ما كانت تشكل وسيلة غير فعالة لحماية المدنيين. و كانت العناصر الرئيسية للتحذير الفعال غائبة، ومنها: صدور التحذير في الوقت المناسب، وإبلاغ المدنيين بالأماكن التي يعتبر الفرار إليها آمناً، وتوفير ممر آمن ووقت كاف للفرار قبل الهجوم.

 

هــ. . الاحتياطات في الدفاع و”الدروع البشرية

ينص البروتوكول الإضافي الأول على أن ” يتجنب كل طرف، إلى أقصى حد ممكن، إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها” (المادة 58 (ب). ويوضح تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على هذه المادة أن المصطلح “ممكن” يستخدم لتوضيح “حقيقة أنه لا يمكن الطلب من أحد أن يفعل المستحيل. وفي هذه الحالة، فإن من الواضح أن الاحتياطات يجب ألا تذهب إلى أبعد من المرحلة التي تصبح فيها حياة السكان صعبة أو حتى مستحيلة.” ويشير أيضاً إلى أنه “لا يتوقع من أحد أطراف النـزاع أن يقوم بترتيب قواته المسلحة ومنشآته المسلحة بطريقة تجعلها ظاهرة للعيان.”

كما أن القانون الإنساني الدولي يحظر صراحةً استخدام أساليب من قبيل “الدروع البشرية”لمنع وقوع هجوم على أهداف عسكرية. وتنص المادة(28 )من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه “لا يجوز استغلال أي شخص محمي بحيث يجعل وجوده بعض النقط أو المناطق بمنأى عن العمليات الحربية.”وقد صدَّقت إسرائيل على الاتفاقية، التي يُعترف بأنها تعبر عن القانون الإنساني الدولي، ولذلك فإنها ملزمة ،وفي التعليق المرافق حددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نطاق هذه المادة على النحو الآتي: “إن الحظر معبَّر عنه بشكل مطلق وينطبق على أراضي الدولة المحاربة مثلما ينطبق على الأراضي المحتلة، وعلى المواقع الصغيرة إلى جانب المناطق الواسعة.”كما توضح المادة ( 51 ) الفقرة ( 7 ) من البروتوكول الإضافي الأول حظر استخدام الدروع البشرية أنه: “لايجوز أن يوجه أطراف النـزاع تحركات السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين بقصد محاولة درء الهجمات عن الأهداف العسكرية أو تغطية العمليات العسكرية.”

إن تحصين هدف عسكري باستخدام المدنيين بشكل متعمد يعتبر جريمة حرب.

وأشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تعليقها إلى أنه: “في أوقات الحرب، لا مناص من اختلاط الأشخاص الذين ينتمون إلى فئة المقاتلين بين السكان المدنيين، من قبيل الجنود المجازين الذين يزورون عائلاتهم. بيد أن ذلك لا يغير بأي شكل الصفة المدنية للسكان شريطة ألا يكون أولئك عبارة عن وحدات نظامية بأعداد كبيرة.”

وقد دخلت القوات الإسرائيلية غزة سابقاًو عودتنا اتخاذ مواقع لها في عدد من المنازل الفلسطينية، وأرغم العائلات على المكوث في الطابق الأرضي للمنـزل، بينما يستخدم بقية أرجاء المنـزل كقاعدة عسكرية وموقع للقنص، وهو ما يعني من الناحية الفعلية أنها استخدمت المدنيين كدروع بشرية. وقد شاعت هذه الممارسة في السنوات الثماني الماضية في قطاع غزة والضفة الغربية. وفي توغل سابق في قطاع غزة في مارس/آذار 2008، استولى الجنود الإسرائيليون على ما لا يقل عن ثلاثة منازل في الشمال. وفي فبراير/شباط 2008، استولى الجنود على منـزل آخر في قرية بيت أُمر بالقرب من الخليل بالضفة الغربية.

 

و.  حظر الانتقام

إن القانون الإنساني الدولي لا يقوم على المعاملة بالمثل. وإن حقيقة أن أحد الطرفين ربما يكون قد انتهك قوانين النـزاع المسلح لا تصلح أن تكون أساساً للطرف المقابل للقيام بأفعال غير قانونية، سواء من أجل إرغام الطرف المعتدي على الالتزام، أو كوسيلة للرد أو الانتقام.

ويحظر القانون الإنساني الدولي صراحةً الهجمات ضد السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين أو الأهداف المدنية عن طريق عمليات الانتقام (المادتان (51) الفقرة ( 6 ) و (52) الفقرة ( 1 ) من البروتوكول الإضافي الأول).

