هل تلوح نذر "حرب عظمى" ضد إسرائيل في الأفق؟

29 كانون الثاني 2018 - 01:14 - الإثنين 29 كانون الثاني 2018, 13:14:21

وكالة القدس للأنباء – ترجمة خاصة

العنوان الأصلي: Is A “Great War” on Israel's Horizon?

الكاتب: JEREMY SALT

المصدر: American Herald Tribune

التاريخ: 21 كانون ثاني / يناير 2018

بعد مرور أكثر من قرن من الزمن، يبدو الصهاينة مستعدين لتوجيه ضربة قاضية (coup-de-grace) لفلسطين من خلال ضم الضفة الغربية. تخصيصها للمستوطنات هو، في المقام الأول، مقدمة لضم كامل الأرض. سيستمر زج السكان الفلسطينيين في مأزق إلى أن يظهر حل دائم. بعد الضم، قد يغادر البعض. وكلما كان عدد المغادرين أكبر، زاد الارتياح بالنسبة لإسرائيل، غير أن عمليتي طرد جماعي سابقتين علمتا الفلسطينيين أنهم يجب أن يصمدوا. ثمة موجة طرد ثالثة تلوح في الأفق، حيث ستوفر الحرب، مرة جديدة، الغطاء الدخاني المطلوب وسط تصاعد الدعوات إليها.

لم يُرِد مؤسسو الصهيونية مطلقاً ما هو أقل من كامل فلسطين. منذ البداية عرفوا أنهم سيضطرون إلى طرد السكان الأصليين. كانت فكرة مارتن بوبر حول "ثنائية القومية" لطيفة، دون أن يكون لها أي قوة دافعة داخل الطبقة السياسية. كان يتوجب إخفاء نوايا القيادة الصهيونية إلى أن وصل الاستيطان إلى النقطة التي بات يمتلك فيها القوة المادية للاستيلاء على فلسطين.

لم يعلن وايزمان وآخرون سوى عن النوايا الحسنة، بأنهم يريدون العيش إلى جانب الفلسطينيين، كمثل أنهم يرغبون بدولة يهودية، وهو شيء أبعد ما يكون عن عقولهم. مذكراتهم وحدها هي التي سجلت ما الذي أرادوه حقاً، من رغبة هرتزل بطرد "السكان المعدمين" خفية من فلسطين، وانتهاءً بما سجله مدير قسم تسوية الأراضي في الصندوق الوطني اليهودي، يوسف ويتز، عام 1940، بأنه لا يوجد مكان في فلسطين للمستوطنين و"العرب" معاً. هؤلاء العرب يجب أن يطردوا. لم تكن هذه النوايا شاذة، بل كانت تمثل تصور القيادة الصهيونية لما يجب أن تكون عليه فلسطين.

وبما أن الفلسطينيين سيقاتلون حتى النهاية، فإنه يتوجب أخذ الأرض بالقوة وحدها. وخطوة وراء أخرى، تمكن الصهاينة من المضي قدماً نحو تحقيق هذا الهدف. ساعد البريطانيون بقمع الانتفاضة الفلسطينية في الفترة بين 1936 - 1939، الانتفاضة الأولى، وقطع رأس القيادة الشعبية التي كان من شأنها أن تقود النضال ضد الصهاينة في الأربعينيات. تم قتل الآلاف وألقي القبض على عدد كبير منهم.

لم تمثل خطة التقسيم لعام 1947 الرغبات الحقيقية لأعضاء الأمم المتحدة. وقد فُرضت على الجمعية العامة بالتهديدات التي وجهتها الولايات المتحدة إلى الأعضاء الضعفاء، ولم يكن لها أن تمر لولا ذلك. استفادت إسرائيل منها سياسياً، لكنها لم تكن تنوي الالتزام بأحكامها، الأمر الذي كان سيترك الفلسطينيين على وضعهم، أي ثلاثة أضعاف حجم المستوطنين الصهاينة. لقد كانت حرب 1948 حرباً ضرورية: فبدون التطهير العرقي لفلسطين لم تكن هناك إسرائيل.

