هدم قرية ام الحيران ومسيرة العودة الكبرى

16 نيسان 2018 - 10:22 - الإثنين 16 نيسان 2018, 10:22:20

هدم قرية ام الحيران
هدم قرية ام الحيران

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

في يوم 10 نيسان، وقع خبر توقيع أهالي أم الحيران، القرية غير المعترف بها في النقب المحتل، على "اتفاق" مع "سلطة تطوير النقب" الصهيونية، يتم بموجبه إخلائهم عن القرية وترحيلهم إلى حارة رقم 12 في قرية حورة، القرية التي أسسها الاحتلال لتجميع فلسطينيي النقب، تبعا لسياسة تفريغ النقب من أهله لسرقة أراضيهم. كانت محكمة العليا الصهيونية قد قررت قبل أشهر أن على أهالي قرية أم الحيران إخلاءها بشكل كامل، بدءاً من تاريخ 15/4 ولغاية تاريخ 30/4 كحد أقصى، وإلا سيتم اقتلاعهم وتهجيرهم بالقوة.

لم يوقّع إلا حوالي 170 من أهل القرية على هذا "الاتفاق"، تحت "ضغوطات كثيفة" وبحضور قيادة الشرطة الصهيونية و"تحت التهديد" بأن ما حصل قبل سنة، أي قتل الشهيد يعقوب أبو القيعان، قد يتجدد، كما صرّح رائد أبو القيعان، رئيس اللجنة المحلية ، بعد توقيعه على "الاتفاق". تابع بالقول بأن هذا "الاتفاق مبدئي ويلزمنا بالانتقال الى قرية حورة"، مع الإشارة إلى عدم تلقي أهل القرية أي دعم من الأحزاب السياسية ونواب الكنيست العرب ولجنة المتابعة العليا، لا سيما بعد توجيه نداءات عاجلة منذ إصدار القرار، لمساعدة أهل القرية على التصدي للهجمة التهويدية.

تواجه قرية أم الحيران قرار هدم القرية وترحيل أهلها منذ العام 2002، بهدف إقامة مستوطنة "حيران" مكانها، وهي المرة الأولى منذ 1948، يتم هدم قرية عربية في الكيان الصهيوني من أجل إقامة مستوطنة يهودية بشكل مباشر، كما أشار الباحث أحمد أمارة، إلى أن المؤسسة الصهيونية انتهجت "نهجاً جديداً نوعاً ما في أم الحيران: محو كامل لقرية فلسطينية، واستبدالها بقرية يهودية بشكل مباشر وبقرار قضائي... وهو أمر غير مسبوق في الماضي، ذلك لأن إخلاء القرية سيكون أكبر عملية ترحيل داخل "إسرائيل" في العقود الأخيرة" (أم الحيران : نموذج لتهجير وإعادة تهجير عرب النقب").

منذ صدور قرار الهدم والترحيل، ناضل أهل القرية وأهل النقب عموماً وفلسطينيو 48 ضد السياسة التهويدية الاستيطانية في النقب، فتم إسقاط مشروع "برافر" الاقتلاعي قبل سنوات، الذي كان يهدف إلى تهجير أهل النقب وسلب ما تبقى من أراضيهم، كما تصدى أهل العراقيب وأم الحيران لهجمات التدمير المتلاحقة. في يوم 18/1/2017، هجمت السلطة الاستعمارية على أم الحيران وهدمت 12 منزلا و8 منشأة زراعية، وقتلت الشهيد المربي يعقوب أبو القيعان، ثم احتجزت جثمانه لمدة اسبوعين. بعد تحرير جثمان الشهيد، شارك عشرات الآلاف من فلسطينيي النقب والجليل والمثلث والمدن الساحلية في تشييع الشهيد، في وقفة توحيدية شعبية عبّرت عن الغضب وإرادة الصمود، إلا أن هذا المشهد لم يتكرر في النقب منذ ذلك الحين.

إن تهجير أهل قرية أم الحيران – عتير ليس الأول، حيث تعود أصول أبناء عشيرة أبو القيعان، التي تعيش في القرية، إلى منطقة وادي زُبالة، وقد هُجروا في العام 1948 إلى منطقة خربة الهزيّل ومن ثم إلى منطقة كحلة وأبو كف. في العام 1956، هجرّهم جيش الاحتلال بعد الضغط عليهم واعتقال العشرات منهم، وتم "الاتفاق" معهم على الإقامة في قرية عتير – أم الحيران. تلقى السكان آنذاك وعودًا من الحاكم العسكري في المنطقة بأن هذه المرة ستكون المرة الأخيرة التي يُجبرون فيها على الاقتلاع والتهجير. في خضم المعركة الحالية بين الأهالي والمؤسسة الصهيونية، أبرز أهالي أم الحيران الوثيقة التاريخية التي يتعهد فيها جيش الاحتلال بـ"توطينهم" في القرية، إلا أن المؤسسة الصهيونية أنكرتها، ذلك لأن العقلية الصهيونية الاقتلاعية لا تعترف بأي تعهد تقوم به إزاء الفلسطينيين أو العرب إجمالا، ولأنها تعتبر أن الشعب الفلسطيني يتواجد على أرض فلسطين بشكل مؤقت، بانتظار الوقت المناسب لترحيله، ومنهم فلسطينيو النقب بشكل أساسي، إذ تعتبرهم "رحّل"، يمكن ترحيلهم من مكان إلى آخر، بانتظار التهجير النهائي. تشير صحفية هآرتس الصهيونية إلى تصريح "المجلس القطري للتنظيم والبناء" في دولة الاحتلال بشأن ترحيل أهل أم الحيران إلى قرية حورة الى أن "الانتقال" مؤقت "إلى حين تطوير قسائم الأرض المخصصة للسكن الدائم"، ما يعني أن مصير أهل القرية لم يحدّد بعد، وكل شيء مؤقت حين يتعلق الأمر بالوجود الفلسطيني.

