والد عهد التميمي لـ" القدس للأنباء" : أخشى أن تمضي عامين في الأسر

11 كانون الثاني 2018 - 12:09 - الخميس 11 كانون الثاني 2018, 12:09:54

عاءلة عهد التميمي
عاءلة عهد التميمي

وكالة القدس للأنباء - خاص

لم يكن شحوب وجه الطفلة، عهد التميمي في الظهور الأول لها، في أثناء جلسة المحاكمة الأولى بعد الاعتقال، بسبب خوفها أو تعرضها للصدمة، فما دار في أروقة المحكمة قبل بدء الجلسة، خرق لمواثيق حقوق الإنسان التي تزعم "إسرائيل" رعايتها.

إذ انقضّت مجموعة من المستوطنين المتطرفين على الطفلة، وباغتوها بوابلٍ من الشتم والسُباب، وتوعّدوها بالذبح والقتل داخل المحكمة، دون أن يبادر "الأمن" لإيقافهم، فيما أُخفي المشهدُ عن الجمهور.

وفي اليوم الذي سبق جلسة المحاكمة، لم تغمض عهد جفنيها لثلاثين ساعة متواصلة، لخضوعها لجلسة تحقيق مكثفة، فظلّت مُكرهة، تقاوم النعاس الذي كان يتسلل إليها، وبعد انتهاء التحقيق كان عليها التوجه

مستيقظة إلى المحكمة.. يحدثنا والدها، باسم التميمي، الذي تعرض للأسْر تسع مرات، عن يوم نقل الأسرى للمحاكمة فيقول :" ذاكرتي سيئة عن المحاكم، فهذا اليوم مرهق، وصادم، إذ يتم نقل الأسير بسيارة معدمة، ويوضع الأسير في صندوق من الحديد، بارد شتاءً، ولاذع الحرارة صيفاً، ثم يُدخل زنازين انتظار لا مقومات للحياة داخلها".

إجهاد ما قبل المحكمة

كان الأمر شاقاً على طفلة لم تكمل عامها السابع عشر، فقد قضت 24 ساعة خلال تنقلها ما بين السجن والمحكمة، سبقها جولة تحقيق مبني على الضغط النفسي، على يد اثنين من المحققين، يرافقهم طبيب نفسي، بهدف استنزافها وإضعاف قدرتها النفسية.

أثناء تواجده في المحكمة، تمكن والدها من اقتناص لحظات للاطمئنان عليها، فتواصل معها مشافهة، فحدّثته على عجالة عما حدث معها، يضيف في حديث خاص لـ"وكالة القدس للأنباء":" رغم ضراوة التحقيق الذي خضعت له إلا أنها لم تضعف، ورفضت ذكر اسمها أمام المحققين، ما دفع بأحدهم للصراخ في وجهها، فحينها أحسّت عهد

بفقدانه توازنه، وبأنها تغلبت عليه، فابتسمت حتى الضحك، وهو تحدٍ استطاعت خلاله إثبات قوة إرادتها".

لم تبلّ الجلسة ريق المحققين، فزجّوها لاحقاً بزنزانة، وجاؤوا بأمها وابنة عمها، ووضعوهما معها. شعرت بأن هناك مقصداً من وراء ذلك، وأشارت عليهما بألا ينبسا ببنت شفة، ومن ثم أخذت تفتش الزنازنة بدقة، لتجد أجهزة تنصتّ مثبتة في المكان، وحينها أدركت الهدف من جمعهما في نفس الزنزانة.

"عهد" الأخرى!

لعل اللافت هنا أن سمات شخصية عهد، تختلف عن الصورة الذهنية التي انطبعت في مخيلات متابعيها، فبركان الغضب الثائر الذي لا يهدأ كلما رأى جندي، في الواقع فتاة هادئة. تتورّد وجنتيها كلما تحدثت مع أحد.

يقول والدها:"هي الأنثى الوحيدة بين أبنائي، وكونها تربّت مع صبيين يغلب على طباعها الصبيانية المنضبطة، فتصرفاتها مع الجنود ليست مبنية على ردة فعل، بل لكونها مؤمنة بأن المقاومة هي الوسيلة الأنجع معه، ولتفضيلها لغة الاشتباك على الحوار والتفاوض".