أُعقبت عمليات الطرد الجماعي عام 1948/49 بنوبة ثانية من عمليات الطرد عام 1967، تبعها الخنق البطيء للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث استخدمت إسرائيل كل الوسائل العسكرية والاقتصادية والقانونية الزائفة الممكنة. ثمة حروب أخرى وقعت كانت تهدف كلها إلى توطيد وتوسيع نطاق الصهيونية على فلسطين وتدمير أعداء إسرائيل: السويس 1956، ولبنان 1978 و1982 و2006، وغزة في مناسبات عديدة، إلى جانب عدد لا حصر له من عمليات اقتحام الحدود، مخلفة عشرات آلاف القتلى من المدنيين العرب.

وكانت هناك أيضاً "عملية سلام"، وهي مبادرة من منظمة التحرير الفلسطينية، لم تتابعها إسرائيل إلا لمعرفة ما يمكن أن تخرج به منها. من الواضح أنه تم إطلاقها عام 1993 على أن تنتهي في أوائل عام 1995، رغم أن جثتها لا تزال تنبض حتى يومنا هذا. كانت "عملية السلام" حلاً دبلوماسياً يعطي إسرائيل مزيداً من الوقت لتعزيز قبضتها على الأراضي التي استولت عليها عام 1967. تم القبول بياسر عرفات كشريك تفاوضي، وعندما لم يعد بمقدوره إعطاء المزيد، أعادت إسرائيل صانع السلام ذاك إلى إرهابي ثانية، وقتلته. وكان محمود عباس (الذي كان يعرف باسم أبو مازن في الأيام الثورية) يتبع عرفات، متولياً دور إسرائيل في الضفة الغربية، وسيكون مصيره التجاهل بعد أن لن يعود له أي قيمة فعلية.

على خلفية بناء المستوطنات، الذي لا نهاية له، واعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل (وهو ما رفضه بقية العالم تقريباً)، وما تبعه من خفض في المساعدات الأمريكية للأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين)، تهدد منظمة التحرير الفلسطينية الآن "بسحب اعترافها" بإسرائيل. إن كان من شأن ذلك إعادة "مشكلة فلسطين" إلى عام 1948، فهذا أمر مناسب جداً، لأن إسرائيل لم تتزحزح عن ذلك التاريخ مطلقاً.

سمح الوقت المستهلك من عام 1993 حتى الآن لإسرائيل بزرع مئات الآلاف من المستوطنين فى الضفة الغربية التي تقول إنها لا يمكن إزالتها دون خطر الحرب الاهلية. قد يكون هذا صحيحاً، لكن الدولة هي التي وضعتهم هناك ليبقوا، لأن ذلك يجعل المشروع الصهيوني منجزاً تقريباً، ولم يكن لديها أي نية لإزالتها. تعتزم إسرائيل حالياً "إضفاء الشرعية" على ما يسمى "بؤراً استيطانية غير مشروعة" كما لو أن هناك خلافاً في القانون الدولي بين عدم شرعية وجود المستوطنين بشكل كامل في الضفة الغربية سواء في المستوطنات أو في البؤر الاستيطانية التي أنشأها "شباب التلال"، الذين ينفذون الجرائم كلما وحيثما يسعدهم ذلك، من ضرب، وحرق وتدمير. وهؤلاء محميون من قبل الدولة، ولا عجب، فهي دولة نفذت الجرائم على مدى أكثر من سبعة عقود.

راعي القطيع الصهيوني اليوم هو نفتالي بينيت، وزير التعليم الذي تحدث للتو عن "نهاية حقبة الدولة الفلسطينية وبداية عصر السيادة" الذي يعني ضم إسرائيل للضفة الغربية والسيادة على كل فلسطين. إذا كان هناك فرق بين بينيت، رئيس الوزراء المقبل المحتمل، ونتنياهو، فهو فقط أن الأول يتحدث بوضوح أكثر عن نواياه. أما نتنياهو، الذي لا يزال يرى فائدة في الحديث عن "عملية سلام"، فيوجد آخرون في حزبه يتكلمون بصراحة مثلما يفعل بينيت. تسيبي حوتوبيلي، على سبيل المثال، نائبة وزير الخارجية، تتحدث أيضاً عن الضم: فهي لا تستطيع الانتظار لرؤية العلم الإسرائيلي يرفع فوق الحرم الشريف، وتعتبر الجنود السابقين المنتمين إلى حركة الاحتجاج المسماة "كسر الصمت" كمجرمي حرب.