لم يوقّع على "اتفاق التهجير" إلى قرية حورة جميع أهل قرية أم الحيران. يقول ناجح أبو القيعان إن "نصف سكان القرية رفضوا التوقيع"، وقد يتم اقتلاعهم بالقوة في آخر الشهر الحالي، إن استمر عزلهم عن سائر الشعب الفلسطيني. يؤكد ناجح أبو القيعان أن "التسويات" مرفوضة، "ونحن نطالب من جميع سكان القرى الصامدة في النقب الثبات والصمود وعدم المساومة، لأننا أصحاب حق وقضية، ومواقفنا تكتب علينا للتاريخ". لقد تم تهميش هذا الموقف الصامد لنصف سكان القرية، الرافض للتوقيع على هذا الاتفاق، في الإعلام العربي والدولي، بعد أن تم التخلي عن قرى النقب وأم الحيران بالخصوص، ما جعل بعض أهاليها يوافقون على "تسوية" تعتبرها المؤسسة الصهيونية "مؤقتة" في كل الأحوال.

من المفارقة أن يتم تهجير أهل قرية أم الحيران في النقب في الوقت الذي تعم فيه مسيرات العودة في قطاع غزة، وقد اندلعت هذه المسيرات للتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحق اللاجئين في أراضيهم وممتلكاتهم، بعد أن هجروا منها وسلبت منهم في العام 1948 وما بعد. لم تحدّد المسيرات والقائمون عليها أنها خاصة باللاجئين في قطاع غزة، بل دعت كل أطياف الشعب الفلسطيني إلى المشاركة فيها، لأن مسألة العودة والتمسك بالأرض تعتبر من أهم مرتكزات النضال الفلسطيني، ومن أهم ثوابته الوطنية. في النقب، وفي الجليل كما في القدس والأغوار والخليل، يواجه الشعب الفلسطيني هجمة استيطانية تهويدية اقتلاعية شرسة، لا يمكن الحد منها وإيقافها إلا بتوحيد الجهود الشعبية في كل أماكن تواجد الشعب الفلسطيني.

ولكن، وبسبب تجزئة المشروع الوطني الفلسطيني، فقد ترك أهل أم الحيران وحدهم لمواجهة الاخطبوط التهويدي، كما صرّح رئيس اللجنة المحلية رائد أبو القيعان. محلياً، كان غياب النواب العرب من القائمة المشتركة، وممثلي لجنة المتابعة، رغم مناشدة الجميع عند محاصرة القرية من قبل الشرطة و"مقاولي الهدم"، قبل التوقيع على "الاتفاق". ينتقد أهل القرية تعامل القيادة السياسية المحلية مع المسألة، لأنها اكتفت بتنظيم "الزيارات الرسمية"، بدلا من التحشيد الجماهيري لحماية القرية، واكتفت ببعض التصريحات "النارية" بمناسبة يوم الأرض. غير أن المسألة تتجاوز هذه القيادة، إذ لم يتم ربط هدم قرى النقب وتهجير أهلها بهدم القرى الفلسطينية كافة وتهجير أهلها عام 1948 وما بعد، ولم يتم ربط مواجهة الهدم والترحيل في النقب بمواجهة التهجير ونهب الأرض في الضفة الغربية، من جهة، وبالمطالبة بالعودة إلى القرى والمدن التي شهدت النكبة، وكأن هناك عدة ملفات لدى الشعب الفلسطيني في مواجهة ملف واحد وموحّد لدى العدو الصهيوني، وهو ملف السلب والتهجير. لماذا بقيت قرية أم الحيران وحدها لمواجهة المؤسسة الصهيونية؟ يسأل أحد صحافيي الداخل المحتل، محملا المسؤولية على القيادة السياسية المحلية. إلا أن المسؤولية تقع على نطاق أوسع، له علاقة بالمشروع الوطني الفلسطيني، الذي تم تجزئته الى مراحل ومن ثم إلى مناطق وقضايا.

تحمل قضية قرية أم الحيران وما وصلت إليه من تهجير "طوعي" لبعض من أهله، عدة رسائل: تؤكد أولاها على مكر الصهاينة وعدم احترامهم للاتفاقيات المكتوبة وغير المكتوبة، ولا لتعهداتهم إذا انتقصت من هدفهم الاستراتيجي. تؤكد الرسالة الثانية على ضرورة توحيد الشعب الفلسطيني، في كافة أماكن تواجده، حول مشروع وطني موحّد، يطالب بعودة اللاجئين والمهجّرين واستعادة الأرض المنهوبة من "الناقورة الى أم الرشراش". إن عدم المشاركة بمسيرة العودة الكبرى التي انطلقت من قطاع غزة، في الداخل المحتل عام 1948 وبقية المناطق الفلسطينية، للدفاع عن القرى والبلدات المهددة بالتهجير، يعبّر عن مدى تغلغل فكرة تجزئة الشعب الفلسطيني ونضالاته لدى القيادات السياسية والفكرية. وتقول الرسالة الثالثة أنه حان الوقت للتخلص من إحياء المناسبات الوطنية بطريقة تقليدية، من مسيرات وبيانات نمطية، وللخروج بمبادرات إبداعية كما خرجت الجماهير في قطاع غزة تبتدع يومياً أساليب جديدة للمواجهة مع العدو.

انشر عبر
المزيد