"المقاومة السلمية" بين تجزئة المقاومة ولغة الإقناع

12 آذار 2018 - 10:26 - الإثنين 12 آذار 2018, 10:26:17

مسيرات شعبية سلمية
مسيرات شعبية سلمية

وكالة القدس للأنباء - متابعة

مقال بقلم / رغدة عسيران

منذ عقود، تتردد مقولة "المقاومة السلمية" في الأدبيات السياسية الخاصة بفلسطين، عربياً ودولياً، ويتمّ زج ّ مصطلح "السلمية"، بين الحين والآخر، لوصف العديد من الأفعال المقاومة المتباينة في شكلها وفعاليتها والمشاركين فيها، بحيث يمكن التساؤل، بعد هذا التكرار للمصطلح، عن معنى "المقاومة السلمية" وما هي ميّزاتها، والأسباب التي تقف وراء استخدام هذا المصطلح، لا سيما بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول 2000.

لقد تم، مثلاً، وصف "معركة الأمعاء الخاوية" التي خاضها الشيخ خضر عدنان، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، بالمقاومة "السلمية"، كما يصف البعض صفعة الفتاة الأسيرة عهد التميمي للجنديين المحتلين في قرية النبي صالح في الضفة الغربية بالمقاومة "السلمية"، ومؤخراً، أكّد منظمو مسيرة العودة في "يوم الأرض" القادم، في قطاع غزة، على طابعها "السلمي". انتشر المصطلح مع حركة المقاطعة العالمية لدولة الكيان، باعتبار أن مقاطعة العدو ومنتجاته تعبّر عن "سلميّة" المقاومة.

غير أن التأكيد على سلميّة المقاومة في فلسطين في الأدبيات الإعلامية والبحثية يخفي أمرين أساسيين، أولهما التنكّر لأساليب مقاومة أخرى تستخدم العنف المسلّح وغير المسلّح، وتجزئة المقاومة إلى "سلمية" و"مسلحة" و"شعبية"، و"عنفية" و"لاعنفية"، في حين لم يخطر على بال أي حركة تحرّر وطني في العالم القيام بمثل هذا التصنيف، وخاصة قبل نيل الحقوق الكاملة للشعب المضطهد. تواجه الشعوب المحتلة أرضها والمنفية أعداءها، عادة، بالأساليب المتاحة كافة، لرد العدوان عليها، ولبناء هياكل تنظيمية تضرب العدو وتزعزع استقراره وتدمّر بنيته، وتمكّن المجتمع المهدّد من الصمود اقتصادياً وفكرياً وسياسياً. مارس الشعب الفلسطيني هذه الأساليب كافة وما يزال، في جميع المناطق الفلسطينية وفي اللجوء، كحالة طبيعية وواجبة لا تتطلب الكثير من التنظير. يقاوم أهل النقب والمقدسيون محاولات ترحيلهم، كما يقاوم المزارعون ويستشهدون للبقاء في أرضهم رغم اعتداءات المحتلين، كما يقاوم الأسير ظلم السجان، كما يحاول اللاجئ العودة إلى الوطن، دون نفي إمكانية استخدام السلاح والعنف عندما تسمح لهم الظروف.

يطمح الأمر الثاني إلى التوجّه إلى "المجتمع الدولي" لإقناعه بسلمية الشعب الفلسطيني المظلوم ومطالبته بالاعتراف بشرعية مقاومته التي باتت "سلمية"، تحترم قوانينه وقراراته، بما في ذلك الغزو الصهيوني المعترف به دولياً. بناء على هذا التوجّه، انتعشت لغة الإقناع التي تقوم على التستّر على المقاومة "العنفية" التي يخوضها الشعب الفلسطيني، يومياً، ضد العدوان والعنف الهمجي، والتركيز على العدوان والقتل وانتهاك الحقوق التي يرتكبها العدو، والتبرؤ من التنظيمات الفلسطينية التي حملت وتحمل السلاح دفاعاً عن شعبها وأرضها، والتي تدعو الى المقاومة "بأشكالها كافّة". تبني لغة الإقناع (إقناع "المجتمع الدولي" بحقوق الشعب الفلسطيني، ومنها حقه في المقاومة) خطابها على فرضية أن الكيان الصهيوني دولة كسائر الدول في العالم عليه احترام حقوق الغير، إن كانت حقوق "المواطنة" في الأراضي المحتلة عام 1948، أم حقوق "الإنسان" في سجونه، أم الحقوق الوطنية والقومية والدينية والاقتصادية وغيرها في ظل الاحتلال، وهي الحقوق التي نصت عليها المواثيق الدولية. تتبنى لغة الإقناع أمثلة منتقاة لشعوب قاومت الاستعمار والعنصرية، دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة العدو الصهيوني وأهدافه في فلسطين والمنطقة، وأسس الصراع العربي – الصهيوني.

يستوحي أنصار المقاومة "السلمية" أدبياتهم من سيرة الزعيم الهندي، مهاتما غاندي، والزعيم الأميركي ذي الأصول الإفريقية، مارتن لوثر كينغ، والزعيم الإفريقي، نلسون مانديلا، بعد سجنه، دون النظر الى تباين هذه الحالات مع الحالة الفلسطينية.

