العلماء: أيّ دور في الواقع الراهن؟

11 كانون الثاني 2018 - 11:58 - الخميس 11 كانون الثاني 2018, 11:58:23

أ. د. أسعد السحمراني
أ. د. أسعد السحمراني

أ. د. أسعد السحمراني

أستاذ العقائد والأديان المقارنة في جامعة الإمام الأوزاعي- بيروت

من هم العلماء المعنيّون بالسؤال؟:

العِلم نقيض الجهل؛ قال الراغب الأصفهاني في (معجم مفردات ألفاظ القرآن): "العِلم إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما: إدراك ذات الشيء، والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه."

وقال الزبيدي في (تاج العروس من جواهر القاموس): "والأكثر من المحقّقين يفرّقون بين الكلّ، والعِلم عندهم أعلى الأوصاف، لأنّه الذي أجازوا إطلاقه على الله تعالى، ولم يقولوا: عارفٌ في الأصحّ، ولا شاعر"، من المعرفة والشعور.

ويقال: علاّمة للعالم إذا بلغ درجة متقدّمة من العلم، وهذه صيغة مبالغة. والعالم: هو اسم الفاعل من علم، وهو الإنسان الموصوف بالعلم في فعل أو ميدان من ميادين العلوم واختصاصاتها أو في أكثر من علم.

والعلماء ليسوا سواء في مواهبهم، وكفاياتهم، وتمكّنهم في البحث والاستنباط والابتكار، وهذه حقيقة لاختلاف فِطر الناس وملكاتهم، وقوله تعالى: ]يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ.[ (سورة المجادلة، الآية 11).

فالعلماء لهم درجات فوق العامّة، ولهم الدرجات في الدنيا والآخرة، ثمّ هم بمستويات ومراتب، ولكلّ منهم مكانة لا تكون لغيره.

أمّا الفتن والشرور فإنّها تنتشر وتكثر حيث يغيب دور العلماء، ويسود الجهلة والفاسدون. وقد عدّ النبيّ عليه الصلاة والسلام ذلك من علامات قيام الساعة. أخرج البخاري، في (الصحيح)، في كتاب (الفتن)، في باب (ظهور الفتن) الحديث الآتي: "حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كنت مع عبدالله، وأبي موسى، قالا: قال النبيّ عليه الصلاة والسلام:

إنّ بين يديّ الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل، ويُرْفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل."

وأخرج مسلم، في (الصحيح)، في كتاب (العِلم)، في باب (رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن، في آخر الزمان)، الحديث الآتي:

"حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا جرير، عن هشام بن عروه، عن أبيه، سمعت عبدالله بن عمرو بن العاصّ يقول: سمعت رسول الله –تعالى- عليه الصلاة والسلام، يقول:

إنّ الله لا يقبض العِلم انتزاعاً ينتزعه من الناسّ، ولكن يقبض العِلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يترك عالماً، اتّخذ الناس رؤوساً جهّالاً، فسئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا."

إنّ المشكلة الكبرى تكون حين يتخاذل أهل العِلم في أداء دورهم طلباً للسلامة، وإيثاراً لها، أو إذا دلّسوا ونافقوا طلباً للمصلحة، عندها يتصدّى الجهلة وأنصاف العلماء للفتيا ممّا يفسد الرأي، ويشوّش الأفهام، فيقود ذلك إلى الفتن والهرج، كما يلاحظ هذه الأيّام.

والعِلم –كما هو معلوم- منه النظريّ ومنه العمليّ، والثاني يكون بالمعرفة والتطبيق، أو باقتران النظر بالتطبيق، وهذا هو المطلوب، لأنّه يجعل العلماء قدوة للعامّة فيصلح المجتمع. وإذا عمد من امتلك قدراً من المعارف إلى الوقوف عندما هو نظري لأسباب متنوّعة، فمثل هذا لا دور له، بل هو معطّل الدور يحمل من العِلم الإسم لا غير. والحال نفسها من شخص شغل وقته في حفظ ما لا وظيفة له من المعارف والنصوص ليتشدّق بها في المجالس من باب المفاخرة وهوى النفس، وهذا كذلك بعيد عن العالم المطلوب. والأمر محتاج إلى الانطلاق في التعلّم ومساراته من الحديث النبوي الشريف. وقد أخرج ابن ماجه، في (السنن)، في كتاب (الدعاء)، في باب ( ما تعوّذ منه رسول الله) الحديث الآتي:

"حدّثنا علي بن محمّد، حدّثنا وكيع، عن أسامة بن زيد، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله –تعالى- عليه الصلاة والسلام: سلوا الله علماً نافعاً، وتعوّذوا بالله من علم لا ينفع."

أمّا الواقع الراهن مع الربع الأوّل للقرن الحادي والعشرين للميلاد، الموافق فيه الربع الثاني من القرن الخامس عشر للهجرة، فإنّه يشهد تطوّراً هائلاً في العلوم والمعارف، واقتداراً مذهلاً من التقنيّة والصناعة، وإمكانات لم يسبق ظهورها في وسائل الاتّصال والتوصيل والانتقال، ومع كلّ هذه القفزات يشهد العالم قاطبة تحدّيات وشروراً أذهبت الهناءة التي كان من المستطاع تحقيقها بفضل هذا التقدّم، ويشهد العالم حالات من العنصريّة وحبّ السيطرة يشكّل أنموذجها الأكثر خطراً على الأمم والشعوب –وفي القلب منها العرب والعالم الإسلامي- الصهيوأمريكان بدءاً من اغتصاب القدس وفلسطين، إلى احتلال العراق وأفغانستان، إلى نشر الأساطيل والقواعد العسكريّة، إلى الهيمنة الاقتصاديّة والإعلاميّة، يضاف إلى ذلك مشروعات سياسيّة فتنويّة عنوانها: الشرق الأوسط الجديد. ولهذه الغاية أطلقوا العنان لشياطين الفتنة في الاقتتال الإرهابي، والإفقار والسلب، والاغتصاب والنهب، ونشر المفاسد والرذائل وكلّ أشكال الانحراف والإدمان والشذوذ... الخ.