يشير بينيت إلى الاتجاه الذي ستتخذه إسرائيل عاجلا أم آجلا. من وجهة النظر الصهيونية، يجب أن تكون الخطوة الكبيرة التالية هي الضم. لقد تم استنفاد تكتيك السلام حتى النهاية، وحل الدولتين قد مات (كما لو أنه كان حياً في أي وقت مضى)، لم يعد ثمة ما ينتظر الحصول عليه من وراء ممارسة مزيد من الضغط على السلطة الفلسطينية، ولإسرائيل في واشنطن صديق، هو دونالد ترامب، الذي يقوم بالواجب (الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل) أكثر من أي رئيس سابق للولايات المتحدة منذ عام 1948: وحده اعتراف ترومان بإسرائيل لحظة إعلان الدولة، يصلح للمقارنة. ما الذي تبقى الآن غير الضم؟ يعتقد بينيت أن المد يعمل لصالح إسرائيل، وأنه لم يكن في أي وقت سابق أفضل مما هو عليه الآن، بوجود لقاءات سرية مع حكومات الخليج، وتوفّر أكبر دعم سخي من الولايات المتحدة؛ وفي ذلك فإنه على حق.

ولكن هل هذا يكفي للاعتقاد بأن اللعبة قد انتهت وأن إسرائيل قد فازت، باللعبة، وبالدوري وبالمباراة النهائية؟ ربما لا: ربما لا على الإطلاق. هذه القضية ليست متعلقة بالفلسطينيين وحدهم، ولم تكن كذلك مطلقاً. إنها قضية عربية، قضية إسلامية، قضية حقوق الإنسان وقضية عالمية. فهي لم تنته، ولن تنتهي. عهد التميمي، التي صفعت جندياً إسرائيلياً على وجهه بعد أن ضربها (لم يلحظ ذلك أحد، ولا يقتصر ذلك على وسائل الإعلام الرئيسية)، هي الآن موقوفة إلى أجل غير مسمى جراء هذه الجريمة الشنيعة، وهذا أحدث مثال على الثبات الفلسطيني في مواجهة القمع.

منذ البداية، واجه الفلسطينيون، مهما كانت شجاعتهم وثباتهم، قوات لا تستطيع مجموعة صغيرة من الناس التغلب عليها بمفردها: البريطانيون والصهاينة والولايات المتحدة والموارد الهائلة التي استخدموها في احتلال فلسطين خلال القرن الماضي . ومع ذلك، فلسطين ليست مجرد قضية فلسطينية، وليست مجرد قضية أوسع نطاقاً لحقوق الإنسان، بل هي قضية تتعلق بقلب التاريخ والهوية العربيتين. إن الطريق إلى فلسطين سيتعين دائماً أن يمر عبر العالم العربي. كان ذلك واضحاً منذ البداية. وحتى الآن، وقعت حكومتان عربيتان (هما حكومتا مصر والأردن) معاهدات "سلام" مع إسرائيل. هذه الترتيبات الورقية بين الحكومات لا تحظى بدعم شعبي في مصر أو الأردن، ليس لأن شعوبها لا تريد السلام، بل لأنها ليست مستعدة للتضحية بفلسطين للحصول عليه. ثمة عملاق ساكن هنا يبدو أن إسرائيل تعتقد أنه سوف يبقى في غفوة إلى الأبد. الناس هم الديناميت الموجود في نهاية الفتيل. وفي الظروف المناسبة، وبوجود قادة مناسبين، يمكن تعبئة الناس، مثلما كان الحال من قبل.

كدولة عنصرية، لدى إسرائيل تاريخ طويل من التعامل مع "العرب" بازدراء أو الظن بأنهم غير قادرين على القيام بما انتهوا إليه. المثال الأبرز هو عام 1973 عندما أطلق المصريون عملية رائعة عبر القناة، وأخذوا القوات الإسرائيلية على حين غرة تماماً. توغلوا وسيطروا ولو لم يخدع السادات حافظ الأسد، من خلال إنهاء الهجوم المصري بعد أسبوع، لكان بالإمكان إخراج إسرائيل من سيناء ومن هضبة الجولان أيضاً. لم يكن من الممكن وقف الهزيمة الإسرائيلية سوى التدخل الأمريكي الإضافي (الذي كان موجوداً بالفعل عن طريق نقل الإمدادات العسكرية مباشرة إلى سيناء). وفي جنوب لبنان المحتل، عانت إسرائيل من صدمة تلو الصدمة. تمت منازلتها ومقارعتها من قبل حزب الله إلى أن هربت عام 2000. وكان قد حدث ذلك مرة أخرى عام 2006، حين أهينت ثانية، وهذا هو السبب وراء إصرار إسرائيل على تدمير حزب الله في المرة القادمة، حتى لو اقتضى الأمر دفن لبنان معه.