يواصل قوله:" نؤمن بقضيتنا، وأعطينا أولادنا الحق والحرية لممارسة دورهم. نحن نحبهم ونخاف عليهم، ولكن ليس هناك مكاناً آمناً ليتربوا".

لطالما تمنت عهد ألا يكون هناك احتلال، لتمارس هوايتها المفضلة -لعب كرة القدم- لكنها تظن أن الاحتلال سيفرض عليها أن تدرس القانون للدفاع عن أهلها ووطنها.

أرشيفٌ مكتظ بالتضحيات

لم يكن من السهل فَهم كيفية إيمان عهد، بقضيتها منذ نعومة أظفارها، إلا بالنبش بأرشيف عائلتها، ففي العام 1992 قتلت عمتها باسمة التميمي على يد إحدى موظفات محكمة "إسرائيلية"، أثناء حضورها لجلسة محاكمة ابنها الأكبر، المتهم بقتل "إسرائيلي"، وحينما سألت عن ابنها الآخر المعتقل (12عاماً)، أبرحتها موظفة المحكمة ضرباً على الملأ، ومن ثم انهال عليها مجموعة من المستوطنين، ودفعوها عن سلّم المحكمة، ليرتطم رأسها بالأرض وترتقي شهيدة.

أما خالها فقد استشهد قبل ستة أعوام، بالقرب من مكان اعتقال عهد، أمام أمها التي وثقت الحدث بالكاميرا، ولم تلقِها من يدها حينها، وتابعت التصوير لكي توصل الصورة للعالم.

وتابعت العائلة مسسلسل التضحية، إذ اعتقل والدها تسع مرات، وخضع لتحقيق شديد، جعله في غيبوبة طويلة، وشلل لمدة شهر، تبعه حالة وهن جسدي لمدة سنة، أما أمها فخاضت تجربة الأسر خمس مرات، وأصيبت بقدميها بعيار ناري "إسرائيلي" أعجزها عن المشي لمدة عامين، كما اعتقل أخيها مرتين، فيما أصيب ابن عمها قبل عشر دقائق من اعتقالها، ولا يزال في حالة حرجة.

كيف هو حالها؟

يكبّل البرد أطراف الطفلة الأسيرة، التي تقبع داخل سجنٍ يبطش بطفولتها، وتحيطها أجهزة تنصّت وكاميرات مراقبة على مدار الساعة. تُشلّ حركة الصغيرة بحلول المساء، حيث اشتداد البرودة، لتستنشق هواءً بارداً يزيد ارتجافها، ويجمّد الدم في عروقها الرقيقة، لرفض إدارة مصلحة السجن إدخال الملابس لها.

وتحاول عهد التي كانت تتجهز لامتحان "التوجيهي" عدم تضييع وقتها

داخل السجن عبثاً، فتحرص على المطالعة، ودراسة الكتب المنهجية، إلا أن هذا الأمر يشكل الهاجس الأكبر بالنسبة لها، إذ تخشى أن يحرمها السجن من التقدم للامتحان النهائي.

كما تمارس الرياضة مع بقية الأسيرات، ومعظمهن يقاربنها بالعمر، وتستثمر فترة "الفورة" للالتقاء بأمها، التي تقبع في نفس السجن، ولكن في غرفة أخرى.

عامان.. الحكم المتوقع

في سؤاله عن المدة المتوقعة لبقاء عهد داخل السجون، بدا التميمي غير متفائل، وتوقع أن تستمر المماطلة في الحكم عليها لمدة عام " النظام القضائي وتركيبة المحكمة صُممت لقمع الفلسطيني، لذلك ليس من الصواب التفكير بعدالة تجاهها..أملي أن تخرج ابنتي ووالدتها غداً، ولكن من واقع خبرتي في الأسر والمحاكم، فنحن نهيء أنفسنا لإمضائها عامين في الأسر".

بات جلياً أن المحكمة وخلفها الحكومة "الإسرائيلية"، لا تضع قضية عهد في سياقها الطبيعي، فالمسألة أكبر من معاقبة طفلة ضربت

جندياً. مثّلت نموذجاَ لجيل ناشئ، لذا أرادوا ضرب الفكرة، فهؤلاء لا يريدون لهذا النموذج أن يمضي، ويحتذى به.

انشر عبر
المزيد