مقاومة النطف.. إبداع من رحم المؤبد !

17 نيسان 2018 - 12:41 - الثلاثاء 17 نيسان 2018, 00:41:55

ولادة طفل فلسطيني عبر نطفة مهربة
ولادة طفل فلسطيني عبر نطفة مهربة

وكالة القدس للأنباء - أمين مصطفى

لا يعدم الفلسطيني وسيلة أو أسلوباً، في التمسك بالحياة وإثبات حضوره ووجوده في مواجهة كل التحديات، مكتسباً ذلك من خبرة طويلة، وتجارب على مدار أكثر من حمسة وسبعين عاماً.

توهم العدو الصهيوني يوماً، أن بمقدوره حصار الشعب الفلسطيني، وزج أعداد كبيرة منه في أقبية السجون، بهدف تجريده من عناصر قوته، وإضعاف معنوياته، وصولاً إلى تقليص عديده البشري.

ففتح عشرات السجون، ومارس القمع بأبشع صوره، وابتدع قوانين جائرة تسمح له ببقاء الأسرى عشرات السنين في الأسر، وأصدر عقوبات تصل إلى مؤبدات عدة، وبذلك يكون - متخيلاً - أنه كسر شوكة صمودهم، وأنهى تواصلهم مع الحياة خارج الزنزانة.

لكن هؤلاء الأسرى، ردوا بما أذهل العدو، وألحق به هزيمة نفسية قاسية، فقلبوا السحر على الساحر، وذلك عبر تهريب نطفهم وزرعها في أرحام زوجاتهم، ليعلنوا انتصارهم على القيد، ونموهم شوكاً في عيون الاحتلال.

عشرات النطف المهربة سجلت منذ العام 2012، ابتداء من إقدام الأسير عمار الزين، من مدينة جنين المحتلة، المحكوم بالسجن المؤبد 27 مرة، على هذه الخطوة، حيث أنجبت زوجته طفلها مهند، ولم يكتف بذلك فرزق بطفله الثاني من نفس العينة المهربة، ليقول أن كل مؤبدات العدو ساقطة، ونسلنا لن ينقطع، وهناك من يولد من جديد، ليحمل المشعل ويكمل المسيرة.

وبعد الزين، كانت عملية الأسير زياد قواسمة من الخليل، الذي أنجبت زوجته طفلين أيضاً، تلاه الأسير يحيى النمر، من مخيم نور شمس بطولكرم، والمحكوم بالسجن 24 عاماً، حيث رزق بطفلة

الإبداع الإنساني هذا، إن دلَ على شيء، إنما يدلَ على رسالة واضحة لكل من يحاول أن يقتل الحياة في نفوس الشعب الفلسطيني، مفادها أننا أصحاب المستقبل، وكما أن الدبابات والطائرات والصواريخ، ومحاولات التجويع، قد فشلت في إخضاع الفلسطيني، فإن مقاومته امتدت حتى داخل أسوار السجن، عبر قرار تهريب النطف والإنجاب.

قرَر هؤلاء الشباب داخل الأسر، أن يواصلوا عطاءهم وهم في ذروة قوتهم وقدراتهم الإنجابية، في حين كان السجَان يظن أنه أطلق عليهم رصاص الرحمة بحرمانهم من النسل، وقتلهم أحياء.

لم يتوقف إبداع وسيلة النطفة عند التفكير بها، بل استكمل في عملية النقل، والتهريب، فدون وصولها إلى الرحم رحلة شاقة، فالنطفة بحاجة إلى درجة برودة معينة، ومصيرها محدد بوقت لا يتجاوز 72 ساعة، وعلى مهربها أن ينجح في اجتياز حواجز وعوائق عدة، بعد إخضاعه لعمليات تفتيش دقيقة جداً، لا يستثنى منها حتى الأطفال الصغار.

و"المعركة" تبدو قوية عندما ندرك أن حوالي 30 – 40 % من الأسرى من المتزوجين، وعدد كبير منهم محكوم بمؤبدات، أو خاضع لقانون الأحكام الإدارية المفتوحة على المجهول، أو محكوم بمدة طويلة.

والمعاناة لا تقف عند حدود الأسير نفسه فقط، إنما تمتد لتطال زوجته وعائلته أيضاً، حيث يعيشون واقعاً مأساوياً، لا يعرفون متى وكيف ينتهي بهم المطاف في هذا الشأن.

إذن المسألة اتخذت بعداً إنسانياً واجتماعياً مهماً، إلى جانب البعدين: السياسي والأمني، ما جعل لعملية تهريب النطف رمزية بطولية.

كذلك أعطى نجاح الفكرة، روحاً معنوية هائلة لدى الأسرى، فأحيت في نفوسهم معاني الحياة، واستمرار الكفاح بوسائل جديدة، فهم - بهذا العمل – تحولوا إلى مقاتلين، فكسروا العزلة واليأس والحرمان، وأعلنوا ثورة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ حركات التحرر، وصنعوا حياة قابلة للتجدد والتطور والإستمرارية، مؤكدين أنه من رحم الظلام إلى رحم النور، تولد المقاومة.

انشر عبر
المزيد