وبما أنّ الإسلام رحمة للعالمين، ويقوم على الوسطيّة والسماحة، فإنّ للعلماء المتنوّرين الدور كلّه في نشر الهدي والصلاح، ومقاومة الاحتلال واستباحة الحرمات، وقيادة الناس إلى شاطئ النجاة.

والعالِم المتنوّر أو المستنير، هو من تجرّد من قيود الهوى والمصلحة الخاصّة، ومن نوازع المفاخرة وطلب الشهرة الجوفاء، وهو من تحرّر من قيود الخذلان والجبن، لتكون عنده الجرأة في قول الحقّ والعمل في مقاومة المنكر والباطل والشرّ غير آبه بالثمن الذي سيدفعه، فصفة العالِم المؤمن القدوة المتنوّر هي ما جاء في قوله تعالى: ] يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ.[ (سورة المائدة، الآية54).

العلماء: أيّ دور مطلوب منهم؟

أمام التحدّيات المعاصرة بكلّ تشعّباتها ومصادر استنباتها، وما تعتمد من منطلقات، وما تعمد إليه من غايات، حصل ما هو في الواقع المعيوش من الخبط، والخلط، والانهيار لكثير من المباني القيميّة، واختلّ الانتظام العامّ، ناهيك عمّا ينتشر من جرائم، وقتل، وتعدّيات، واستباحة لكرامة الإنسان، أمام كلّ هذه الوقائع التي يمرّ بها العالم قاطبة، وما تشهده الساحة العربيّة والإسلاميّة من ارتدادات آثارها تدميريّة، تدور حوارات ونقاشات في الكثير من النوادي والمجالس، ويصل الجلساء إلى أسئلة هي: لماذا يحصل كلّ هذا؟ أليس من فجر بعد هذه الظلمات؟ ما الدور المطلوب من علماء الأمّة ليكونوا قادة سفينة النجاة للعرب والمسلمين وللناس أجمعين؟

جواباً على هذه التساؤلات الدائرة حول الدور المطلوب من العلماء يقترح هذا المقال ما يلي:

1- في سمات الشخصيّة العلمائيّة:

مفتتح الكلام في هذا الموضوع محتاجٌ الرجوع إلى الوحي الذي جاء فيه البلاغ باقتران وجود آدم عليه السلام بالعِلم. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِ‍ُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ.[ (سورة البقرة، الآية 31).

كلّ مخلوق له اسم يخصّه، والإسم هو محلّ النظر الحسّيّ والعقليّ، ومن ذلك يكون الإدراك، والإدراك أساس الوعي، والوعي يثمر الفهم، ومن مجموع الأفهام والمفاهيم يتشكّل الفكر. وقد أعطى الله –تعالى- الإنسان القدرة على التعقّل والتعلّم والتفكّر، فكانت له القوّة العاقلة التي تميّزه عن سائر المخلوقات، وإذا حصل من إنسان أن عطّل نوافذ إدراكه ومعهم أوقف التعقّل والتفكّر، فإنّه ينحطّ إلى مستوى البهائم. قال الله –تعالى- مبلغاً ذلك :]۞إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ.[ (سورة الأنفال، الآية 22).

وإذا انتقل الكلام إلى التحدّيات المعاصرة يفيد طرح سمات الشخصيّة العلمائيّة المنشودة التي تستطيع ردّ التحدّيات وقيادة العامّة إلى البرّ الآمن بما يلي:

أ- الفكر الرشيد: قال تعالى: ]قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا.[ (سورة الكهف، الآية 66). هذا الوحي الإلهي الذي أنطق به الله تعالى موسى عليه السلام يبيّن العلم المطلوب والفكر الصالح، فيصفه بالرشد.

وقد ورد في الآيات القرآنيّة ما هو توجيه للإنسان في مساره العاقل المفكّر، فجاء ما فيه ردع ونهي، وقد سمّاه العقّاد: (العقل الوازع)، وهذا العقل الوازع هو الضمير الذي يضبط السلوك من خلال الأمر والنهي، وفي هذا آيات كثيرة منها قوله تعالى: ]وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ.[ (سورة الملك، الآية 10).

بعد العقل الوازع والرادع تحدّث عبّاس محمود العقّاد عن ثلاثة مستويات من التفكير، فقال: "ومن خصائص العقل ملكة الإدراك التي يناط بها الفهم والتصوّر... ومن خصائص العقل أنّه يتأمّل فيما يدركه، ويقلّبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه وأسراره، ويبني عليها نتائجه وأحكامه، وهذه الخصائص تجمعها ملكة (الحكم)، وتتّصل بها ملكة الحكمة... ومن أعلى خصائص العقل الإنساني (الرشد)، وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد، ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، لأنّها استيفاء لجميع هذه الوظائف، وعليها مزيد من النضج، والتمام، والتمييز بميزة الرشاد  حيث لا نقص ولا اختلال."[1]

ب- الشجاعة: لا عالم جبان، هذه هي قاعدة العلمائيّة الذهبيّة، فالجبان والمتردّد لا يقوى على البحث والتمحيص، ولا هو رجل بناء واكتشاف، ولا يصلح للقيادة. ويتأتّى الجبن عندما يهوّل المرء على نفسه بالأمور الشخصيّة من أهواء ومصالح، فيدفعه ذلك إلى الفرار والتولّي.

