بعد 10 أيام من المواجهة.. والحراك الشعبي الفلسطيني

ماذا تنتظر السلطة الفلسطينية لتنفيذ وعودها وترجمة مواقفها

15 كانون الأول 2017 - 11:50 - الجمعة 15 كانون الأول 2017, 11:50:22

السلطة الفلسطينية
السلطة الفلسطينية

وكالة القدس للأنباء - خاص

بعد مضي عشرة أيام على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجائر، الذي حوَّل فيه القدس من مدينة فلسطينية محتلة، إلى عاصمة لكيان الاحتلال الصهيوني، ترجمة لتعهداته الانتخابية للوبي الصهيوني، ما يزال الشعب الفلسطيني على حراكه الدائم والمستمر داخل الوطن المحتل وخارجه، مدعوما بسلسلة متصلة من الفعاليات الشعبية على مستوى العالمين العربي والإسلامي والعديد من العواصم والمدن الغربية والأميركية.

ولسان حال المنتفضين الذين يملأون الساحات ينطق برفض واستنكار وشجب وإدانة القرار الأميركي، ودعوة النظام العربي ومن يقف على رأسه، بمن فيه "السلطة الفلسطينية"، للتحرر من قيود اتفاقيات التسوية المبرمة مع كيان العدو الصهيوني، ووقف اللهاث وراء سراب التسويات التي تقود مسيرتها الإدارة الأميركية منذ عقود عدة، بخاصة وأن هذه الإدارة أقنعت حتى الدول الدائرة بفلكها أنها ما كانت يوماً، ولن تكون في المستقبل "راعٍ نزيه لمسيرة التسوية" للصراع العربي الصهيوني.

بموازاة ذلك ما تزال كلمات وقرارات المؤسسات العربية والإسلامية الرسمية بكل تسمياتها دون المستوى المطلوب، وتحافظ على لغتها وخطابها المعهود المتمسك "بخيار التسوية" ونهج المفاوضات، الذي يتحكم بمساره ومصيره الثنائي الأميركي "الإسرائيلي"، و"بمبادرة السلام العربية" (2002) التي أسقطها رئيس وزراء العدو أرئيل شارون بعدوانه على مخيم جنين بالضفة العربية المحتلة، وهو القائل بأن هذه المبادرة لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به...

والسؤال الذي يطرح نفسه على كافة الصعد والمستويات الفلسطينية والعربية والإسلامية هو أين تقف السلطة الفلسطينية اليوم، وماذا تنتظر لإعلان مواقف، واتخاذ قرارات بمستوى طموحات الشارع، وما الذي يمنعها من ترجمة وعودها التي تطلقها في لحظات "الحقيقة الناصعة"، كما هو الحال منذ "صفعة ترامب" التي أطلقها في السادس من كانون الأول/ ديسمبر الحالي.

الشارع الفلسطيني الذي يملأ الشوارع يراقب عن كثب مواقف المسؤولين الفلسطينيين، بمن فيها قادة الفصائل وحركات المقاومة والسلطة على حد سواء، يدرك بحسه العفوي وخبرته الطويلة حقيقة الاتجاهات السياسية المواكبة للقرار الأميركي، منها الواضحة المعالم والثابتة الاتجاه والتوجه، ومنها المترددة واللاعبة على حبال التوازن والتي يصح عليها صفة "اللعم".

وفي هذا السياق، توقف البعض أمام الكلمة التي ألقاها رئيس السلطة محمود عباس في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في إسطنبول بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر الجاري، ورأى فيها مواقف متقدمة و"نقاط إيجابية" كما قال داود شهاب مدير المكتب الإعلامي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، مضيفاً "ما زلنا نرى أن موقف السلطة هو دون المستوى المطلوب للرد على خطيئة أو جريمة الرئيس الامريكي ترامب".

وشدد شهاب على أن "الارتهان للتسوية يمنح العدو الصهيوني مزيدا من الوقت والفرص لتهويد القدس وتنفيذ قرار ترامب وصولا إلى تصفية القضية الفلسطينية".

فقد أعلن عباس، من على منصة مؤتمر الدول الإسلامية الاستثنائي في اسطنبول، يوم الأربعاء الماضي، أن "استمرار إسرائيل في انتهاكاتها يجعلنا في حل من الاتفاقيات معها بما فيها أوسلو"، مؤكداً أن "القدس كانت، ولا زالت، وستظل إلى الأبد، عاصمة دولة فلسطين، التي لا سلام ولا استقرار دون أن تكون كذلك".

وأوضح عباس، أن إعلان الرئيس الأميركي، "بأن القدس عاصمة إسرائيل، وتعليماته بنقل سفارة بلاده إليها، انتهاك صارخ للقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة وخاصة قرارات مجلس الأمن، واستفزاز للمجتمع الدولي"، مؤكداً "رفض القرارات الأميركية الأحادية وغير الشرعية والباطلة"، مشيرا إلى أن "الولايات المتحدة بذلك قد اختارت أن تفقد أهليتها كوسيط، وأن لا يكون لها دور في العملية السياسية".

