المقاطعة ومناهضة التطبيع ومسألة التنمية

12 شباط 2018 - 11:05 - الإثنين 12 شباط 2018, 11:05:59

ضد التطبيع
ضد التطبيع

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

 

يواجه الكيان الصهيوني حركة مقاطعة دولية توسعت وتنوعت أهدافها، وفقاً للدول أو المنظمات المشاركة فيها. بعض المشاركين في الحركة قطعوا علاقاتهم وسحبوا استثماراتهم من شركات وبنوك صهيونية، في حين تقاطع منظمات في دول أخرى المنتوجات الزراعية والصناعية الصادرة عن المستوطنات، التي يصدّرها العدو الى دول العالم. تقاطع هيئات أكاديمية في العالم الجامعات الصهيونية أو بعض فروعها المندمجة في المؤسسة العسكرية الصهيونية، في حين تواجه منظمات أخرى حفلات الفنانين الصهاينة في بلادها وتطلق حملات لحث الكتاب والفنانين وغيرهم من المثقفين على عدم المشاركة في احتفالات وندوات في الكيان، رسمية أو غير رسمية. هذا التنوع يفسح المجال لمشاركة جميع الشعوب والمواطنين، باختيار طريقة مواجهة العدو، مع تنوّع أهدافهم السياسية وتنوّع الجهة المستهدفة.

في الدول العربية، تتخذ حركة المقاطعة أشكالاً مختلفة، لا سيما وأن أغلب الدول لا تقيم علاقات ديبلوماسية مع الكيان، ولكن بسبب رغبة بعضها المشاركة بالمنظومة العالمية، فُرض عليها أشكال من التطبيع، من خلال استقبال مندوبين ومثقفين ورياضيين يمثلون الكيان الصهيوني في اجتماعاتهم ومبارياتهم. بالمقابل، تشارك شخصيات عربية في المهرجانات والندوات التي تقام في كيان الاحتلال، بدعوة من منظمين محليين أو الجامعات ومراكز الأبحاث الصهيونية. من جهة أخرى، تستهدف حملة المقاطعة كل شخصية أجنبية داعمة للكيان الصهيوني، وخاصة في مجال الفن، وتدعو إلى عدم استقبالها أولاً ثم مقاطعتها، كما تدعو إلى مقاطعة الشركات الأجنبية الداعمة للكيان الصهيوني.

في المجال الاقتصادي، بسبب عدم استيراد سلع "إسرائيلية" بشكل مباشر من الكيان الصهيوني باستثناء بعض الدول كالأردن ومصر على سبيل المثال، تدخل أحياناً السلع "الإسرائيلية" إلى الدول العربية بشكل غير مباشر، عن طريق الدول الأوروبية (في دول المغرب العربي وغيرها). في هذه الدول، بقيت مقاطعة السلع "الإسرائيلية" ظاهرة هامشية وموسمية، ذلك لأن الموضوع يتطلب أكثر من لجنة وحركة "مجتمع مدني"، بل يفترض مواجهة شاملة لقطع العلاقات والاتفاقيات المبرمة بين الدول العربية والكيان الصهيوني من جهة، ورفض أو تعديل الاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد الأوروبي التي تفرض التعامل التجاري والثقافي مع الكيان الصهيوني في إطار "اليوروميد"، من جهة أخرى. ضمن هذا الإطار، تشكّل المؤسسات غير الحكومية العربية المموّلة من قبل الاتحاد الأوروبي وغيرها من المنظومة الدولية الأرضية الخصبة لمسيرة التطبيع، الفردي والمؤسساتي، مع المستوطنين ومؤسساتهم في كيان الاحتلال، من خلال اللقاءات المشتركة وورش العمل المقامة في المدن الأوروبية. لقد لفتت عدة شهادات لأفراد في وفود فلسطينية مشارِكة في هذ اللقاءات إلى مركزية هدف التطبيع مع المحتل فيها (الإعلامية، الأكاديمية الرياضية، الثقافية).

خلافاً لما كان عليه الوضع في ستينيات القرن الماضي، عندما تبنّت جامعة الدول العربية مبدأ المقاطعة، على أنواعها، تواجه مسألة مقاطعة السلع "الإسرائيلية" والشركات الأجنبية الداعمة للكيان الصهيوني اليوم وضعاً أكثر تعقيداً، حيث لم يعد يسمح تداخل رؤوس الأموال في كافة المجالات الاقتصادية بمعرفة دور "الإسرائيلي" فيها ومدى مساهمته في الشركات العالمية، ومدى تورّط هذه الشركات في دعم الكيان، إلا في حالات محدودة.  

