في غزة قُطعت الأعناق!

17 نيسان 2018 - 02:55 - الثلاثاء 17 نيسان 2018, 14:55:15

حصار قطاع غزة
حصار قطاع غزة

تكمن أهمية المقولة الشائعة (قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق) في قَصديّتها التبليغية لا في معناها الظاهر، إذ جرى إشهارها بأوساطنا المجتمعية في وجه المسؤولين لتحذيرهم من خطورة استعمال صلاحياتهم ومناصبهم ضد الرعيّة، موظفين أو عامة الناس. لكن تلك المقولة بدأت تنهار أمام الإجراءات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية ممثلة برئيسها، محمود عباس مؤخراً، ضد سكان قطاع غزة الذين يتواجد بينهم نسبة كبيرة من أبناء حركة فتح ومناصريها.

بدأ عباس بالمجاهرة في نيّته معاقبة القطاع المحاصر، قبل عام، حينما صرّح بأنه بصدد اتخاذ خطوات "غير مسبوقة تجاه غزة"، رداً على تشكيل حركة حماس إدارة في القطاع تتولى عمل الحكومة، لكن لم يتوقع أحد أن تدخل تلك التهديدات حيّز التنفيذ، باعتبارها حاصلة ضمن المناكفات السياسية التي اعتادها الشعب منذ بداية الانقسام.

وسرعان ما أصبحت التصريحات واقعا عبر تقليص رواتب كل موظفي السلطة بغزة، بنسبة 30-40% من رواتب موظفيها، وإحالة المئات من الموظفين إلى التقاعد بعد خفض سن التقاعد إلى 35 عاماً، بحجة أزمة مالية خانقة تعيشها السلطة، في حين أن التسريبات الصحافية عن قيادات في السلطة، والأرقام الكاشفة عن التمويل الأممي للسلطة تؤكد إمكانية صرف الرواتب كاملة دون نقصان.

وجاءت الخطوة العقابية غير القانونية في ظل ظروف إقتصادية خانقة وغير مسبوقة تمر بها غزة. إذ أن الموظفين العموميين في القطاع، الذين تتولى حركة "حماس" مسؤولية صرف رواتبهم، لا يتقاضون أكثر من 40% من رواتبهم وبشكل غير منتظم، ناهيك عن الحصار الذي شلّ الدورة الإقتصادية، وهو ما زاد الطين بلّة وأربك موظفي السلطة وعائلاتهم.

منذ ذلك الإجراء ازدادت الأمور تعقيداً وترديّاً في غزة، فكل العقوبات التي طالت القطاع خلال سنوات الانقسام، وما تخللها من معاناة لم تصل لموظفي السلطة الذين يمثّلون حجر الزاوية في اقتصاد غزة. إذ كانت الأسواق الراكدة تشهد حركة واضحة في البيع والشراء في الساعات الأولى من صرف رواتبهم، ليعود السوق بعد يومين إلى ما كان عليه من كساد.

ازدادت نسبة الفقر لتسجل أعلى معدّلاتها، واتسع نطاق البطالة، فيما ظلت حالة الكبت تلاحق سكان غزة، الذين لم يجدوا متنفساً للتخفيف من أزماتهم الإقتصادية والسياسية، بل مزيداً من المعاناة والتضييق، ليخرجوا من ألمهم ويفجّروا نشاطاً وطنياً سياسياً غير مسبوق مثّلته "مسيرة العودة الكبرى" في الثلاثين من آذار/مارس الماضي، بالتزامن مع يوم الأرض. رغم أن المسيرة انطلقت بشعار العودة إلى الأراضي المحتلة عام 48، إلا أنها تحمل أبعاداً سياسية واجتماعية للخروج من الوضع الخانق، فخرج الآلاف باتجاه الحدود الفلسطينية مع الأراضي المحتلة وتظاهروا بشكل سلمي لم يمارسوه من قبل، ونصبوا الخيام وأحرقوا "الكوتشوك" والعلم الصهيوني.

الكيان الصهيوني شعر بخطورة الأمر وحاول إجهاض المسيرة قبل بدئها. فحذّر من المشاركة فيها وبذل جهوداً مضنية لذلك. فللمرة الأولى يتخذ الفلسطينيون خطوة تحرج الكيان أمام المجتمع الدولي الذي لم ينصفهم وظلّ يطالبهم بإيقاف المقاومة المسلّحة. هنا خاطبتهم غزة بنسائها وشبّانها وأطفالها باللغة التي يفهمها الغرب، إلا أن العدو ردّ بلغة القتل والدماء، وارتقى 32 شهيداً وآلاف الجرحى. فخرجت المسيرات في أميريكا الحاضنة للكيان، ومن عدد كبير من الدول الأوروبية تندد بقتل الفلسطينيين بغزة، وتدعم مسيرتهم.

لم يكن من عباس الذي لطالما ادّعى إيمانه بالمقاومة السلمية، إلا القيام بمعارك استنزاف جانبية جديدة بلغت أوجها بعد انطلاق "مسيرة العودة"، عندما كشفت تسريبات صحافية عن أن عضو اللجنة المركزية لفتح عزام الأحمد، قام بتحريض عباس لقطع رواتب موظفي السلطة كاملة. وبعد انتشار الخبر وإحداثه بلبلة كبيرة بين أوساط المواطنين خرجت تصريحات مضادة نفت الخبر وأكدت أن رواتب شهر مارس/آذار ستصرف خلال أيام. تضاربت الأخبار لاحقاً وظلّ الجدل يدور حول ما إن كانت الرواتب قطعت بالفعل، ليقطع صرف منتسبي السلطة في الضفة دون غزة الشك باليقين، لا سيما بعدما قال عباس مؤخراً إنه "في حال عدم تسليم حماس السلطة بشكل كامل متضمنة الوزارات، الدوائر، الأمن، والسلاح سيكون لكل حادث حديث، وإذا رفضت فلن نكون مسؤولين عما يجري هناك".

تبع ذلك قدوم وفد مصري بقيادة رئيس الملفّ الفلسطيني في جهاز المخابرات العامة المصرية، سامح نبيل، إلى غزة والتقاءه بقيادة "حماس" لمتابعة ملف المصالحة، في حين أن من المؤشرات ما يدل على أن الزيارة ذات أهداف مضمرة، فالوفد قدم من معبر بيت حانون "إيريز"، ما يشير إلى زيارته رام الله أو الكيان الصهيوني قبل وصوله غزة، فيما تحدثت تقارير إعلامية مؤخّراً عن ضغوط مصرية على قيادة "حماس"، لوقف "مسيرة العودة الكبرى" مقابل بعض العروض في تخفيف واقع الحصار على القطاع.

مهما كان الهدف من الزيارة، وتلك الإجراءات، فالأمور لم تثقبها انفراجة بعد، بل لا تزال تتجه نحو الأسوأ، في ظل ضبابية قرارات تُشكل ورقة ضغط على حماس وسكان القطاع الذين لايزالوا يدفعون فاتورة الانقسام من جيوبهم الخاوية.

بقلم/ إيمان عامر

انشر عبر
المزيد