خاص: هل من فوائد لإعلان ترمب القدس عاصمة لكيان العدو؟

14 شباط 2018 - 10:55 - الأربعاء 14 شباط 2018, 10:55:26

القدس المحتلة
القدس المحتلة

وكالة القدس للأنباء – سمير أحمد

قد يثير طرح مثل هذا السؤال الاستغراب في مسألة أجمعت الغالبية العظمى من أبناء الأمتين العربية والإسلامية والكثير من أحرار العالم، ناهيك عن كبار قادة الأحزاب والقوى والحركات السياسية، على اعتباره خطيئة أميركية استحقت الإدانة والاستنكار والشجب والرفض، حتى من قبل حلفاء وأصدقاء وأتباع الولايات المتحدة الأميركية (ولو لفظياً وشكلياً) على الصعد الدولية والإقليمية والعربية...

إلا أن إحدى وكالات الأنباء المعروفة، خرجت عن هذا الإجماع وسجلت في تقرير لها بعنوان: "بعد 70 يوماً... 7 فوائد لإعلان ترمب بشأن القدس"، نشر أمس الثلاثاء 13 شباط الجاري، حشدت فيه عدداً من المحللين السياسيين لتفنيد هذه الفوائد "الترامبية" وتقديمها للقارئ العربي عامة، والفلسطيني بخاصة، ولعلّ ما كان ينقص التقرير التوجه بالشكر الجزيل والامتنان لسيد البيت الأبيض الذي تجاوز كل رؤساء الولايات المتحدة، وقدم خدمة للقضية الفلسطينية وشعبها، لم يسبقه إليها أي منهم، بإعلانه القدس عاصمة لكيان العدو، واتبعها بشن حرب الإلغاء على "الوكالة الدولية لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين - الأونروا"، كمقدمة لتوطين اللاجئين وشطب حق عودتهم إلى ديارهم التي اقتلعوا منها... فما هي هذه الفوائد السبع؟

الفائدة الأولى: تعرية الموقف الأميركي: ينقل معد التقرير عن محلل سياسي قوله إن "قرار ترامب الذي يصب في خانة ترسيخ يهودية الدولة "إسرائيل"، عرّى الموقف الأميركي تماماً، وبات من غير الممكن الحديث عن واشنطن كوسيط نزيه"...

فهل كانت مواقف الإدارة الأميركية، يوماً، ومنذ كان المشروع الاستعماري الصهيوني فوق الأرض الفلسطينية محايدة، أم أنها كانت وما زالت الحليف الاستراتيجي الأول لكيان العدو، الواقف معه وإلى جانبه تمويلاً وتسليحاً ودعماً مادياً ومعنوياً في الحروب العدوانية التي شنها على الفلسطينيين والعرب، وفي المحافل الدولية وفي كل المفاوضات التي أجراها الكيان مع غير نظام عربي، ومع "منظمة التحرير الفلسطينية"؟

ألم يكن الموقف الأمريكي واضحاً، منذ البداية، رغم تعاقب الرؤساء والإدارات؟ فإن كان اكتشاف عدم نزاهة واشنطن كوسيط (بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين") احتاج إلى مائة عام، كما سبق واكتشف رئيس السلطة محمود عباس، فهل يحتاج المفاوضون والمراهنون على الدور الأميركي مائة عام أخرى لاكتشاف انحياز واشنطن لكيان العدو؟

الفائدة الثانية: إطلاق زخم دولي للاعتراف بالقدس وفلسطين: اكتشف تقرير الوكالة إياها أن إعلان ترمب "أدى إلى زيادة التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية ومدينة القدس". و"أعطى فرصة للأطراف التي كانت مترددة في دعم القضية الفلسطينية، وفي هذه المرة أجمعت على الوقوف مع الحق الفلسطيني، والآن أصبح هناك دول تتكلم صراحة عن الاعتراف بدولة فلسطينية".

صحيح أن التعاطف الدولي أثمر تصويت 128 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد إعلان ترمب، إلا أن هذا التعاطف ليس جديداً، كما أن معظم هذه الدول - وعلى رأسها منظومة الاتحاد الأوروبي - قالت وبالفم الملآن إنها لن تخرج عن سياق المشروع الأميركي الذي تعده إدارة ترمب لحل الصراع العربي الصهيوني، أو كما يقولون "النزاع الفلسطيني الإسرائيلي"، وإن تمايزت بعض الشيء عنه بشكل "نظري"...

ويا ليت معد التقرير والمحللين الذين استنجد بهم يقولون للقراء السذج أمثالنا: كيف سيؤدي هذا التعاطف إلى إنصاف الشعب الفلسطيني؟ ومن قبل هذا القرار هناك قرار 2334، الصادر عن مجلس الأمن، في 23 كانون أول 2016، الذي من المفترض أنه ملزم قانوناً، بخصوص المستوطنات المنتشرة في طول الضفة الغربية وعرضها، بما فيها القدس المحتلة، وهو ما أعطى الضفة المحتلة شكل الجبنة الفرنسية.