انطلاقاً من مبدأ مركزية الصراع مع الكيان الصهيوني وارتباط هذا الكيان بالمنظومة الدولية المسيطرة على العالم بدولها وشركاتها الاخطبوطية التي وسّعت نشاطها إلى مجالات العمل البشري كافة (الاقتصادية والثقافية والأكاديمية والرياضية وغيرها)، أصبح التخلص من هذه الشركات وفكّ الارتباط بها من ضروريات العمل من أجل التحرر من التبعية الاقتصادية والثقافية والأكاديمية، ليس لأنها مرتبطة بالكيان الصهيوني فحسب، بل لأنها تقوّض استقلالية القرار العربي بشكل عام. فطرح مسألة المقاطعة ومناهضة التطبيع مع العدو من الباب الأوسع، أي الربط بين مقاطعة الشركات العالمية ورفض التطبيع مع العدو من جهة، وبين تنمية المجتمعات العربية والحفاظ على استقلالها، بكل فئاتها الاقتصادية، يفتح مجال المشاركة الشعبية الواسعة في المقاطعة ومناهضة التطبيع، ذلك لأن هذه الشركات تزجّ قطاعات واسعة منها في سوق العمل لصالحها، أي لصالح اقتصاد الكيان الصهيوني أيضاً، أو تتركها بلا عمل، بعد أن تم تدمير مجال انتاجها، أي الزراعة والصناعة والخدمات المحلية.

لقد أدخلت الشركات العالمية إلى بلادنا نمط استهلاك يغرقها في التبعية للغرب الاستعماري ويمنع تالياً اتخاذ القرارات المستقلة لمواجهة كيان العدو، وإن فكّرت بذلك بعض القوى الوطنية. كما أنها أدخلت نمط تفكير يجعل من الالتفات إلى الشعب الفلسطيني ومعاناته من جراء الاحتلال والعدوان مسألة شخصية إنسانية، وليست مسألة وطنية تمسّ وجوده، كما يلتفت البعض إلى معاناة الشعوب من الجوع مثلاً (بعد فصل ظاهرة الجوع عن سياسة الشركات العالمية والفساد والتبعية). هل تستطيع مجتمعات تعاني من التبعية مواجهة عدوها المرتبط عضوياً بالشركات التي تنهبها على مدار السنين، مدعومة من حكوماتها ومجالسها النيابية المنتخبة ديمقرطياً ومن نخبها السياسية والاقتصادية؟  رغم الخطاب التعبوي المهم الذي يصدر عن قوى وطنية في الدول العربية، إلا أن عدم ربط وضعها الاقتصادي ومعاناتها اليومية بزرع الكيان الصهيوني في المنطقة وارتباطه بالشركات والدول الناهبة لخيراتها قد يقلّل من استجابتها المستمرة له.

من هنا تأتي أهمية الربط بين واقع المجتمعات العربية الواقعة في التبعية، وضرورة التحرر من الكيان الصهيوني والشركات والدول المساندة له والمتحالفة معه، كما نبّه إليه أبو عماد الرفاعي (سياسي فلسطيني) الحركات الإسلامية، مؤخراً، مطالباً إياها بـ"بلورة مشروع اجتماعي إنمائي نهضوي على أساس اقتصاد مقاوم، يسمح باستنهاض طاقات مختلف الفئات الاجتماعية في المنطقة، ما من شأنه تقديم بدائل لاقتصادات النهب والسلب والإفقار التي تزرعها الهيمنة الغربية في بلداننا ومجتمعاتنا." (فلسطين وأزمة الحركة الإسلامية بعد الربيع العربي، الأخبار، العدد ٣٣٩٢ الجمعة ٩ شباط ٢٠١٨).

ذلك يعني، في مسألة المقاطعة ومناهضة التطبيع، طرح العلاقة بين الشركات الداعمة للكيان وحالة النهب للمجتمعات العربية وحالة التبعية، والأمثلة المحلية كثيرة، من أجل توسيع الوعي حول ضرورة التحرر من أشكال التبعية كافة إزاء الشركات والدول الغربية. وذلك يعني أيضاً، بالنسبة للأحزاب السياسية في الوطن العربي، ضرورة تبني مسألة المقاطعة ومناهضة التطبيع ووضعها في إطارها العام، كإحدى الوسائل والطرق لمواجهة الهيمنة الغربية في بلادنا والدفاع عن مجتمعاتنا.

انشر عبر
المزيد