رؤية أمريكية جديدة لـ"السلام" في الشرق الأوسط

18 كانون الثاني 2018 - 09:37 - الخميس 18 كانون الثاني 2018, 09:37:34

خريطة الشرق الاوسط
خريطة الشرق الاوسط

وكالة القدس للأنباء – متابعة

تفاصيل خطة السلام الأمريكية للشرق الأوسط، التي ننتظرها منذ زمن بعيد، قليلة عن عمد. فالخطة يصيغها فريق منضبط ـ برئاسة المستشار الكبير جارد كوشنير ـ الذي لم ينشر ولم يسرب أية معلومات عنها. ومع ذلك، فإن تحليل ملحوظات جارد كوشنير التي قيلت في منتدى سبان 2017، إضافة إلى قرار الرئيس ترامب في موضوع القدس وكذا الفصل الذي يبحث في الشرق الأوسط في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، والتي نشرت مؤخرا، تقترح أقانيم اساسية بالنسبة لتفكير الإدارة في موضوع المفاوضات. تحليلها يؤدي إلى الاستنتاج بأنه في هذه الأيام تصاغ صيغة مفاوضات جديدة، تهجر عددا من المبادئ التقليدية، التي تبنتها الإدارات الأمريكية السابقة.

التطلع إلى "صفقة فضلى"

يبدو أن إدارة ترامب ترفض النهج متعدد المراحل للمفاوضات على التسوية النهائية، يستند إلى حلول انتقالية او تسويات لبناء الثقة. وبدلا من ذلك، تركز على المبادرة إلى مفاوضات لتحقيق تسوية نهائية وشاملة. وحسب هذا المنطق، فإن النهج المرحلي الذي يتميز بالنواقص لانعدام الثقة السائدة بين الطرفين، هذا النهج لا يخلق الثقة اللازمة من أجل التغلب على المصاعب الجوهرية، التي ستنشأ بشكل محتم في أثناء المسيرة نفسها أو عقب آثار إقليمية سلبية. مسيرة متواصلة الأزمات هذه، لا تضع المسيرة السلمية نفسها في الخطر فقط، بل وأيضا تعرقل تعزيز العلاقات بين دولة "إسرائيل" ودول الخليج، في ظل المس بجزء من الاستراتيجية الأمريكية التي هدفها إضعاف إيران. وبالفعل تؤمن الإدارة الأمريكية أن العالم العربي لن يتقدم إلى تطبيع علاقاته مع "إسرائيل" دون أن يتحقق حل شامل ونهائي مع الفلسطينيين. فضلا عن ذلك، فإن الإدارة الأمريكية واعية للشكوك الفلسطينية والعربية في كل ما يتعلق بالنهج المرحلي، على أساس التقدير أن "إسرائيل" ستصل إلى المسيرة من هذا النوع بهدف تمديد المفاوضات في ظل تثبيت «حقائق على الأرض» في الضفة الغربية.

السياق الإقليمي

إن استراتيجية الأمن القومي التي بلورها الرئيس ترامب تتبنى دورا طويل المدى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بهدف تحقيق ميزان قوى واستقرار إيجابيين إلى جانب تحقيق مصالح أمنية واقتصادية أمريكية. وعدم التسوية الإقليمية يعتبر أمرا ناتجا عن العلاقة بين اتساع النفوذ الإيراني و"الإرهاب الجهادي"، والايديولوجيا المتطرفة، الدول الضعيفة، الجمود الاقتصادي ـ الاجتماعي والنزاعات الإقليمية. على هذه الخلفية، لم تعد الولايات المتحدة ترى في النزاع "الإسرائيلي" ـ الفلسطيني سببا حاسما لمشاكل المنطقة. ومع ذلك، فإن تحقيق اتفاق سلام يعتبر عاملا مهما سيتيح توثيق العلاقات بين "إسرائيل" ودول الخليج، وهذه العلاقات ستخدم المصلحة الأمريكية التي تركز على تحقيق ميزان قوى إقليمي إيجابي ومواجهة التهديدات المشتركة.

بناء على ذلك، فإن النهج الأمريكي يكلف الدول العربية "السنية البراغماتية" عدة أدوار. دورها هو المساعدة في جلب الفلسطينيين إلى طاولة المباحثات ومنح شرعية للتنازلات التي سيكون من الضروري تقديمها على طول الطريق. إضافة إلى ذلك، تذكر المكاسب الاقتصادية والسياسية التي يمكن لهذه الدول أن تعرضها في اليوم التالي للتوقيع على اتفاق السلام، كحوافز لإدارة المفاوضات.

نهج تجاري

يبدو أن فريق الرئيس ترامب تحركه بقدر أكبر من الاعتبارات السياسية المستندة إلى المصالح مما تحركه القواعد التي تقوم على أساس القيم، التي يتبناها القسم الأكبر من الأسرة الدُّولية التي تبنتها أيضا إدارات أمريكية سابقة. وعليه، فإن الجهود تنطلق من زاوية نظر تنظر إلى الأمام بهدف حل المشاكل - بهدف الدفع إلى الأمام المصالح الأمريكية الإقليمية - أكثر مما تنطلق من الجهد المستند إلى القيم التي تستهدف حلولا مثالية لما يعتبر عدم عدل ارتكب في الماضي، أو مطالب تأريخية يتناقض الواحد مع الآخر.