الفائدة الثالثة: "بلورة موقف عربي موحد رغم الخلافات البينية": يقول التقرير إن القرار الأميركي وحَّد العرب حول القدس.. و"أظهروا موقفا موحداً، وإن كان شكلاً وليس مضموناً"، علماً أن هذا الدعم الشكلي لم يتجاوز حدود اللقاء الوزاري، وعزوف عديد من الزعماء العرب عن حضور القمة الإسلامية في اسطنبول، إضافة إلى كشف تقارير صحفية مواقف العديد من الأنظمة التي كانت على علم بقرار ترمب بشأن القدس، ووضعها خططاً للالتفاف على أي تصعيد شعبي.

والسؤال البدهي الذي يطرح ها هنا، ما الفائدة التي ستجنيها القضية الفلسطينية من هذا الموقف الشكلي المتراجع خطوة خطوة، والمتساوق مع هرولة العديد من الدول العربية، والخليجية منها بشكل خاص، للارتماء في الحضن الترامبي، ولتطبيع علاقاتها مع العدو الصهيوني، والتنسيق معه في حروبها المفتوحة على أكثر من جبهة؟..

الفائدة الرابعة: "زيادة الوعي الشعبي العربي والإسلامي بالقضية الفلسطينية": يؤكد التقرير الصحفي أن "القرار الأمريكي أيقظ العالم ونبَّه إلى أن ما يقوم به رئيس أكبر دولة في العالم من إجراءات قد تكون تخريباً للمسجد الأقصى والمدينة المقدسة"... وأن "الأمة الإسلامية أعيد لها الوعي بعد قرار ترامب حول القدس...". وأن "الشعوب العربية والإسلامية جددت بيعتها لمدينتها المقدسة في الهبة الأخيرة".

يمكن القول هنا أن الوعي الشعبي والعربي والإسلامي بالقضية الفلسطينية كان حاضراً دائماً، وقد عبر عن نفسه في العديد من المحطات الهامة، وأن التأييد العالمي لقضية فلسطين وشعبها عبر عن نفسها على هيئة مظاهرات احتجاج في العديد من العواصم الغربية، ولكن السؤال يبقى، متى سيستطيع هذا الوعي أن يفرض نفسه على أجندة الحكومات المحلية والعالمية، وأن يتجاوز المشاعر والمظاهرات ليصبح حقيقة واقعة.

الفائدة الخامسة: "زيادة التعاطف الدولي مع الفلسطينيين": رأى التقرير أن "التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية والفلسطينيين ومدينة القدس زاد في الأزمة الأخيرة، بعد أن أظهرت واشنطن علناً عداءها التام للقضية الفلسطينية"... وليس لديها "أي رغبة في تحقيق السلام"!.. وأن القرار الأميركي "فتح الباب أمام الخير بطريقة غير مباشرة، وكان هذا واضحاً من خلال فضح السياسة الأمريكية"...

لكن التقرير لم يجب على أسئلة بدهية ألا وهي: ماذا بعد افتضاح السياسة الأميركية؟.. وما الذي سيتغير في معادلة الصراع؟ وكيف ومتى سيظهر هذا الخير الذي تحدث عنه التقرير؟ 

الفائدة السادسة: "زعزعة ثقة التطبيع مع إسرائيل": على عكس الواقع القائم رأى التقرير الصحفي "أن التطبيع مع الكيان "الإسرائيلي".. تلقى ضربة وتزعزعت الثقة به"... و"باتت هناك رغبة في قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني".. فكيف توصل التقرير إلى هذه النتيجة التي تعاكس الواقع الرسمي؟ وحبذا لو أخبر محرر التقرير القارئ العربي عمن هي الدول العربية الراغبة في "قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني"؟.. ونفيد كاتب التقرير علماً أن ماليزيا التي لا تقيم علاقات مع كيان العدو استقبلت مؤخراً وفداً صهيونياً كمقدمة لتطبيع العلاقات بين هذه الدولة الإسلامية وكيان العدو!

الفائدة السابعة: "إبراز الدور التركي المساند للقضايا الإسلامية": هذه هي آخر الفوائد التي سنوجه الشكر لترمب بخصوصها، وهي أم الفوائد وخاتمتها، إذ أن "الموقف التركي كان وما زال له دور محمود وقوي جداً في ما يتعلق بنصرة القدس واتخاذ خطوات عملية ضد قرار ترامب"... وأن "الموقف التركي أجبر العديد من الأطراف العربية والإسلامية على الاعتراف بحقوق الفلسطينيين"... هكذا يقول التقرير الصحفي...

وبعد، هل من مبارز يستخلص للأمة فوائد العلاقات المميزة مع الإدارة الأميركية والغرب الاستعماري... والتحالف الاستراتيجي مع كيان العدو... وتطبيع العلاقات معه... مثلما كتب الكثير عن فوائد "السلام" مع الكيان الغاصب؟

القضية الأساسية هنا هي أن أمثال مثل هذه التقارير يخشى أن تؤسس، من حيث لا يريد كاتبها بالضرورة، إلى تقبل تجرع السم، بذريعة النظر إلى النصف الممتلىء من الكوب.. قرار ترامب مثل كأس السم تماماً، نصفه الممتلىء أسوأ من نصفه الفارغ بكثير.. فحبذا لو أن الجهود تنصب على التفكير في الوسائل والآليات الواجب ابتداعها واتباعها للتصدي لقرارات ترامب، بدلاً من إقناع القارىء بتجرع السم، ولو على مضض!

انشر عبر
المزيد