مؤتمر الدول المانحة.. العين بصيرة واليد قصيرة!

09 شباط 2018 - 12:35 - الجمعة 09 شباط 2018, 12:35:43

مؤتمر الدول المانحة
مؤتمر الدول المانحة

كما هي العادة منذ عقدين من الزمن وأكثر، منذ إبرام اتفاقيات أوسلو، تعقد الدول المانحة للفلسطينيين مؤتمرها نصف السنوي، وهذه المرة في العاصمة البلجيكية. ولكن خلافاً لكل المؤتمرات السابقة، فقد عقدت اجتماعها هذه المرة في ظل تطورين بالغي الأهمية: المواقف الأمريكية من القدس والتسوية عموماً، والموقف من تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) خصوصاً، وما يشبه الإجماع بأن قطاع غزة على وشك الانهيار التام، جراء الحصار والانقسام.

كان واضحاً أن جميع من حضروا اللقاء من الدول الغربية والعربية تصرفوا من منطلق أن الوضع بات حرجاً، فالإدارة الأمريكية التي تمول بشكل كبير نشاطات وكالة الغوث، أعلنت أنها توقفت عن دفع حوالي نصف حصتها من التمويل وهددت بقطع النصف الآخر.

ولم تخف إدارة ترامب أنها تفعل ذلك ضمن سياسة العصا والجزرة التي تنتهجها مع السلطة الفلسطينية، لإجبارها على التكيف مع مقتضيات ما يسمى «صفقة القرن»، التي تنسف الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لصالح الكيان. وكان ترامب قد بدأ خطواته العملية في «إزاحة» قضايا الحل النهائي عن الطاولة، بإعلانه إزاحة القدس عن طاولة المفاوضات واعترافه بها عاصمة للكيان. كما أن الموقف من تمويل «الأونروا» ترافق مع تأكيدات بأنها تخلد اللجوء الفلسطيني، ما يعني فعلياً السعي لإزاحة «حق العودة» عن طاولة المفاوضات.

وإذا صحت الأنباء عن الدويلة التي تسعى «صفقة القرن» لفرضها، فإن إدارة ترامب، وخلافاً لمواقف الأسرة الدولية، تريد أيضاً إزاحة قضية الحدود النهائية، عن جدول أعمال المفاوضات. ورغم أن مؤتمر الدول المانحة للفلسطينيين عقد هذه المرة بحشد موسع، ودفع دول عربية إضافية إلى المشاركة فيه، إلا أن نتائجه لم ترقَ للمستوى المطلوب. فمن الناحية المالية لم يصدر عن المؤتمر أي بلاغ يؤكد استعداد دول مشاركة لتعويض «الأونروا» عن المبلغ الأمريكي المقتطع، وكل ما صدر هو دفع مبلغ 42 مليون يورو.

وتلا ذلك إعلان عدد من الدول مثل روسيا والكويت، عن تقديم موعد دفع حصتها لتمويل «الأونروا» من دون تأكيد، إن كانت ستزيد هذه الحصة أم لا. وهكذا بقي سيف الخطر يحوم فوق «الأونروا» والسلطة الفلسطينية، ضمن صيرورة ابتزاز واضحة؛ إذ لم يتأخر مبعوث الرئيس ترامب، جايسون غرينبلات عن استخدام منصة المؤتمر لتأكيد ما اعتبره الحق التاريخي لليهود في القدس.

وفي كل حال بدا وكأن «إسرائيل» التي مثلها وزير التعاون الإقليمي تساحي هنغبي، ومنسق الاحتلال في الأراضي الفلسطينية الجنرال يؤآف مردخاي كانت نجمة المؤتمر!. فقد وصل الرجلان على رأس وفد كبير، يحملان مشاريع إنقاذ لقطاع غزة بحوالي مليار دولار. ومعروف أن التقديرات «الإسرائيلية» تشير إلى اندفاع قطاع غزة نحو الانهيار، جراء استمرار الحصار والانقسام.

وتشهد المعطيات الاقتصادية على تراجع عدد الشاحنات التي تحمل المواد للقطاع في الشهرين الأخيرين، إلى أقل من النصف، بسبب ضعف القدرة الشرائية. فالقطاع يكاد لا يصدر شيئاً، ومحظور عليه استيراد مواد خام للتصنيع والإنتاج، وتبلغ نسبة البطالة فيه حوالي النصف وهو مهدد بالانفجار. وتعرف قيادة «إسرائيل» أن الانفجار، إذا ما وقع، سيكون موجهاً ضدها بشكل أساسي، ولذلك فإنها تحاول تجنب ذلك.