واجه غاندي دولة استعمارية تحكمها مؤسسات مارست القمع والإجرام ضد شعوب العالم، ولكنها لم تكن تطمح لإحلال البريطانيين مكان الشعب الهندي، بل لتطويعه واستغلاله وسرقة ثرواته وتسخير اقتصاده ومؤسسات بلاده لخدمة بريطانيا؛ ولم يواجه عصابات دولية استولت على أرض مركزية لها قيمتها الحضارية والدينية والجيوستراتيجية، بهدف طرد سكانها الأصليين، لإقامة كيان إجرامي يزيّف الدين والتاريخ، مرتبط بالمراكز المالية العالمية، كما هو واقع الكيان الصهيوني. لم يرفض غاندي العنف كما يصوّره أحيانا بعض أنصار "اللاعنف"، بل اتبع فلسفة نابعة من انتمائه الديني والحضاري، وحارب الاستعمار البريطاني بالعصيان المدني والمقاطعة الشاملة، الإدارية والاقتصادية والسياسية والفكرية، أي أنه استوحى من حضارته أسلوب مقاومته ولم يقلّد شعوباً أخرى، خلافاً لما يفعله دعاة المقاومة "السلمية" في فلسطين. أما مارتن لوثر كينغ ، فقد تعامل مع الإدارة الأميركية كمواطن يطالب بحقوق المساواة والمواطنة الكاملة في الولايات المتحدة الأميركية التي اعتبرها دولته، أي أنه كان موافقاً على الانخراط في مؤسساتها، بما في ذلك جيشها، ومحاربة من اعتبرتهم أعدائها. واجهت حركته السلمية إدارة عنصرية تنتقص من حقوق المواطنين بسبب أصلهم الإفريقي وفترة استعبادهم. لم تتجرأ حركته الشعبية على إعادة النظر في تاريخ تكوين الولايات المتحدة المشبع بالمجازر بحق الشعوب غير الاوروبية، فتمت التسوية الايديولوجية والسياسية بين الفريقين، دون إلغاء العنصرية المتجذرة في المجتمع الأميركي.

أما في إفريقيا الجنوبية، فلم تكن مقاومة الاستعمار الاستيطاني "سلمية" قبل القضاء على حركات التحرر والأحزاب الراديكالية التي صارعت الكيان الاستيطاني بكل ما تملكه من قوة وسلاح وجماهير، انطلاقاً من مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة أو من المعازل (البانتوستان)، وقبل الموافقة على تسوية مع الأقلية العنصرية، على أساس أن المشكلة ليست في الاستعمار الاستيطاني والنهب، بل في "الفصل العنصري". فتم طمس تاريخ البلاد الأصلي وتنوّع شعوبه الإفريقية، واستبداله بتاريخ يعترف بشرعية الاستيطان الهولندي ثم البريطاني، وبـ"تعدّد الثقافات". دعم "المجتمع الدولي" هذه التسوية التي حافظت على مصالحه ومصالح شركاته، على حساب الشعوب الإفريقية التي ما زالت ترزح تحت الفقر والحرمان. رغم ذلك، لا يمكن نفي التحوّل الذي حصل في دولة جنوب إفريقيا بعد إلغاء نظام الفصل العنصري، حيث يشارك سكانها كافة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما فيهم الأقليات الأوروبية والهندية والآسيوية الأخرى.

الترويج اليوم للمقاومة "السلمية" في فلسطين، بالأساليب المختلفة (أنصار السلطة الفلسطينية الذين يتعاملون مع المحتل ومؤسساته المتخلفة ويخضعون له، أو أنصار "المجتمع المدني" الذين يرفضون التنظيمات الكفاحية، ونماذج أخرى مماثلة) ينطلق من إعادة صياغة أهداف الشعب الفلسطيني الذي أطلق ثورته ومقاومته ضد الاحتلال البريطاني والاستعمار الاستيطاني الصهيوني منذ بداية القرن الماضي، رفضاً لوجود الكيان المحتل ومستوطنيه. لقد استُبدل هدف التحرير (تحرير الأرض والإنسان) والعودة الذي جمع أطياف الشعب الفلسطيني كافة، بهدف "إقامة دولة مستقلة الى جانب" كيان العدو أو "القضاء على نظام الفصل العنصري" و"إقامة دولة لكل مواطنيها" على أرض فلسطين – "إسرائيل" (كما يقال في الأدبيات الغربية)، حيث التركيز على التعامل العنصري لأجهزة الكيان المختلفة بحق الفلسطينيين، في السجون كما في الأراضي المحتلة عام 1948 و1967 يدلّ على انتقال الخطاب الى لغة "الإقناع"، كما يدلّ على استنساخ تجربة جنوب أفريقيا، واستبدال حالة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي بحالة "الفصل العنصري"، تمهيداً لتسوية ما، لا تلبي كامل حق الشعب الفلسطيني بأرضه ووطنه وحريته، ولا تلبي حق شعوب المنطقة بوحدتهم وسيادتهم.

انشر عبر
المزيد