كان نفتالي بينيت أحد الجنود الإسرائيليين في لبنان. وشخصيته تكشف عن رجل جلف. "لقد قتلت الكثير من العرب حينها وليست هناك مشكلة في ذلك"، حسبما يقول. ومن بين "العرب" الذين ساعد في قتلهم أكثر من 100 مدني لبناني معظمهم من الأطفال الذين لجأوا إلى مجمع تابع للأمم المتحدة في قانا بجنوب لبنان حين قصفته قوة إسرائيلية في نيسان / أبريل 1996. فقد رجل واحد 31 من أفراد أسرته، من بينهم تسعة أطفال. وكان بينيت عضواً في ما يسمى وحدة "النخبة" ماجلان. وعندما وقعت دوريته في كمين نصبه حزب الله، طلب المساعدة من وحدة مدفعية. ووفقاً لما ذكره ضابط آخر، تلقى الاتصال اللاسلكي، كان بينيت هستيرياً، ولكن سقوط القذائف أنقذه، حيث انفجرت 13 منها داخل المجمع التابع للأمم المتحدة. كان ادعاء اسرائيل بانه خطأ ارتكبه الأمين العام للأمم المتحدة، بطرس غالي، الذي قدم تقريراً إلى مجلس الأمن يظهر فيه أنه من غير المحتمل أن يكون القصف خطأ، نظراً إلى أن المجمع كان تحت الاستطلاع من قبل طائرات إسرائيلية بدون طيار وطائرات هليكوبتر. خسر غالي فترة ولايته الثانية نتيجة لذلك، ورفضت الولايات المتحدة دعمه ودعمت كوفي عنان بدلاً منه.

ينظر بينيت إلى نفسه وإلى رفاقه العسكريين السابقين كما لو كانوا محاربين. وهذا رأي لا يشاركه فيه حسن نصر الله، بناء على كل التجارب التي امتلكها حزب الله مع الإسرائيليين. في مقابلة أجراها مؤخراً مع محطة الميادين التلفزيونية، استطاع نصرالله أن يثبط قدرة الجنود الإسرائيليين على القتال. من وجهة نظره، حطمت إنجازات المقاومة في لبنان وفلسطين أسطورة إسرائيل التي لا تقهر (وهي أسطورة تحطمت فعلاً منذ حرب 1973 على الأقل). وكان حزب الله والقوات الحليفة قد خاضوا معارك ضد التكفيريين لأكثر من سبع سنوات في سوريا ولأكثر من ثلاث سنوات في العراق. وكان يخوض معركة ضد العدو المزود بفرق من الانتحاريين، وهو عدو مستعد للموت "بلا حدود"، مقارنة بالإسرائيليين الذين قال نصر الله إنهم لا يتحركون إلى الأمام ما لم تسبقهم دروع، تليها سيارات الإسعاف وتحميهم المقاتلات النفاثة، وكذلك الهليوكوبترات، من فوقهم. "مثل هذا الجندي مهزوم مسبقاً. إنه جبان بلا إرادة للقتال". كان قتال الدولة الإسلامية أصعب بكثير من محاربة إسرائيل، التي كان من الممكن هزيمة "بلا شك". كان العامل البشري هو الذي أعطى المقاومة الهامش.

أشار نصرالله مراراً إلى "الحرب العظيمة" القادمة مع إسرائيل، والتي لن تقتصر على "محور المقاومة" (إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين وجميع المنظمات في العالم العربي التي تدعم هذا المسار) من آلاف المتطوعين العرب.  قال نصر الله إن السيد عبد الملك الحوثي وعد بإرسال عشرات الآلاف من المتطوعين المقاتلين حتى لو استمرت الحرب السعودية اليمنية. هذه الحرب، التي قال نصرالله في مناسبات عدة أن حزب الله سوف يشنها عبر خط الهدنة في الجليل، وتمتد على كامل الجبهة اللبنانية والسورية مع إسرائيل، كانت الموضوع الرئيسي لجميع مقابلاته الأخيرة.