وقد عالج الموضوع سابقون وأحسنوا، والأمانة العلميّة توجب ترك الكلام لهم في هذا الباب. قال أبو حامد الغزالي (ت505هـ): " ولم أزل في عنفوان شبابي، وريعان عمري، منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السنّ على الخمسين، أقتحم لجّة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغّل في كلّ ظلمة، وأتهجّم على كلّ مشكلة، وأتقحّم كلّ ورطة، وأتفحّص عن عقيدة كلّ فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كلّ طائفة، لأميّز بين محقّ ومبطل."[2]

هذا الصنف من العلماء المتّسمين بالمثابرة المقرونة بالشجاعة هم الصنف المطلوب في واقع اليوم، لأنّ العلماء هم من يناط بهم مهمّة البحث والإنتاج العلمي، وهم من بيتكرون ويخترعون، ثمّ عليهم تقع مسؤوليّة التربية وإعداد الاجيال، فإن أحسنوا تيقّظت الأمّة ونهض أفرادها بما هو موكل إليهم، وإن تركوها نائمة، أو قدّموا لها جرعات تخديريّة ستبقى أسيرة الجهل والاستبداد والتخلّف. وعند مراجعة السلف نجد عبدالرحمن الكواكبي يقول: "المستبدّ عدوّ الحقّ، عدوّ الحرّيّة وقاتلهما، والحقّ أبو البشر، والحرّيّة أمّهم، والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم إخوانهم الراشدون، إن أيقظوهم هبّوا وإن دعوهم لبّوا، وإلاّ فيتّصل نومهم بالموت."[3]

ج- هجر الجمود: يصحّ القول (الجمود موت). والنظام الكونيّ نظام حيوي، وكلّ مخلوق له حركة مخصوصة من الذرّة إلى المجرّة، فكيف بالنسبة إلى الإنسان؟ عندما يجنح أحد الناس إلى الجمود والسكون كأنّه بذلك يعاكس مشيئة الله –تعالى- الذي جعل الحركة في كلّ مخلوق.

كما إنّ معاندة الهدي الذي جاء به الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصولاً إلى الإسلام الرسالة الخاتمة، سببه الرئيس الجمود وتمسّك الجامدين بما ورثوه ونشأوا عليه، وقد نهى الإسلام عن الجمود الفكريّ أو الجمود العملي السلوكيّ، وهذا الجمود يحصل عندما يتشبّث إنسان بما تعلّمه من سلفه، أو عندما يقلّد ما كانوا يفعلونه. وجاء في هذا آيتان كريمتان في سورة واحدة ومتتابعتان في الترتيب هما قوله تعالى:

]بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ.[ (سورة الزخرف، الآية22).

]وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ.[ (سوؤة الزخرف، الآية23).

لقد عبّر عن مخاطر الجمود أمير البيان شكيب أرسلان، وصنّفه مع الجحود في فئة واحدة، فالنتائج السلبيّة لهما واحدة؛ وما قاله هو: "ومن أكبر عوامل انحطاط المسلمين الجمود على القديم، فكما أنّ آفّة الإسلام هي الفئة التي تريد أن تلغي كلّ شيء قديم، بدون نظر فيما هو ضارّ أو نافع، كذلك آفّة الإسلام هي الفئة الجامدة التي لا تريد أن تغيّر شيئاً... فقد أضاع الإسلام جامد وجاحد."[4]

ويفيد أن يتذكّر الجامدون بيتاً من الشعر العربي لأبي قاسم الشابّي من قصيدته (إرادة الحياة) قال فيه:

هو الكون حيّ يحبّ الحياة            ويكره الميت مهما كبر

فلينفض الجميع غبار الكسل والجمود عن أفكارهم، فالحاجة هي: (التزام الأصل ومواكبة العصر)، والتجديد في الفكر والأساليب والوسائل أمر أكثر من ضروريّ، هذا مع تمسّك بالثوابت والقيم والمقاصد الكليّة للشريعة.

د- إنتاج المعرفة: نشأ في الأمّة مجاميع من حملة الشهادات والأقلام ممّن اعتادوا استهلاك ما أنتج السلف أو الآخرون من العلوم والمعارف، فتجدهم يكرّرون، ويجمعون ما قاله سواهم من المواقف والآراء، ويجدر أن يتّجه السؤال لهم: هذا ما أنتجه غيركم، أمّا أنتم فماذا أنتجتم؟ هذا السلوك مؤذٍ، ويجعل الأمّة في موقع التابع للآخرين، أو في حال من التقليد التي تقود إلى الجمود.

الأصل أن يعتني كلّ عالم ومفكّر بما هو في دائرة ملكاته وكفاياته العلميّة، أو بلغة أخرى بما هو من اختصاصه العلميّ كي يكون منتجاً، وعليه أن لا يتجاوز ذلك إلى ما لا يتقنه، ولم يحط به علماً. قال الله تعالى: ]وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا.[ (سورة الإسراء، الآية 36).

وإذا التزم العالم الإنتاج في المعارف التي أحاط بقدرٍ وافٍ منها، يبقى أنّه بشر قد يحالفه الصواب، وينجح بتقديم جديد مفيد وله أجره على ذلك، وإذا حصل خطأ، أو لم يتمكّن الباحث المنتج من الوصول إلى ما هو وافٍ يبقى له شيء من الأجر لأنّه فتح باب الاجتهاد والمتابعة العلميّة للموضوع مادّة اجتهاده.

ويستفاد ذلك من الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه: "حدّثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا عبدالعزيز بن محمد، عن يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد، عن محمّد بن إبراهيم، عن يُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص، أنّه سمع رسول الله –تعالى- عليه الصلاة والسلام، قال:

إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب، فله أجران. وإذا حكم الحاكم فاجتهد، ثمّ أخطأ، فله أجر." (أخرجه مسلم، في (الصحيح)، في كتاب (الأقضية)، في باب (بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ). وأخرجه كذلك البخاري والترمذيّ.