وتحمل الحكومة «الإسرائيلية» السلطة الفلسطينية مسؤولية عدم إنجاح عدة مشاريع، كان يمكنها أن تخفف الأزمة الإنسانية في قطاع غزة. ومن بين هذه المشاريع مد أنبوب غاز يساعد في حل أزمة الوقود، لتشغيل محطات توليد الكهرباء في غزة، فضلاً عن تمديد خطوط كهرباء إضافية إلى القطاع. وعدا ذلك ونتيجة تلوث المياه الجوفية، تعرض «إسرائيل» بيع القطاع عشرة ملايين متر مكعب من المياه سنوياً، ولكن ليس قبل دفع ثمنها مسبقاً.

وترفض السلطة الفلسطينية الاتهامات «الإسرائيلية»، وهذا ما بدا من كلام رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمد الله، ووزير الخارجية رياض المالكي، اللذان شاركا في المؤتمر. والتقى الحمد الله والوفد الفلسطيني مع ممثلي الدول المانحة، لحثها على المساعدة في إبعاد الضائقة المالية والمساعدة في التوصل إلى حل سياسي، وفق الشرعية الدولية.

ولاحظ مراقبون أنه تحت غطاء المؤتمر اجتمع الفلسطينيون و«الإسرائيليون» على طاولة واحدة. وكان ممثل فلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور، قد أعلن أنه سيتم عقد مؤتمر دولي حول التهديد الأمريكي بقطع المساعدات عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لوضع العالم في صورة الأوضاع. وأشار إلى احتمال انعقاده في جنيف أواخر فبراير (شباط) الجاري.

وتحدثت صحف «إسرائيلية» عن أن المشاريع التي عرضها وفد «إسرائيل» أمام مؤتمر الدول المانحة، تضمنت بناء محطات تحلية للمياه، وتوليد للكهرباء، وإنشاء خطوط للغاز، وتطوير المنطقة الصناعية قرب بيت حانون.

وطلب الوفد تمويلاً دولياً لهذه المشاريع، حيث لم تتعهد سوى بتقديم الخبرة والتكنولوجيا من دون الالتزام بدفع أي دولار. وترافق ذلك مع إيحاءات بأنها مستعدة لإظهار «ليونة» في إدخال مواد البناء، التي تحظر حتى اليوم، بشكل أساسي، إدخالها إلى القطاع.

ولإبداء حسن النية، أعلنت نيتها السماح بإدخال مولدات كهرباء للقطاع للمساهمة في تخفيف الضائقة الإنسانية هناك. وفي نظر الكثيرين، فإن مشاريع الوفد «الإسرائيلي» لا غاية لها، سوى إظهار أن الذنب لا يقع عليها في مأساة قطاع غزة، وأن على الآخرين تحمل عواقب أفعالهم وحصارهم هناك.

غير أن أفضل رد على المشاريع «الإسرائيلية» لمؤتمر المانحين، جاء من منظمة «غيشا» التي تراقب القيود «الإسرائيلية» على حركة الأفراد والبضائع من قطاع غزة؛ إذ قال بيان لهذه المنظمة رداً على المشاريع التي حملها هنغبي ومردخاي، إنه بسبب رصد «إسرائيل» الوثيق جداً للوضع في قطاع غزة، وإقامتها منذ أكثر من عقد من الزمان لحصار فاشل، عبره تصفي وتصادق وفي الأساس تمنع، حركة كل فرد وكل صندوق يريدون إخراجه أو إدخاله. إن مشاريع الإنقاذ كان يمكن تجنّبها لو أن «إسرائيل» لم تكن تضع العراقيل والقيود والاشتراطات، أمام كل مشروع ومن دون أسباب واضحة.

ورغم المواقف العربية المعلنة، إلا أن هذا الحضور في مؤتمر الدول المانحة كان ضعيفاً، وبقي في المجال الإعلاني من دون خطوات فعلية. فقد شاركت مصر لأول مرة في المؤتمر بوزير خارجيتها، ولكن كشارحة للظروف في قطاع غزة، كما أن أغلب الدول العربية الأخرى، عدا الأردن والمغرب، اكتفت بممثلين لها، ليس على مستوى وزاري.

حلمي موسى/الخليج الاماراتية

انشر عبر
المزيد