ستكون استراتيجية إسرائيل، منذ البداية، هي التدمير الكامل لحزب الله بأسرع وقت ممكن، كما أن تدمير معظم لبنان سيكون مطلوباً لتدمير حزب الله. ستكون القوة الجوية جوهر استراتيجيات الحرب الإسرائيلية، مثلما كانت في الماضي. هذا ما يعمل حزب الله وحلفاؤه منذ سنوات لتحييده. استعداد إسرائيل المحموم للحرب واضح من التدريبات الجوية والبرية التي قامت بها في الأشهر الستة الماضية، للجمع بين القوات الجوية والبحرية والبرية والروبوتات والقتال في الأنفاق وإجلاء المدنيين من المنطقة الشمالية على طول خط الهدنة مع لبنان. وقد اعترفت القيادة العامة الإسرائيلية بشكل متواصل بضعف أداء القوات على الأرض في غزة أو في لبنان عام 2006 من خلال زيادة نسبة الجنود والضباط من المستوطنين ذوي الخلفية الدينية الذين تعتقد أنهم أكثر دافعية للقتال، من الشباب ذوي الخلفية العلمانية.

ليس ثمة شك في أن القيادة العامة الإسرائيلية تقوم بتحليل كل كلمة يتلفظ بها نصر الله، وتأخذها على محمل الجد وتحترمه على أساس إنجازات حزب الله العسكرية، ولكن القليل مما يقوله يصل إلى وسائل الإعلام "الغربية" السائدة. إنه مجرد رجل دين ذي اللحية الكثة الذي يتم تقديمه بوصفه وكيلاً إيرانياً في لبنان كما لو أن ليس لديه عقل من تلقاء نفسه، بدلاً من أن يكون واحداً من أكثر العقول إثارة للإعجاب في الشرق الأوسط. نصرالله لم ينغمس أبداً في حديث بلا طائل، ولا يتطرق إلا إلى "إمكانية" حرب عظمى قادمة، كي لا ينزعج الناس، في حين يكون واضحاً في ذهنه أن الأمر ليس مجرد احتمال، بل حرب ستقرر نهاية المواجهة التاريخية مع إسرائيل، من خلال إلحاق هزيمة ساحقة بأعدائه، وهو بالتأكيد ما ستأخذه إسرائيل في الاعتبار. حزب الله بات مستعداً، ونصر الله يعتقد أنه يمكن أن يفوز.

إن الفكرة القائلة بأن إسرائيل يمكن هزيمتها في ساحة المعركة لا مكان لها على الإطلاق في خطاب "غربي" مبني، كما كان دوماً، على التحيز الإعلامي وقرون من التحيز المناهض للعرب والمسلمين. سوف ينظر إليها على أنه أمر لا يمكن تصوره، ولا معنى له، ومضحك. إسرائيل لديها نكسات لكنها لا تفقد الحروب: لا توجد إمكانية كهذه في عقول مشروطة بتحيز وسائل الإعلام التي لا نهاية له. مثل هذه الحرب يجب أن يُنظر إليها بفزع: وكما يقول نصرالله، لا أحد يمكنه القول إلى أين قد لا يؤدي ذلك، ولكن مع تدمير كل خيارات السلام، فإن البندول يتأرجح لا محالة في هذا الاتجاه. هل انحرف حسن نصر الله عن الواقع، عبر الحديث عن النصر ومئات الآلاف من المقاتلين الذين سينضمون إلى هذه الحرب القادمة، أم أنه يعرف شيئاً لا نعرفه؟ من الواضح أنه يعرف الكثير من الأشياء التي لا نعرفها، سوى أن هزيمة إسرائيل تتطلب تحييد قواتها الجوية الهجومية والدفاعية. هل عمل حزب الله وإيران على إيجاد حل لهذه المسألة؟ هل هذا هو مصدر ثقته؟ سيكون علينا انتظار الحرب لمعرفة ذلك.

انشر عبر
المزيد