إنّ التحدّيات المعاصرة على الأمّة جمعاء في أبواب السياسة، والاقتصاد، والإعلام، والفنون، والتقنيّة، والتربية، ومنظومة القيم، وأوّل ذلك الغزو الثقافيّ، والقيمي، والاقتصادي، والعسكري بالاحتلال والقواعد والأساطيل، أو الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي لفلسطين، لا يصحّ معه أن يبقى أحد من حملة الأقلام والكتّاب نائماً في أحضان الاستهلاك المعرفيّ، ومثل هذا عمل ينتج مخدّرات لأجيال الأمّة يؤدّي بها إلى التخلّف، فالواجب أن يحمل هؤلاء العلماء والمفكّرون والفقهاء المسؤوليّة التزاماً بما شاءه الله تعالى لمن يحمل المسؤوليّة، وهو قوله تعالى: ]إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَ‍ٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ.[ (سورة القصص، الآية 26).

هـ- التواضع والجدّيّة: إنّ العلم الذي يفعل فعله في المجتمع، ويستميل الأغلب الأعمّ من الناس، هو ذلك العلم الذي يحمله عالم يتمتّع بالخلق الحسن، والذي يكون محبّباً للناس، ويأنسون بقربه، هذا مع تميّزه بالجدّيّة والوقار، فلا هزل مع العلم، ولا تهوين أو تهويل، والعالم مثابر خلوق ليّن في معاملته.

لقد أخرج أبو بكر الهيثمي، في (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)، في كتاب (العلم)، في باب (أدب الطالب) الحديث الآتي:

"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله –تعالى- عليه الصلاة والسلام: تعلّموا العلم، وتعلّموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمون منه." وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبّاد بن كثير، وهو متروك الحديث.

وأخرج الحاكم، في (المستدرك على الصحيحين)، في كتاب (العلم)، الحديث الآتي : "حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، أنبأنا محمّد بن عبدالله بن عبدالحكم، أنبأنا ابن وهب، قال: سمعت ابن جريج يحدّث أنّ رسول الله –تعالى- عليه الصلاة والسلام قال: لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء، ولا لتحدّثوا به في المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار." والحديث في طبعة دار الفكر ببيروت، تحت رقم (294).

فالعلم للأجر والثواب ولازمته الأخلاق الرفيعة، ومقصد العالم منه الارتقاء بمجتمعه، ووطنه، وأمّته، وتقديم النفع العامّ للعالمين. وغرض العالم الجادّ المتحلّي بالأخلاق الوصول إلى الحقيقة، ولا مطلب آخر، وعليه أن يحذر السقوط في فخّ الغرور والكبرياء والعُجْب، فهذه كلّها أمراض نفسيّة شفاؤها مستعصٍ. ولطالما أحبّ كاتب هذه السطور أن يقول: (مرض الأبدان يُعالج أو يُسكّن، أمّا مرضى النفوس والقلوب فلا شفاء لهم.).

ويخلص البحث في السمات إلى تقرير مفاده: "إنّ المؤمن عندما يجادل، أو يناظر، أو يحاور يكون مقصده الأوّل والأخير جلاء الحقيقة والوصول إليها، ولا يكون في اهتمامه أن يفحم الخصم بغرض التباهي بمواهبه ومعارفه، ولا يصحّ منه أن يعتمد العلم والقدرات والخبرات منطلقاً للكبرياء والعجب، فهذا مرض يجعل صاحبه كالطاووس الذي يزهو بريشه الجميل، ولا يصحّ من عالم أن يجادل، أو يناظر، أو يحاور كي ينال من ذلك قسطاً من الجاه بين الناس، لأنّ كلّ ما سبق ذكره من الأمور المنهي عنها ليست إلاّ أمراضاً نفسيّة وقلبيّة تجعل صاحبها بين غير الأسوياء من الناس."[5]

2- مهمّات العلماء أمام التحدّيات المعاصرة:

إنّ التحدّيات المعاصرة عديدة ومتنوّعة ومتشابكة، ويصعب حصرها، أو الفصل بينها، فمنها ما هو ذاتي داخلي كالجهل، والفقر، والتخاذل، والتطرّف، وغير ذلك، ومنها ما هو خارجي إمّا من خلال الاحتلال واستباحة الحرمات، والأنموذج فلسطين وغيرها، وإمّا من خلال الاستتباع الاقتصادي، والعسكري، ومن خلال معاهدات أو مواثيق الميزان فيها مختلّ لصالح الخصوم والطامعين.

يُضاف إلى ذلك تحدّيات التقدّم التقني في مجال الاختراع والتصنيع، وبشكل خاصّ ذلك التقدّم الهائل في وسائل الاتّصال والتوصيل، وهذه الوسائل مشحونة بالثمين والغثّ، وبالنافع والضارّ، وبعوامل البناء ومعاول الهدم والتخريب.

قد تضيق الصفحات في مقالة حجمها محدود، ولا تتّسع لعرض التحدّيات بكلّ ما تحويه، أو يعمل أصحابها له، لكنّ الإجمال يؤشّر إلى الكثير من الواقع المعيوش، ويكون المطلوب في ضوء ذلك تحديد المهمّات أو القسم الأكبر منها بما يلي:

أ- التربية على الحرّيّة: ( لا كرامة بلا حرّيّة)، والحرّ خلاف العبد. والحرّيّة والتحرّر في صراع دائم مع الاستعباد والاستبداد. الحرّيّة أصل في فطرة كلّ إنسان، والمواطن الحرّ ركن أمّة حرّة ونامية ومزدهرة، ولعلّ ذلك ما ضمن الخلود لعبارة الفاروق عمر، رضي الله تعالى عنه، التي قال فيها: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً؟" لأنّها لامست مشاعر كلّ إنسان عرفها.

قال تعالى: ]۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا.[ (سورة الإسراء، الآية 70).