 

ي.  بقاء السكان والهجمات ضد الأطقم الطبية وحرية وصول المساعدات الإنسانية

يحظر البروتوكول الإضافي الأول مهاجمة الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين أو تدميرها أو إزالتها أو إتلافها (المادة (54) الفقرة ( 2 ). ويتعين على أطراف النـزاع أن تسمح بمرور مواد الإغاثة الإنسانية المحايدة بسرعة وبلا عوائق وأن تسهِّل مرورها (البروتوكول الإضافي الأول، المادة 18). كما يتعين عليها أن تحترم الأطقم الطبية ووسائل مواصلاتها وأن توفر لها الحماية (البروتوكول الإضافي الأول، المادتان 15 و 21

إن شن هجمات متعمدة ضد العاملين أو المنشآت أو المواد أو الوحدات أو المركبات المستخدمة من قبل بعثات المساعدات الإنسانية أو الطبية  يعتبر جريمة حرب بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وإن شن هجمات متعمدة ضد الوحدات الطبية والمواصلات والعاملين الذين يستخدمون الشعارات والرموز المميزة لاتفاقيات جنيف يعتبر جريمة حرب كذلك. كما أن تجويع المدنيين عمداً كأسلوب من أساليب الحرب عن طريق حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك عرقلة وصول مواد الإغاثة بشكل متعمد يعتبر جريمة حرب أيضاً بموجب اتفاقيات جنيف.

 

ثانياً :  القانون الدولي لحقوق الإنسان

تؤكد محكمة العدل الدولية ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن قانون حقوق الإنسان يظل منطبقاً في أوقات النـزاع المسلح، ويعتبر مكملاً للقانون الإنساني الدولي. إن أفعال إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة مقيدة بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها، بالإضافة إلى القواعد العرفية للقانون الدولي لحقوق الإنسان. أما المعاهدات التي صدقت عليها إسرائيل فهي على سبيل المثال : العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.

وكما أوضحت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ان التزامات الدول الخاصة بحقوق الإنسان فيما يتعلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنطبق خارج نطاق ولايتها القضائية.. ولا يضع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حدوداً تتعلق بالولاية القضائية الإقليمية. وهذا يعني أن التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان ينطبق أيضاً على الأراضي المحتلة الخاضعة لسيطرتها.

ولا يسمح العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالانتقاص من أحكامه حتى في أوقات الطوارئ، ولا يسمح سوى بالقيود “التي يقررها القانون شريطة أن تكون متسقة مع طبيعة هذه الحقوق، ولغايات تعزيز الرفاه في مجتمع ديمقراطي فقط.” وكما أوضحت اللجنة، فإن القيود يجب أن تكون متناسبة  “وينبغي اعتماد البديل الأقل تقييداً حيثما تتوفر أنواع عديدة من القيود.”

ونظراً لأن القانون الدولي لحقوق الإنسان ينطبق في أوقات النـزاع المسلح إلى جانب القانون الإنساني الدولي، فإن السلوك نفسه يمكن أن يشكل انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

وخلال النـزاع في غزة، كان من بين التزامات حقوق الإنسان التي انتُهكت الالتزام باحترام وحماية وتعزيز الحقوق التالية:

الحق في الحياة (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة( 6)منه ، والحق في الحصول على الغذاء والسكن الكافيين (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة(11) منه والتمتع بأرفع المستويات الممكنة للصحة الجسدية والعقلية (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة(12) منه، والذي يشمل أيضاً الحق في الحصول على الماء؛ والحق في التعليم (العهد الدولي نفسه، المادة(13) منه  إن الأفعال التي تهدف إلى أو تسفر عن تدمير أو إعاقة البنية التحتية الضرورية للتمتع بهذه الحقوق، ومنها المستشفيات والمدارس، تعتبر انتهاكات تُحاسب عليها الدول الأطراف. و إنني أركز  في هذه الفقرة على  ( الحق بالسكن ) فالقانون الدولي لحقوق الإنسان يجرّم أفعالاً معينة في الحرب _ وتحديداً تدمير مئات المنازل على أوسع نطاق _ قد تشكل نوعاً من عمليات الإجلاء القسري غير القانوني، الذي يعتبر انتهاكاً للمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتعرِّف لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية “عمليات الإجلاء القسري” بأنها: “الطرد الدائم أو المؤقت، رغماً عن إرادتها، لعائلات أو مجتمعات من منازلها و/أو أراضيها التي تشغلها، من دون توفير أو تسهيل الحصول على أشكال ملائمة من الحماية القانونية أو غيرها”. وقد اعتبرت لجنة الأمم المتحدة العمليات التي تنجم عن “النـزاعات المسلحة الدولية والاقتتال الداخلي والعنف الطائفي أو الإثيني”ضمن عمليات الإجلاء هذه.

