حوار الحضارات والأديان كواجهة للتطبيع مع العدو

14 كانون الأول 2017 - 10:10 - الخميس 14 كانون الأول 2017, 10:10:47

جمعية هذه هي البحرين خلال زيارتها التطبيعية للكيان الصهيوني
جمعية هذه هي البحرين خلال زيارتها التطبيعية للكيان الصهيوني

وكالة القدس للأنباء – خاص

مقال بقلم / راغدة عسيران

قام وفد بحريني من جمعية "هذه هي البحرين" بزيارة تطبيعية الى فلسطين المحتلة، بعد إعلان الرئيس الأميركي ترامب الحرب على شعوب الأمة، مهديا مدينة القدس الى العدو الصهيوني. رفض المقدسيون السماح بدخول الوفد المطبّع الى المسجد الأقصى المبارك، فيما ندّدت فصائل المقاومة بهذه الجريمة الجديدة بحق فلسطين. من جهة أخرى، تبرأت جهات بحرينية عدة من هذا الوفد الذي لا يمثل الشعب البحريني.

رغم التصريحات الرسمية البحرينية بأن الوفد "لا يمثل أي جهة رسمية"، إلا أن الوفد أصرّ في لقاءاته على أنه يحمل رسالة "التسامح والتعايش" لملك البحرين. وكان الصحفي ألكس ماكدولند قد كشف على موقع "ميدل إيست آي"، في عام 2015، إن جمعية "هذه هي البحرين" هي جمعية حكومية مؤلفة من 200 عضواً، وقد وقّعت مذكرة تفاهم مع معهد "ميمري" الصهيوني من أجل "تحسين صورة البحرين في الخارج". من المعروف أن معهد "ميمري"، الذي يدعي "بناء الجسور" بين الشعوب، يلاحق الإعلاميين الذين ينتقدون كيان العدو في كافة أنحاء العالم، ويشهّر بهم.

لم تخف العائلة الحاكمة في البحرين تواصلها مع أركان الحركة الصهيونية منذ عقود من الزمن، وخاصة منذ انتفاضة الأقصى.  تشير التقارير إلى بداية العلاقة بين النظام البحريني والكيان الصهيوني إلى ما بعد إتفاقيات أوسلو، في عام 1994، ولكنها تجدّدت بعد انتفاضة الأقصى من خلال مشروع صهيوني عالمي يدعو الى "الحوار بين الأديان".

شعرت الحركة الصهيونية العالمية، خلال انتفاضة الأقصى، بتجاوب العرب والمسلمين في العالم مع الانتفاضة، واهتزاز إجماع الدول الغربية المؤيدة للعدوان الصهيوني، لا سيما وأن المسلمين في هذه الدول أقدموا على مبادرات داعمة للانتفاضة، خارجة عن وصاية الأحزاب التقليدية.  فانتقلت المواجهة بين المؤيدين للكيان الصهيوني من جهة والمؤيدين للشعب الفلسطيني والحق العربي من جهة أخرى، إلى الساحات الغربية، فيما تصاعد الصوت العنصري والمناهض للإسلام في هذه الدول، كما تصاعد التحريض على المسلمين وعلى الإسلام، واتهامه بالإرهاب والعنف. انقسمت الجاليات اليهودية في العالم إزاء موجة الكراهية للإسلام في العالم الغربي، في الولايات المتحدة والدول الأوروبية. فيما شاركت بعضها في هذه الحملة الهستيرية العدائية، تبنى آخرون بصورة أكثر دهاءاً موقف الدفاع عن المسلمين في محاولة لإبعادهم عن القضية الفلسطينية ودعمهم للمقاومة الفلسطينية، بجعل رهاب الإسلام موازي لمعاداة السامية (أي معاداة اليهود في نظر الصهاينة) في العالم، أي الدفاع عن حرية "الأقليات" (المسلمة واليهودية) في الغرب وإطلاق الحوار بين الأديان والحضارات، لتقريب وجهات النظر بينها.

نشط الحاخام مارك شناير، وهو حاخام المعبد اليهودي في مدينة هامبتون الأميركية، ومؤسس "هيئة التفاهم بين الأعراق"، التي يرأسها منذ العام 1990، تحت هذه المظلة، فدافع عن الحضور الإسلامي في الولايات المتحدة وواجه موجة الكراهية إزاء المسلمين، فيما كان يتولّى في الوقت ذاته منصب نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ورئيس فخري للمؤتمر اليهودي العالمي في الولايات المتحدة. تشير مناصبه الفعلية والفخرية على أنه يسعى الى تحييد المسلمين عن "الصراع العربي الصهيوني" وإبعادهم عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي كان يكثف فيه، هو وأبناء جالياته في العالم الغربي، دعم الاحتلال الصهيوني وعدوانه على الأمة. وقد استطاع توسيع نشاطه نحو الدول الأوروبية في السنوات الماضية، حيث أقيمت ندوات تجمع بين الأئمة المسلمين وحاخامات يهود في العاصمة البلجيكية (2010)، وفيينا (2009)، ومدريد (2008) وباريس (2011)، هدفها حث أئمة المساجد في أوروبا على إلغاء القضية الفلسطينية من وجدان المسلمين، وتبنّي المواقف الرسمية التي تصدر عن الدول الأوروبية التي ينتمون اليها، والتي تؤيد غالباً الكيان الصهيوني.