هذه الآية الكريمة تحدذد مقصداً من مقاصد الشريعة هو: "الحرّيّة"، وهذا يوجب على كلّ مؤمن أن ينافح لصون حرّيّته، وأن يلتزم خطًّا مقاوماً للعبوديّة، ومنه تحقيق الحرّيّة وصونها لكلّ إنسان. وإنّ الإيمان بالله تعالى يحرّر المؤمن من العبوديّة للمادّيّات والأهواء والمصالح، ويدفعه إلى البذل والتضحية من أجل حرّيّته وحرّيّة قومه والناس أجمعين.

ويسوق كاتب هذه المقالة لمن يتخاذلون في التضحية من أجل مقصد الحرّيّة حكاية الطيور مع الحرّيّة، فالعلماء في خصائص الطير يقولون: إنّ الطائر إذا سُجِن في قفص بدل أن يكون حرًّا طليقاً يتنقّل بين أحضان الطبيعة، يتراجع أداؤه في التغريد إلى قرابة النصف، وهناك طائر الشحرور يذهب إلى الأقصى في الموقف، فإذا وُضِع في قفص يمتنع عن التغريد، وعن الأكل والشرب، استنكاراً لتقييد حرّيّته، ويبقى كذلك حتّى يموت. وهذه عبرة لكلّ متهاون بحرّيّته وحرّيّة وطنه ومواطنه، والسؤال: هل هناك إنسان أقلّ حرصاً على الكرامة من شحرور؟

العلماء هم من يوقظون النيام من الناس، وهم من يدافعون عن الحرّيّة والتحرّر، وهم قادة المقاومة التي تنجز مطلب حرّيّة الوطن وحرّيّة المواطن.

"وإذا كان في المقاصد الضروريّة حفظ العقل وحفظ الدين، فكيف يتمّ هذان المقصدان، إن لم يقترنا بمقصد يؤسّس لهما، هو مقصد الحرّيّة؟! فالعقل محتاج للحرّيّة كي يكسب ويحصّل المعارف والخبرات، والحرّيّة ضرورة له كي يستنبط ويجتهد ويبتكر، ويمارس الإبداع وتجاوز قيود المكان والزمان والموروثات وسائر القيود، فلا عبد مبدع، والأحرار وحدهم هم من ينجزون ويبتكرون، والأحرار هم من يتمكّنون من التحليق عالياً مع التسامي والترقّي إلى مراتب الكرامة والعزّة، أمّا فاقدو الحرّيّة والمستتبعون فإنّهم كسالى خاملون، ومصاحبون للخذلان، والتقليد بلا بصيرة، ولا تأمّل ولا تفكير رشيد، وهؤلاء وضيعون في مطالبهم، ودونيّون في مشاعرهم وأحاسيسهم."[6]

واجب العلماء قيادة مشروع تنشئة وتربية للأجيال أساسه الحرّيّة كي نصل إلى جيل واعد تشرق معه كلّ صباح وعود بالأمل في التحرّر والتقدّم.

ب- وأد الفتن والدعوة للوحدة: لقد أثارت حالات التشيطن والشيطنة فتناً في ساحات عديدة، وأدّى هذا المسار إلى حالات كارثيّة، استباحت فيها قوى الشرّ والفتنة الدماء، والحرمات، والكرامات، ولم يحفظ هؤلاء عهداً، ولا ميثاقاً، ولا ذمّة.

أمّا محرّكات الفتنة فهي أيدٍ خارجيّة جنّدت ضعفاء النفوس، وسخّرتهم خدمة لمؤامراتها، وقد اتّخذت الفتن سلاحاً فتّاكاً هو العصبيّات البغيضة التي غذّت فكر الكراهيّة، ونوازع الحقد والتباغض، وكان الانتماء الخاصّ الإطار المعتمد لتشكيل هذه العصبيّات، وقد توزّع ذلك بين الطائفيّة، والمذهبيّة، والعرقيّة، والقبليّة، والعشائريّة، والجهويّة، والمهنة أو الاختصاص، وكلّ ذلك ينافي الإسلام الذي دعا إلى التآخي والتراحم، ونهى عن الفتن والاقتتال.

من ذلك آيات بيّنات ظاهرة المعنى والدلالة وهي: قوله تعالى: ﴿ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ (سورة البقرة، الآية 191). وقوله تعالى: ﴿ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ (سورة البقرة، الآية 217). وقوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ﴾ (سورة الأنفال، الآية 25).

لكن مع كلّ هذه النواهي تشهد الساحات أشكال الخصام، والاقتتال، والتدابر، وكلّ ذلك في خانة اتّباع الشيطان، ولا علاقة له بالإسلام الذي جاءت رسالته سمحة، ورحمة للعالمين كافّة، وليس للمسلمين، وإنّما هي رحمة لكلّ البشر، لا بل لكلّ الكائنات. وإذا راجعنا السنّة النبويّة الشريفة نجدها قد دعت إلى التآخي في أوّل نسيج مجتمعي صاغته يوم الهجرة في المدينة المنوّرة، حيث قام اجتماع المدينة على التآخي في الله تعالى.

ومن البيان النبوي في وأد الفتن وتحريم الاقتتال بين المؤمنين، وفي المجتمع الواحد، ما كان في خطبة (حجّة الوداع) حيث قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: "دماؤكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد، في هذا الشهر، في هذا اليوم... ألا لا ترجعنّ بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض."[7]

إنّ دور العلماء وبالتعاون مع كلّ المرجعيّات الأسْريّة، والحكوميّة، والإعلاميّة، والتربويّة، وغيرها، نشر فكر التراحم، والألفة، والتوادد، والتقارب، وفكر التصالح، وهجر كلّ العصبيّات، والأطروحات الفئويّة. والدعاء المفيد هذه الأيّام هو القول: (اللهم أعنّا على وأد الفتن وحقن الدماء).