وقال: "إن استمرار إسرائيل بانتهاكاتها وممارساتها الاستعمارية وخاصة في القدس، يجعلنا في حل من الاتفاقيات الموقعة معها، حيث لا يمكننا أن نبقى سلطة بدون سلطة، وتحت احتلال بلا كلفة، وطالب دول العالم "بمراجعة اعترافها بدولة إسرائيل ما دامت تصر على مخالفة قواعد القانون الدولي، وخرق جميع القرارات الدولية منذ إنشائها في العام 1948".

الكلام الذي أطلقه عباس في إسطنبول وتضمن نقاط "إيجابية" يحمل اعترافا بأن الادارة الأميركية لم تعد و"سيطاً نزيهاً"، وأن القرارات الأميركية والتوجهات "الإسرائيلية" قولاً وفعلاً، تشي بأن "الدولة الفلسطينية" التي تطمح إليها السلطة لم يعد منها سوى بقايا "دولة مشتتة" مزروعة بالمستوطنات والمستوطنين، لا تواصل فيما بينها، بلا القدس وبلا عودة اللاجئين وبلا سيادة، دولة مهمتها خدمة المصالح "الإسرائيلية"، على كافة الصعد والمستويات...

وبالرغم من هذه الإيجابية فقد رهن محمود عباس مواقفه بالغطاء العربي الرسمي، وضبط إيقاع تحركاته بسقف القوى المهيمنة على النظام العربي الرسمي، والتي كشفت تصريحات بعض مسؤولي السلطة بأنها تدفعه للموافقة على خطة ترامب للتسوية، التي لم تراع سوى المصالح "الإسرائيلية".  وهذا الرهان وضع عباس في مأزق عميق، إذ أنه غير قادر على مواكبة الشارع الفلسطيني المنتفض، والذهاب معه بعيداً في خياراته الكلية الوضوح، ولا هو قادر على ترك المركب العربي الرسمي، بما فيه من ثقوب قد تساهم في إغراقه أكثر في وحول "التسوية الأميركية" بما يعمق أزمته الداخلية ليس مع الفصائل والحركات والشارع الفلسطيني المنتفض فحسب، وإنما مع الحركة التي يرأسها، والتي ستحتفل بعد أيام بالذكرى الـ52 لانطلاقتها في الأول من كانون الثاني/يناير المقبل.

محمود عباس يقف اليوم أمام الحقيقة الواضحة كعين الشمس، فإما أن يستجيب للضغوط العربية الرسمية، المقرونة ببعض الفتات من المساعدات، ويتابع ما بدأته السلطة منذ العام 1993، من تبعية مطلقة للعدو الصهيوني وخدمة مصالحه، واستمرار التنسيق الأمني الحامي للكيان ومستوطنيه، وإما أن يستجيب لنبض الشارع الفلسطيني والعربي وتطلعاته ويدعم نضاله المشروع لإسقاط القرار الأميركي الذي لا يرفضه الشارع العربي فحسب، وإنما الكثير من دول العالم بما فيها دول مجلس الأمن الدولي...

"النقاط الإيجابية" التي جاءت في كلمة محمود عباس في إسطنبول، ستذهب أدراج الرياح، وسيتجاوزها المنتفضون ما لم يعمل رئيس السلطة على إخراجها من سياقها الكلامي إلى الميدان العملي الذي يتمناه الفلسطينيون من رافضي السلطة ومؤيديها...

إن محمود عباس مدعو اليوم لتعبيد طريق خاتمته بالأعمال التي ينشدها الفلسطينيون بانتفاضة القدس المتجددة، ويعمل بكل ما لديه من قوة للخروج من المأزق والوهم والسراب الذي يلاحقه منذ ربع قرن قبل أن يتحول إلى قيد يقطع الأنفاس.  فالمطلوب بيّن وواضح، وعليه إجماع فلسطيني تعبر عنه الانتفاضة المتجددة، ويتركز على أبرز النقاط التالية:

حل السلطة الفلسطينية؛ ووقف التنسيق الأمني وللمرة الأخيرة؛ ودعوة الإطار القيادي الموحد لتحمل مسؤولياته كاملة عن القضية الفلسطينية التي تمر اليوم بواحد من أخطر المنعطفات التاريخية التي تمر بها؛ ودعوة أطر منظمة التحرير الفلسطينية لاتخاذ قرارات مصيرية بسحب اعترافها بكيان العدو الصهيوني، والتراجع عن قرار شطب الميثاق الوطني الفلسطيني؛ ورفع حالة الاستنفار والاهتمام اليوم قبل الغد باللاجئين الفلسطينيين للوقوف أمام المخططات المعلنة والسرية التي تستهدف تصفية قضيتهم وإسقاط حق العودة بتوطينهم وتشريدهم من جديد.

فهل يفعلها عباس؟ إنه التحدي.. فإما استمرار الارتهان للتسوية المذلة، التي تمنح العدو الصهيوني مزيداً من الوقت والفرص لتهويد القدس وإسقاط حق العودة وصولاً إلى تصفية القضية الفلسطينية"، وبدون دولة فلسطينية!... وإما العودة إلى الشعب الفلسطيني وخياراته التي دفع من أجلها خيرة أبنائه على مدى قرن من الزمان في معركة المصير المفتوحة مع المشروع الاستعماري الصهيوني الأميركي الغربي.

انشر عبر
المزيد