هذا المنظور يفتح مدخلا لاحتمالات تبني مناهج جديدة لحل مشاكل قديمة. ومثلما أثبت تصريح الرئيس ترامب بالنسبة للقدس عاصمة "إسرائيل"، تمكن فريق الرئيس ترامب منذ الآن من تحطيم المسلمات السياسية التي تقررت وتثبتت من جانب إدارات سابقة. معقول أكثر أن تكون الإدارة ستقدر اقتراحات يطرحها الطرفان وفقا لجدواها العملية أكثر من شرعيتها التأريخية.

أغلب الظن، يقدر فريق إدارة المفاوضات الأمريكي انعدام المرونة الفلسطينية بأنه العائق الأساس لاستئناف المحادثات. ففي أثناء جولة التجسير الأمريكية السابقة، التي جرت في العام 2014، سجل تقدم في المحادثات بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، بينما كان الفلسطينيون هم الذين انسحبوا من المسيرة (مثلما فعلوا أيضا في العام 2008، عندما عرض رئيس الوزراء ايهود اولمرت عليهم عرضا لاتفاق سلام). وعرض الرئيس أوباما على الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) ابو مازن سلسلة عروض في 17 آذار 2014، مال بعضها إلى جهة الطرف الفلسطيني.

أما ابو مازن من جهته فامتنع عن إعطاء جواب وطلب مهلة لدراسة العروض. وقد تلقى مهلة حتى 25 آذار، ولكن جوابه لم يأت حتى يومنا هذا. بدلا من ذلك، شرع الفلسطينيون في جهد لتدويل النزاع، في ظل محاولة لجباية ثمن عال من "إسرائيل" بسبب الجمود وبهدف تحسين موقفهم المساوم. من جهة أخرى، في ضوء تعلق "إسرائيل" بالولايات المتحدة والتقدير الذي توليه للإدارة الحالية ولموقفها في موضوع القدس، يبدو أن امامها - حتى في ظل حكومة الائتلاف اليميني الحالي - يقف تحد ابسط يتمثل بالعودة إلى الطاولة لإدارة المفاوضات. وذلك تبعا لإزالة الشروط المسبقة المتشددة التي عرضها الفلسطينيون على الطاولة. وبالتالي، فقد اتخذت الإدارة الأمريكية عدة خطوات، استهدفت التشديد أمام القيادة الفلسطينية على أن الحديث يدور الآن عن لعبة جديدة، يكون فيها استمرار الجمود معناه خسارة للفلسطينيين وربح لـ"إسرائيل". فالاعتراف بالقدس عاصمة "إسرائيل" يخدم هذا الهدف، إذ أنه يجسد للفلسطينيين الخسارة التي لا يمكن ان يكون إصلاحها إلا من خلال اتفاق مع "إسرائيل" بشأن المكانة الدائمة للقدس، كنتيجة للمفاوضات مع "إسرائيل".

إن رفض الرئيس ترامب الاسناد التام «لحل الدولتين» يشكل رسالة أخرى للفلسطينيين. وأقواله بأنه سيؤيد «حل الدولتين إذا كان متفقًا عليه من الطرفين» تلمح بان الولايات المتحدة ستكون كفيلة بأن تدعم واقع «السيادة ناقص» للفلسطينيين إذا لم تستأنف المفاوضات او إذا لم تسجل المحادثات نجاحا.

في كل ما يتعلق بـ"إسرائيل"، تستخدم الولايات المتحدة في هذا الوقت حوافز إيجابية (إعلان القدس، امتيازات إقليمية) كي تشجع العودة إلى طاولة المفاوضات.

بالنسبة للفلسطينيين، تحاول الولايات المتحدة التشديد على الخسائر الملموسة التي ستلحق بهم بسبب عدم المرونة وأن فرصهم الأفضل لتحقيق الإنجازات تكمن في العودة إلى طاولة المفاوضات. إدارة ترامب ملتزمة بتقدم المسيرة السلمية "الإسرائيلية" ـ الفلسطينية بهدف تحقيق «الصفقة الفضلى». والجدول الزمني في هذا السياق مرن، وأغلب الظن يتأخر عقب امتناع الفلسطينيين عن العودة إلى طاولة المباحثات برعاية أمريكية، في أعقاب الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة "إسرائيل".

في هذه الأثناء تواصل الولايات المتحدة إعادة تعريف صيغة المفاوضات وضم المعنيين الإقليميين إلى المسيرة. هذه المسيرة تفتح أمام "إسرائيل" فرصة، حتى في غياب المفاوضات، لتحسين مكانتها الإقليمية. ستجد "إسرائيل" صعوبة في رفض مبادرة أمريكية لاستئناف المفاوضات لتحقيق السلام حين تأتي هذه.

في كل الأحوال، فإنه لأجل نيل التأييد الأمريكي لمواقفها في المفاوضات، نوصي أن تعرفها "إسرائيل" بتعابير استراتيجية في ظل تجسيد الشكل الذي ترتبط فيها هذه في تقدم الأهداف الامريكية في المنطقة، بدلا من أن تعرض مواقفها من زاوية نظر تأريخية وأخلاقية.

شمعون أراد/ 17/1/2018

انشر عبر
المزيد