ثمّ اعتماد المرجعيّة الحاكمة بالوحدة والأخوّة، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ (سورة آل عمران، الآية 103)

ج- نشر الوسطيّة: انتشرت في السنوات الأخيرة تيّارات من أهل الغلوّ توزّع أتباعها بين نقيضين هما: أهل الإفراط، وأهل التفريط. وباتت مجاميع من أبناء المجتمع تجنح إلى الدرجة القصوى من التشدّد، وأخرى اتّجهت إلى الدرجة القصوى من التهاون والاستهتار بالمثل العليا والقيم السامية.

ومثل هذا التطرّف باتّجاه كلا الاتّجاهين مذموم، ونتائجه تدمير وخراب، وويلات، الكلّ يلمس نتائجها في وحدات المجتمع، هذا مع العلم أنّ الخير في الوسط، لأنّ التوسّط فضيلة والتطرّف شرّ ومفسدة.

ومشيئة الله –تعالى- أن تحمل الأمّة هويّة الوسطيّة وبذلك تكون في مقام القدوة للأمم. فموقع الأمّة الشاهد الذي يكون أن تتمثّل فيها حالة الأنموذج الذي يُقتدى به. وقوله تعالى في هذا: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ (سورة البقرة، الآية 143).

فالوسطيّة تمثّل الخيريّة والجمال، وينشأ منها الثبات والتمكين الفردي والجماعي الذي تتكوّن من تراكمه حالة التمكين الحضاري كي لا يكون الفرد، أو يكون مجموع أهل الوطن والأمّة من المتقلّبين، فهؤلاء لا خير فيهم.

البعيد من الوسطيّة يكون مائلاً إلى حالة من الطرفيّة التي تقوده إلى السقوط، أمّا الوسطيّ في كلّ شؤونه فكراً وسلوكاً فإنّه واثق الخطى لا تجذبه إغراءات، ولا يخيفه وعيد وتهديد.

أمّا الواقف على طرف من كلّ شيء –حتّى ولو كان في الدين- فإنّه قابل للسقوط باتّجاه الحضيض والقاع. قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ.﴾ (سورة الحج، الآية11).

والشواهد على أنّ التوسّط في كلّ شيء سمة المؤمن، كثيرة من مرجعيّة القرآن الكريم. من ذلك قوله تعالى في أصول أداء الصلاة بتوسّط لا مكان للغلوّ والتطرّف فيه: ﴿ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا.﴾ (سورة الإسراء، الآية 110).

وقوله تعالى في قواعد الإنفاق الذي هو ركن (الزكاة) بعد الصلاة: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا.﴾ (سورة الفرقان، الآية 67).

والعلماء حاملو الأمانة واجبهم أن ينشروا الوسطيّة في القول والفعل، وأن يلتزموا التوسّط والاعتدال لأنّهم هم القدوة، وهم المنارات التي يهتدي بواسطتها عامّة أهل المجتمع. فالعالم الذي يتصرّف بروح مسؤولة يكون دقيق الالتزام بكلّ مستلزمات الوسطيّة.

ولا سبيل سوى ذلك لصناعة سفن النجاة، وقوارب السلامة العامّة، لكلّ الشعوب والأمم، ومن أجل معالجة أمراض الغلوّ والتطرّف.

د- تنمية الموارد البشريّة: الإنسان مستخلف في الأرض، وقد خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وكتب له التكريم في قوله تعالى: ﴿۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ.﴾ (سورة الإسراء، الآية 70).

وقد أعطى الله تعالى الإنسان نعمة العقل التي لم تُعطَ لسواه، وهو المكلّف بعمارة الأرض، ونشر الخير، وإقامة العدل، وترسيخ القيم وتطبيقها، تلك القيم التي تتحقّق من خلال صلاح الناس، والتي يحافظ الملتزم بها على الطبيعة وثرواتها، وينشط في التطوير والاستثمار من غير استبداد، أو استعباد للآخرين، ولا جشع، أو احتكار.

ولقد أجمع المعاصرون على أنّ الموارد البشريّة هي الركيزة الرئيسة من أجل اجتماعٍ بشريّ أرقى، والتنمية البشريّة عمادها عمليّة تعليميّة راقية تستجيب لمقتضيات الواقع، تقترن بعمليّة تربويّة تصقل الشخصيّة، وتهذّب السلوك، وتمرّن الناشئة على الفضائل، وتحصّنهم من الرذائل.

إنّ هذه المهمّة في تنمية الموارد البشريّة تقع على عاتق العلماء، فهم من يصوغ المشروع الفكري النهضوي، وهم من يؤصّل الفكر على الوسطيّة والقيم الفاضلة، وهم من يخطّط للدعوة وللعمليّة التعليميّة التربويّة، والعلماء يؤسّسون المناهج التعليميّة ومن فكرهم تكون مقرّراتها، ومن إعدادهم وتدريبهم يتخرّج المعلّمون والمربّون؛ لهذا يصحّ القول: العلماء والمفكّرون هم قادة الأمّة الحقيقيّون فبصلاحهم وارتقائهم، صلاح الشعوب وترقّيها. وإذا نجحت عمليّة تنمية الموارد البشريّة مع الاستخدام السليم للثروات، يكون الناتج الحضاري المُرضي.

هذه المعادلة رسمها المفكّر الجزائري مالك بن نبي (ت1973) وفق البيان الآتي:

إنسان + تراب(ثروة) + زمن = حضارة.

والأمم التي تروم التقدّم الحضاري واجبها قبل الاعتناء بالمادّيّات أن تعدّ المفكّرين والإنسان، وبعدها يتّجه الاهتمام إلى المادّيّات والتقنيّات وسائر الأمور المتعلّقة بها. وقد قال مالك بن نبي في ذلك:

"صناعة التاريخ تتمّ تبعاً لتأثير طرائق اجتماعيّة ثلاثة:

أ- تأثير عالم الأشخاص.

ب- تأثير عالم الأفكار.