 

ثالثاً :  القانون الجنائي الدولي

يمكن تحميل الأفراد، سواء أكانوا مدنيين أم عسكريين المسؤولية الجنائية عن انتهاكات معينة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

ويقع على عاتق جميع الدول واجب إجراء تحقيق في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بالإضافة إلى غيرها من الجرائم بموجب القانون الدولي، من قبيل التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري، ومقاضاة مرتكبيها حيثما تتوفر أدلة مقبولة كافية، و على الخصوص نركز على جريمتين و هما على التوالي :

 

1.  جرائم الحرب

إن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول ومعظم الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقانون الإنساني الدولي تعتبر جرائم حرب. ويتضمن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي) تعريفاً لهذه الجرائم. وتعبر قائمة جرائم الحرب الواردة في المادة (8) من نظام روما الأساسي عن القانون الدولي العرفي في وقت اعتماده، مع أن القائمة ليست كاملة، وثمة عدد من جرائم الحرب المهمة غير المذكورة فيها.

وتنص المادة (1) 86 من البروتوكول الإضافي الأول على أن:

تعمل الأطراف السامية المتعاقدة وأطراف النـزاع على قمع الانتهاكات الجسيمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع كافة الانتهاكات الأخرى للاتفاقيات ولهذا البروتوكول، التي تنجم عن التقصير في أداء عمل واجب الأداء”.

و من الجرائم الموصفة التي قد تدخل قي نطاق المادة المذكورة ، حسب قناعتنا ،  القتل المتعمد، والترحيل غير القانوني، والتعذيب وإساءة المعاملة، وتدمير واغتصاب الممتلكات على نطاق واسع من دون مبرر تمليه الضرورات العسكرية.

 

2. الجرائم ضد الإنسانية

وفقاً لنظام روما الأساسي، فإن أفعالاً معينة، إذا وُجهت ضد السكان المدنيين كجزء من هجوم منظم واسع النطاق، وكجزء من سياسة الدولة أو المنظمة، قد تصل إلى حد الجرائم ضد الإنسانية. ومن بين هذه الأفعال القتل المتعمد والتصفية والاسترقاق والترحيل أو التهجير القسري للسكان والسجن أو غيره من أشكال الحرمان من الحرية الجسدية بما يشكل انتهاكاً للقواعد الأساسية للقانون الدولي والتعذيب والاغتصاب وغيره من الجرائم الجنسية وحالات الاختفاء القسري.

ويمكن أن تُقترف الجرائم ضد الإنسانية في وقت السلم أو أثناء النـزاعات المسلحة على السواء.

 

رابعاً : حق المقاومة الفلسطينية في الدفاع عن أهلها

إزاء الانتهاكات التي يرتكبها جيش الاحتلال ضد أهالي غزة وبعد توسيع عدوانه على القطاع، قامت المقاومة بالدفاع عن أهل القطاع عبر قصف الكيان الإسرائيلي، وذلك حق مؤكد للمقاومة يكفله القانون الدولي. فقد نوه بهذا الحق العديد من القرارات والاتفاقيات الدولية، حيث جاء في المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، أن “لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها”. وأصدرت الجمعية العامة القرار 1514 في 14/ 12/1960 الذي يعلن منح الاستقلال للبلاد والشعوب المستعمرة.

كذلك أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3101 الصادر في 2/12/1972 في الدورة الثامنة والعشرين، لتأكيد حق الشعوب الخاضعة له بالتحرر منه بالوسائل كافة، والقرار 3103 عام 1973، لتثبيت المبادئ الأساسية للوضع القانوني لمواجهة الاستعمار.

وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العديد من قراراتها شرعية نضال الشعوب الرازحة تحت الاحتلال من أجل تقرير مصيرها، ودانت الحكومات التي لا تعترف بحق تقرير المصير.

وشددت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 61/295، المؤرخ في 13 أيلول/ سبتمبر 2007 (إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية) على أن للشعوب الأصلية الحق في تقرير المصير، وهناك كثير من القرارات والاعلانات التي تؤكد حق مقاومة المحتل والدفاع عن النفس.

وعليه، فإن دفاع المقاومة الفلسطينية عن أهالي غزة ضد العدوان الصهيوني يعتبر حقاً منسجماً مع مبدأ حق تقرير المصير، ولا يمكن لأحد نقض هذا الحق لأن لا سبيل للدفاع عن أهالي غزة اليوم إلا عبر المقاومة، أمام الصمت العربي والدولي الذي ليس باستطاعته منع “إسرائيل” من ارتكاب مجازر ضد الفلسطينيين. واليوم لا يمكن لأحد في المجتمع الدولي أن يقول إن “إسرائيل” تدافع عن نفسها والاستناد إلى ميثاق الأمم المتحدة في ذلك، لأن “إسرائيل” كيان احتلالي، احتل فلسطين غصباً عن أهلها.

انشر عبر
المزيد