في سياق هذه الحملة الصهيونية تحت شعار "حوار الأديان"، انبثقت أصوات لأئمة مساجد في فرنسا، كالإمام التونسي حسن شلغومي، الذي بنى صداقات راسخة مع ممثلي الحركات الصهيونية في فرنسا، تدعو إلى "الحوار والتسامح" مع الصهاينة، وليس مع اليهود المناهضين للصهيونية أو المنتقدين لسياسة الكيان العدوانية.  بعد سنوات من تمتين علاقاته مع الصهاينة في أوروبا، شكّل وفداً من أئمة المساجد في فرنسا لزيارة الكيان الصهيوني تحت شعار الحوار والبحث عن السلام.  تم استقبال الوفد في المسجد الأقصى والقدس ورام الله، وعكا والناصرة، من قبل شخصيات فلسطينية، واستقبله الصهاينة في مستوطناتهم ومتاحفهم حيث رووا له أساطيرهم الكاذبة. يمثل حسن شلغومي في فرنسا أحد أقطاب التطبيع "الإسلامي" مع الكيان الصهيوني تحت ذريعة حوار الأديان.

القطب الآخر للتطبيع بذريعة الحوار هو الحكم البحريني وبعض حكام الدول الخليجية التي استقبلت الحاخام مارك شناير كمتحدّث باسم الديانة اليهودية في مؤتمرات نُظّمت كواجهة لرفض "التطرف الإسلامي"، كما حصل في "مؤتمر الدوحة للحوار بين الأديان" في قطر عام 2010. وفي حين لم تتجاوز الدول الخليجية إشراك المسؤول الصهيوني في مؤتمراتها، صعّدت العائلة الحاكمة في البحرين علاقاتها مع هذا الحاخام واستقبلته كرئيس وفد يهودي أميركي في العام 2011، للبحث عن أوضاع "الجالية اليهودية البحرانية"، وهي حسب الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية لا تتعدى 1%، أي ما بين 36 و40 شخصاً. وقد صرّح مارك شناير وقتها أن الملك البحريني "ملتزم ببناء علاقات مع إسرائيل. في الواقع، لقد اتفقنا في أول لقاء لنا أنه لدى البحرين وإسرائيل عدو مشترك، وهو إيران". نزع مؤسس "هيئة التفاهم بين الأعراق" عنه وجه الساعي الى الحوار بين الأديان والحضارات، ليلبس بكل صراحة رداء الدفاع عن الكيان الصهيوني.

وإضافة إلى علاقاتها المميزة مع مسؤول في المؤتمر اليهودي العالمي، تقرّبت العائلة الحاكمة في البحرين من مركز سايمون فايزنتال في لوس انجلس، المركز الذي ينوي إقامة "متحف التسامح" على أرض مقبرة مأمن الله في القدس المحتلة. وقد قرّر الملك إنشاء "متحف للتسامح الديني" في المنامة في العام 2018، على غرار متحف فايزنتال، بعد التشاور مع هذا المركز الصهيوني الداعي للتسامح، هو أيضا.

رسّخت العائلة الحاكمة في البحرين تواصلها مع الجاليات اليهودية الصهيونية في كل أنحاء العالم الغربي، وقد شارك سفيرها في فرنسا ناصر البلوشي في زيارة النصب التذكاري لـ"محرقة اليهود" في أيلول 2012، بمبادرة من الكاتب اليهودي الفرنسي ماريك هالتر وإمام مسجد درانسي حسن الشلغومي، كما جاء في تقرير موسّع حول علاقات التطبيع بين العائلة الحاكمة والصهاينة.

تأكّد هذا التوجه التطبيعي للعائلة الحاكمة في البحرين هذا العام في احتفال أقيم في لوس انجلس في تشرين الثاني لتدشين "مركز الملك حمد العالمي للحوار بين الأديان والتعايش السلمي" الذي ساهم في "إنجاحه" مركز سايمون وايزنتال، كما جاء في كلمة الشكر الذي وجهها ولي العهد البحريني الى هذه المؤسسة الصهيونية التي تساهم في نبش قبور المسلمين في القدس.

تؤكد تصريحات العائلة الحاكمة في البحرين كافة، منذ عام 1994، على نيتها بإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني، متحجّجة بـ"الحوار بين الأديان"؛ حيث تعتبر أن الكيان المغتصب لفلسطين يمثل الجاليات اليهودية في العالم، رغم وجود العشرات من المؤسسات اليهودية في العالم، وبخاصة في الولايات المتحدة، التي ترفض أن يكون الكيان ممثلاً لها، ما يعني أن الحوار بين الأديان الذي تتبناه جهات عربية وإسلامية، عندما يقترن بمشاركة الصهاينة، في الغرب أو في كيان العدو، ليس إلا حجة زائفة لإقامة علاقات تطبيعية مع العدو، تطعن بها الشعب الفلسطيني وحقه في فلسطين، كما تطعن الشعوب العربية والإسلامية وحقها في تحرير أرضها وحمايته في وجه الاعداء.

انشر عبر
المزيد