ج- تأثير عالم الأشياء.

لكنّ هذه العوالم الثلاثة لا تعمل متفرّقة، بل تتوافق في عمل مشترك تأتي صورها طبقاً لنماذج أيدولوجيّة من عالم الأفكار، يتمّ تنفيذها بوسائل من عالم الأشياء، من أجل غاية يحدّدها عالم الأشخاص... وكما أنّ وحدة هذا العمل التاريخيّ ضرورة، فإنّ توافق هذه الوحدة مع الغاية منها، وهي التي تنسجم في صورة حضارة يعدّ ضرورة أيضاً."[8]

هـ- هجر السلبيّة ونشر منهج التصالح: لقد جنح عدد غير قليل من حملة الألقاب والشهادات، أو ممّن يتصدّرون المواقع العلمائيّة، إلى مستوى خطير من السلبيّة، وقد ترجموا ذلك بالانطوائيّة، أو مسايرة الأمر الواقع، أو إلباس المكاسب والمصالح جلباب التديّن والعلمائيّة، وهناك مجاميع عمدوا إلى سلبيّة أخرى هي المغالاة في طرح جزئيّات وتكبير حجمها مع أنّها ليست أموراً جوهريّة، كأن يذهب أحدهم لمناقشة الدخول بالرجل اليمنى أو اليسرى، واستخدام السواك أو الوسائل الصناعيّة لتنظيف الأسنان... الخ، وهذا كي يشغلوا المنتديات واللقاءات بنقاشات لا تحرّك ساكناً ولا تسكّن متحرّكاً.

لهذا يكون المطلوب، لا بل الواجب أن يهجر من هم في الموقع العلمائي السلبيّة، وعمليّة الاشتغال بجزئيّات أشبه ما تكون ملهاة لا ثمار منها، كي يتصدّوا بجدّيّة لصناعة فكريّة متنوّرة منها حصانة وحضانة ثقافيّة للأجيال، وإذا كانت ذريعة بعضهم أنّ ذلك قد ينتج منه أذى من جهات سلطويّة لا طاقة لهم بمعارضتها، فالجواب هو: إنّ المثقّف والعالم أصحاب مبادئ وفكر ومواقف، ولا عذر لهم بالحسابات الشخصيّة، وإلاّ واجبهم أن يصمتوا عن الحراك والنطق، ليتصدّى للمهمّة غيرهم.

والعالم الفاعل هو من يشكّل قدوة في الإصغاء للناس، وهو من يحيط بالواقع، ويقف على المشكلات،  ويقوم مع مجاميع العلماء بالدرس والمذاكرة، وبعدها يكون دور طرح الأفكار الثريّة بالحلول، وهذا العالم يتّسم بالقدرة على تحويل أفكاره إلى التطبيق والفعل، أو كما نردّد: العالم الحقّ هو من علم ليعمل، لا من علم ليتكلّم فقط.

الجانب الآخر في مهمّة العلماء هو واجب هجر كلّ ما ينفّر، أو ينشر التعصّب، أو يثير الفتن والنزاعات، ويكون واجبه نشر فكر أساسه التصالح والسماحة، والمنهج التصالحي هو ذلك الذي ينطلق من الوسطيّة والاعتدال في التعامل مع الأحكام والأفعال والأمور كافّة، ويكون رائده الوحدة والألفة وتمتين الروابط بين أبناء المجتمع الوطني، وكلّ ذلك يولّد الاستعداد لقبول التنوّع والتعدّديّة التي هي سنّة الله تعالى في الخلق والكون كلّه؛ إذ التنوّع شاءه الخالق سبحانه، وهو السائد من الذرّة إلى المجرّة، والخلاصة: إنّ الفكر التصالحي لا مكان فيه للآفاق الضيّقة، ولا التنميط على أُحاديّة الانتماء.

خاتمة هذا العنوان وضابطه الحديث النبوي الآتي: "عن شدّاد بن أوس؛ أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: إنّي لا أخاف على أمّتي إلاّ الأئمّة المضلّين." أخرجه أبو بكر الهيثمي، في (مجمع الزوائد)، في كتاب (الخلافه)، في باب (أئمة الجور والظلم وأئمة الضلال)، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

و- مناهج التعليم والمأسسة: إنّ مراجعة المناهج التعليميّة في بلدان الوطن العربي والعالم الإسلامي، يكتشف بلا كبير عناء، كيف أنّ هذه المناهج، ومعها المقرّرات قد باتت مزيجاً فيه الغثّ والثمين، وهو أضغاث يختلط فيها الأخضر واليابس، فمن الأقسام ما هو أصيل ومفيد، ومنها ما هو موروثات ميّتة تجاوزها الزمان والواقع، ومنه مستورد يحوي نفعاً، ومنها ما هو وافد محشوّ بالسمّ محتواه غزو فكري وقيمي مخالف ومناقض لهويّة الأمّة الثقافيّة، وأمام هذا الواقع يكون التصحيح محتاجاً لجهود علماء متمكنين علماً وخبرة كي يقوموا بعمليّة التنقية والتصفية، وبالمراجعة النقديّة، وبعدها تكون صياغة للمناهج والمقرّرات التي تصلح لتكوين شخصيّات الناشئة، لتكون مخرجات هذه العمليّات التعليميّة التربويّة أجيالاً واعدة يقع على عواتقها أمر الإصلاح والنهوض الحضاري.

كما أنّ صياغة المناهج والمقرّرات محتاج لإعداد المعلّم المؤهّل، ومعه توافر الإمكانات، والأدوات، والوسائل، وكلّ منتجات الحضارة، ليساعد ذلك في عمليّة تربويّة ناجحة، ويكون معها التخطيط لتتوافق مخرجات العمليّة التعليميّة مع مدخلات سوق العمل والإنتاج.

لكنّ الارتقاء تربويًّا وتعليميًّا محتاج إلى ركيزة أخرى هي المأسسة. فالعمل الفردي لم يعد له مكان، إلاّ إذا كان موظّفاً من خلال عمل مؤسّسي ينتظم به الأفراد في منهج تكاملي يكون من خلاله حشد الطاقات، وتجميع الإمكانات، وتكديس الكمّ، مع انتظام النوع، فالعمل المؤسّسي هو الذي يحقّق النهضة المأمولة. أمّا المأسسة، فالدافع باتّجاهها هو القاعدة القائلة: "إنّ عمر الجمعيّات والمنظّمات أطول من عمر الأفراد."

أمّا المؤسّسات فهي انتظام في أطر تتّخذ الطابع العلمي، أو المهني، أو الإبداعي الأدبي والفنّي، أو التربوي، أو الاجتماعي الخيري، أو الإعلامي، أو السياسي المنظّم، أو النقابي... الخ. والمؤسّسات المنتجة هي تلك التي يتولّى فيها كلّ ذي اختصاص متعلّقات اختصاصه وكفاياته، لأنّ إسناد الأمر لغير أهله من المسارات التي تبدّد الجهود والإمكانات في غير ما هو مجدٍ.

ز- التخطيط والإدارة: إنّ من مسبّبات الضعف في الأداء، ووجود حالات من الفشل، وذهاب الجهود سدى، وهدر الطاقات، حالات الارتجال والقفز في المجهول، التي يمارسها بعضهم، وما يدفعهم إلى ذلك الأنانيّة والاستعلاء، أو الشخصانيّة، أو روح الفرديّة، كلّ ذلك رغم أصالة فكر الاعتصام والانتظام والروح الجماعيّة في الفكر الذي ينشأ من مرجعيّة الإسلام.

إنّ التخطيط يشكّل الأساس للاستراتيجيّة النهضويّة في كلّ ميدان من ميادين الحياة، فالتخطيط يمنع هدر الجهود والطاقات، ويرشّد الخطى على درب الإنجاز الحضاريّ.

هذا التخطيط المبرمج وفق آجال زمنيّة، ووفق مواعيد دقيقة، والذي يتمّ فيه حشد القوى والخبرات مع استثمارها على الوجه الأفضل، يحتاج كذلك للإدارة الرشيدة التي يقوم عليها أشخاص أكفياء علماً وخبرة، وتتوافر فيهم القوّة والأمانة التزاماً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَ‍ٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ.﴾ (سورة القصص، الآية26).

والتخطيط مع الإدارة يلزمهما الرقابة المتشدّدة التي تضبط الخطى ولا تترك مجالاً للمفسدين أو أيّ شكل من أشكال الزلل والاستغلال للمواقع والسلطات.

أمّا مِلاك التخطيط والإدارة فإنّه مقاصد سامية، ومبادئ ثابتة، وثوابت التزامها واجب وضرورة.

خاتمة:

إنّ العلماء والنخب من أبناء الأمّة عليهم واجب تجاوز الذات والأنا، وهجر السلبيّة والأنانيّة، ووقف حال التباغض والتناكر والخلاف والخصام، وأن يعتمدوا روح العمل الفريقي طلباً للأهداف الآتية:

1- الحرّيّة المسؤولة مع تحرير البلاد والعباد من كلّ أشكال الاحتلال والسلب، بدءاً من تحرير المقدّسات وفلسطين إلى سائر المناطق والأمصار.

2- توظيف الطاقات بناءً لمقاصد الشريعة في الفرد والمجتمع من أجل كرامة الإنسان، وسعادته، وأمنه، وأمانه.

3- تجنيد العلم والخبرة، ومعهما الأقلام والإعلام، في المسارات الصحيحة.

4- تطوير مناهج التعليم مع إدارة سليمة، وتخطيط ينطلق من فكر رشيد، ومتنوّر لا قيود عليه، وأن تجنّد القوى من أجل تحقيق الحرّيّة السياسيّة والعدالة الاجتماعيّة.

5- الارتقاء بمستوى الخطاب مع تحديث الأساليب والوسائل، والتمسّك بالأصول والثوابت في إطار الشورى، والتكامل من أجل النهضة الحضاريّة التي تنمو في فضاء الهويّة الثقافيّة للأمّة.

 

[1]  عبّاس محمود العقّاد، التفكير فريضة إسلاميّة، تقديم وعناية أسعد السحمراني، بيروت، دار النفائس، ط1، سنة 1433هـ - 2012م، ص44، 45.

[2]  الإمام أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تقديم وعناية أسعد السحمراني، بيروت، دار النفائس، ط1، سنة 1430 هـ- 2009م، ص43.

[3]  عبدالرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تقديم أسعد السحمراني، بيروت، دار النفائس، ط4، سنة 1432هـ- 2011م، ص42.

[4]  الأمير شكيب أرسلان، لماذا تأخّر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟، تقديم وعناية أسعد السحمراني، بيروت، دار النفائس، ط1، سنة 1438هـ - 2016م، ص125.

[5]  أسعد السحمراني، الحوار في الإسلام: آدابه وقواعده، بيروت، دار النفائس، ط1، سنة 1433 هـ - 2012م، ص227.

[6]  أسعد السحمراني، مقاصد الشريعة بشأن الإنسان مجتمعاً مع كتاب مقاصد الشريعة للشاطبي، عناية ودراسة أسعد السحمراني، بيروت، دار النفائس، ط1، سنة 1436هـ-2015م، ص435، 436.

[7]  محمّد بن سعد، الطبقات الكبرى، م2، بيروت، دار بيروت، سنة 1405هـ-1985م، ص184.

[8]  مالك بن نبي، ميلاد مجتمع- شبكة العلاقات الاجتماعيّة، ترجمة أ.د. عبدالصبور شاهين، دمشق، دار الفكر، سنة 1974، ص23، 24.

انشر عبر
المزيد